فرانسوا باسيلي’مات الملك، عاش الملك’ هو شعار أوروبي قديم يعبر عن رغبة وقدرة السلطة والحاشية المتحلقة حولها والمنتفعة بها على تجاوز حدث وفاة الملك الحالي والالتفاف السريع حول الملك الجديد للحفاظ على تماسك السلطة وغنائم القوى الحاكمة، وكان هذا الشعار مطبقا أيضا في مصر والبلاد العربية لضمان سهولة التوريث وإستمرارية الحكم في العائلة الواحدة، سواء كان ذلك الحكم ملكيا أم جمهوريا، إلى أن جاءت ثورات الربيع العربي لتسقط هذا الشعار مرة واحدة ونهائية كما هو الحال في مصر، وكما ينتظر أن يصبح الحال بعد ذلك حتى في الملكيات العربية التي لن تستطيع الصمود طويلا سوى بتحويل نفسها إلى ملكيات دستورية يملك فيها الملك ولا يحكم.
الشعار الجديد الذي ترفعه ثورات الربيع العربي وبالأخص الثورة المصرية هو ‘مات الفرعون، عاش الشعب’، فسواء جاء رئيسا لمصر الدكتور محمد مرسي ممثلا لتيار الإسلام السياسي أم الفريق أحمد شفيق ممثلا لاستمرارية النظام الحاكم والدولة المصرية بشكلها المدني المعتاد، ففي الحالتين ما لا شك فيه هو أن الفرعون قد مات إلى الأبد، ومن سيأتي لحكم مصر يعرف يقينا أنه يحكم شعبا إستطاع بقدرة عبقرية أن يستلهم تاريخه السحيق الحي لكي يحقق معجزة البعث التي حفرتها في أعماقه التاريخية أسطورة إيزيس التي جمعت من أقاصي مصر أشلاء زوجها المقتول على يدي إله الشر ورقدت فوقها نافثة فيها روح الحياة فقام ازوريس من الموت لينتصر الخير والعدل في مصر، عرف المصريون أخيرا مدى القوة الهائلة الكامنة في أعماقهم الجمعية وقدرتها الحاسمة على إسقاط الطغيان حتى ولو كان مسلحا بأعتى أسلحة البطش والقمع، وذاقوا نشوة الحرية وشهوة إملاء القدرة الذاتية والكرامة الشخصية ولن يعود مارد الثورة الشعبية إلى قمقمه مرة أخرى.
يمكن أن يقتصر نظر البعض على ما تحت أقدامهم فلا يرون للثورة المصرية إنجازا سوى الفوضى في الشارع والتيار الإسلامي من إخوان وسلفيين في مجلس الشعب وربما أيضا في الرئاسة، أو الإستيلاء على الرئاسة – عن طريق الصندوق’ من قبل بقايا النظام البائد، فيعتقدون بهذا ان الثورة لم تحقق أهدافها وأن الثوار الذين خرجوا إلى ميادين مصر ـ وخاصة ميدان التحرير ـ لم يجنوا ثمار تضحياتهم ودماء شهدائهم، ولكن هذه النظرة المبتسرة تظلم نفسها وتظلم الثورة حين تحد رؤيتها بما هو لحظي وعابر وطبيعي وتغفل مثل هذه النظرة السوداوية عن رؤية ما تحقق فعلا من إنجازات مذهلة لم تكن فى الأحلام من قبل عام ونصف فقط. ماذا يمكن للرؤية المستقبلية أن ترى اليوم ومصر في أول انتخابات رئاسية ديموقراطية ونزيهة في تاريخها؟ ماذا حققت الثورة حتى اليوم وماذا ستتمكن من تحقيقه في السنوات الخمس ثم العشر القادمة؟ حين تواعد شباب مصر على الخروج إلى الشوارع والميادين في 25 يناير 2011 لم يكن الهدف محددا وواضحا- كان الموعد هو ‘يوم الشرطة’ وكان الهدف هو الإحتجاج على النظام البوليسي الباطش المتوحش الذي كان يهين المواطنين كل يوم في الشوارع في أقسام الشرطة، والذي تسبب في القتل الوحشي للشاب السكندري الجميل خالد سعيد، دون أدنى محاولة من نظام الرئيس المصري المخلوع للتحقيق في الجريمة ومعاقبة مرتكبيها، تواعدوا على صفحات الفيسبوك وتويتر على الخروج من عشرين نقطة في عشرين من أحياء القاهرة المتناثرة حتى لا تستطيع الشرطة محاصرة المتظاهرين في مكان واحد كما أعتادوا أن يفعلوا، ولكن الاتفاق على زمان ومكان الخروج لم يصحبه اتفاق على شعار أو كلمات محددة تعبر عن هدف هذا الخروج وتصوغ مطالبه وإحدى عجائب الثورة المصرية المليئة بالعجب والدهشة هو أن لا أحد إلى اليوم يعرف من أين إنطلق الشعاران الأساسيان اللذان ظهرا تلقائيا بعد ظهر ذلك اليوم في هتافات الجموع الخارجة من كل أنحاء القاهرة زاحفة إلى ميدان التحرير، وهما ‘عيش، حرية، عدالة إجتماعية’ و’الشعب يريد إسقاط النظام’ . أما الشعار الثالث الذي ظهر بعد ذلك بقليل على لسان الثوار في كل مكان فهو ‘أرفع رأسك فوق إنت مصري’. فماذا تحقق من هذه الشعارات والمطالب الثورية بعد عام وثلث عام من الثورة؟ وما مستقبل مالم يتحقق بعد منها في وجود أول رئيس منتخب بإرادة شعبية حرة؟
إسقاط النظام رغم كل ما يقال عن أن رأس النظام فقط هو ما نجح الثوار في إسقاطه بينما بقي هيكل النظام كما هو، خاصة وأن المجلس العسكري نفسه هو من أعمدة ذلك الهيكل الذي بقي من النظام، ورغم كل ما دار حول دورهم القاصر أو المشبوه في إدارة البلاد في المرحلة الانتقالية، بل وحتى إذا أصبح الفريق شفيق رئيسا ـ فإن الرصد الواقعي المنصف لحال مصر اليوم يحتم علينا أن نقول أن النظام قد سقط فعلا- فالنظام أساسا ليس مجرد أشخاص أو مناصب أو تشكيلات أو أحزاب ـ وقد سقط من هؤلاء ما سقط- ولكن الأساس في النظام هو ‘روحه’ أو ‘أسلوبه’ أو ‘عقليته’ التي يدير بها الأمور، لقد سقطت هذه العقلية القديمة بما تحمله من اعتماد على القوة الغاشمة وإهانة المواطنين واحتقارهم والتسلط عليهم، سقطت عقلية ‘خليهم يتسلوا’ التي مثلها الرئيس المخلوع خير تمثيل، عقلية بليدة ضعيفة ذليلة أمام خصومها متوحشة على شعبها غير مدركة لقدر ومكانة الوطن التاريخي العظيم الذى تمثله، لقد نجحت الثورة المصرية العبقرية في إسقاط النظام بكامل أركانه وركامه، بكامل هياكله وشباكه العنكبوتية وما يسكنها من عقارب وأفعاعي، ليس الرأس فقط الذي سقط وتدحرج على رصيف ميدان التحرير ثم هوى إلى قاع المجارير في باطن أرضه ولكن سقط قلب النظام وروحه وعقله أى سقط كله ومن بقي من بقاياه وأيتامه لن يبقوا كما كانوا بل أجبرتهم الثورة بما خلقت من رياح الحرية على التغيير ومواكبة العصر الجديد، وليس أكبر كمثال على هذا من رؤيتنا لبعض بقايا النظام الساقط وقد رشحوا أنفسهم لمنصب رئيس الجمهورية يجوبون أشتات الوادي من أقصاه إلى أقصاه مستجدين أصوات أسيادهم المواطنين، معلنين أنهم يتشرفون بخدمتهم في موقع رئيس الجمهورية، وهكذا نزل الفرعون عن عرشه وانحنى أمام المصدر الحقيقي لسلطاته الشرعية، لقد سقطت إلى الأبد فكرة النظام القديم المتسلط الفاسد اللامبالي، سقطت عقيدة الفرعون مرة واحدة ونهائية بعد سبعة آلاف سنة من التفرعن والتسيد، سقطت على أيدي شباب ثوار أحرار عقدوا العزم على ألا يستعبدوا بعد اليوم، ودفعوا بأرواحهم ودمائهم مهر عروسهم مصر الجديدة الفتية البهية.
الحرية كما حقق الثوار شعار ‘الشعب يريد إسقاط النظام’ بإسقاطهم الكامل والهائل للنظام البائد كما أوضحت، نجحوا أيضا في تحقيق واحد من أهم مطالبهم في شعارهم الذى هتفوا به ‘عيش ـ حرية ـ عدالة أجتماعية’ لقد حققوا حريتهم وحرية مصر كلها، بما فيها مواطنيهم الذين ينتمون ‘لحزب الكنبة’ وهاهم يمارسون اليوم حقهم في تكوين الأحزاب والترشح للرئاسة ومجلس الشعب، وحقهم في اختيار ممثليهم ونوابهم وحقهم في السير في الطريق العام دون خوف من شرطي يتجبر عليهم ويهينهم بل وقد يقتلهم كما قتلوا خالد سعيد، لقد أصبح المصريون أحرارا حرية حقيقية لأول مرة في تاريخهم يمارسون ديموقراطية هي بكل عيوبها وأخطائها وتعثرات خطواتها الأولى أفضل من أي نظام عرفوه من قبل، ومن الطبيعي أن تكون للحرية أخطاء لمن يعرفها لأول مرة فيتطرف في ممارستها ويخطئ في فهمها- ولكن هذه كلها تصحح نفسها مع الممارسة والوقت- والمرعوبون من الحرية في مصر اليوم ولا يرون منها سوى الفوضى لا ينظرون إلى مصر كوطن تاريخي هائل وباهظ وضارب في الزمان والمكان، ولكن ينظرون فقط إلى بلطجي أو سارق بائس في شارعهم فيفزعون، هؤلاء لا يثورون أبدا وهم موجودون في كل مجتمع وفي كل مكان، ولكن يبقى للنخبة الثائرة فضل الريادة والتضحية والمبادرة وقيادة الجموع نحو الحرية والحياة الانسانية الجديرة بالانسان، وهذا هو فضل الثورة المصرية وشبابها الثائر الذي حقق الحرية للمصريين جميعا. الكرامة يبقى من شعارات الثورة شعارها الثالث: ‘ارفع راسك فوق أنت مصري’ وأقول أن الثوار قد نجحوا في تحقيق هذا المطلب بامتياز بقيامهم بثورتهم هذه وبنجاحها المذهل في إسقاط النظام خلال ثمانية عشر يوما فقط. لقد كانت إحدى الخطايا المميتة للنظام هى أنه جعل المصريين، وخاصة الشباب، يشعرون بالاهانة والمهانة، فهم يتخرجون من الجامعات فلا يجدون عملا، فلا يستطيعون ‘فتح بيت’ لممارسة حقهم المشروع في الشعور بالرجولة والكرامة والآدمية. وجد الشاب المصري نفسه في عهد المخلوع بلا عمل وبلا أمل، حتى راح بعضهم يركب البحر في محاولات انتحارية للفرار من بلد طردته ولم يجد له مكانا في حضنها، فيصل الشاب المصري إلى شواطئ إيطاليا واليونان لاجئا غير شرعي، تطارده الشرطة لتعيده إلى بلده أو تعتقله، وحتى من راح يعمل في دول الخليج كان يلاقي أشد أنواع العنت بسبب نظام الكفيل ولا يجد في قنصلية بلده أي معين له، فكان المصري يشعر بالمهانة والإهانة داخل بلده وخارجها على السواء، بينما يرى الوصوليين الواصلين ينهبون ثروات البلد بجشع فاجر فيبنون القصور لسكناهم وكأنهم ملوك هذا الزمان في بلد تيحطه العشوائيات من كل مكان، ثم يرى هذا الشباب رئيسه يذل نفسه أمام القوى الأجنبية ويقزم دور مصر حتى يصبح أقل من دور وسيط أو سمسار أو عميل، فهو نظام راح يهدر ثروات مصر الطبيعية ويقدمها لإسرائيل على طبق من ذهب أسود، ثم يسمح لوزيرة خارجية إسرائيل أن تأتي إلى مصر لتعلن في مؤتمر صحفي وبجوارها وزير خارجية مصر بداية العدوان الإسرائيلي على غزة، وكان المصريون يرون مهانة رئيسهم فتوجعهم وخزتها في قلوبهم بينما لا يشعر بها رئيس مصر، حتى أن أكثر شعارات الثوار وجعا ودلالة كان يافطة كبيرة الحجم رفعوها في ميدان التحرير قبل سقوط مبارك تقول: ‘ارحل يا عميل’. وصل الأمر بالمصري بعد ثلاثين عاما من حكم مبارك أنه أصبح لا يقدر أن يرفع رأسه فخرا بأي شيء داخل مصر أو خارجها، فيما تتوالى أخبار الإحصاءات العالمية التي تنحدر فيها مكانة مصر عاما بعد عام لتصل إلى قاع الأمم في كافة المجالات الحضارية والإنسانية، ولهذا لم يكن غريبا أبدا أن يكون أحدا هم شعارات الثوار هو: ‘ارفع رأسك فوق، انت مصري’، لقد حقق الثوار الأحرار الكرامة لأنفسهم ولمصر وللمصريين كلهم بثورتهم الهائلة التي راح العالم كله يراقبها بإعجاب على شاشات التليفزيون وهو مندهش لمدى قدرة وإبداع ونبل وتضحية وخفة دم هؤلاء الثوار الذين قاموا بثورة فريدة في تاريخ الثورات، ثورة لا تسحل رموز النظام القديم في الشوارع ولا تقطع رؤوسهم تحت المقصلة، ثورة تهتف ‘سلمية، سلمية’ وهي تتصدى لأعتى الأجهزة الأمنية وأكثرها بطشا فنتتصر عليها، ثم وهي تعتصم في الميادين تهتف وتقاوم وتتصدى لبلطجية النظام وسيوفهم ورصاصهم وخيولهم وبغالهم وناقاتهم فتنتصر عليهم فتدفن شهداءها وتضمد جرحاها وتعود إلى ميادين اعتصامها تهتف وتلقي الخطب الحماسية والأشعار وتغني وترقص وتمثل وترسم وتبدع، في طقس ثوري احتفالي شعبي هائل الزخم والثراء مفعم العاطفة متأجج الوطنية، حتى استطاعوا في النهاية أن يسقطوا الطاغية و رفعوا الرأس قائلين: أنا المصري كريم العنصرين.
التيار الدينيلا بد من الاعتراف بواقع أن هناك قطاعا عريضا في مصر اليوم ينظر بتوجس لدى البعض وهلع لدى البعض الآخر لصعود الأخوان المسلمين والسلفيين إلى سدة السلطة التشريعية واحتمال نجاحهم في الاستحواذ على رئاسة الجمهورية أيضا، ويشمل هذا القطاع القوى المدنية واليسار والليبراليين والأقباط، ومن اللافت أنه في الأوساط القبطية راحت تدور معارك فكرية وعاطفية شديدة، بين تيار يرى في الفريق أحمد شفيق، وبدرجة أقل السيد عمرو موسى، الخلاص الوحيد من الاحتمال المخيف لاستحواز التيار الديني على كافة السلطات في مصر، وبين تيار آخر، كنت فيه، يضم الكثير من الشباب يرى أن رموز النظام القديم لن يقدموا لمصر وللأقباط سوى نفس ما قدمه لهم الرئيس المخلوع من مناخ طائفي عفن عانوا تحته ألوانا من الاعتداءات والمذابح بمعدل ثلاثة في كل شهر تقريبا على مدى الثلاثين عاما من حكم المخلوع.
وفي الأساس فإن مسؤولية فزع المسلمين- من غير الاخوان- والتيار المدني والأقباط ولجوئهم إلي شفيق تقع على الأداء البالغ الرداءة للاخوان والسلفيين في مجلس الشعب حيث أظهروا جشعا للاستحواذ على كل السلطات وضربوا عرض الحائط بالوعود والالتزامات وتخلوا عن ثوار التحرير وأرادوا الإنفراد بكتابة دستور مصر ثم قدموا مرشحين للرئاسة رغم وعودهم بعكس ذلك، هذا من ناحيـــة، ومن ناحية أخــــرى لم يستـــطيعوا مقاومة ميلهم المزمن للاعتداء على حريات الابداع والمرأة فراحوا يقدمون المشاريع لتصغير سن زواج الفـــتاة من سبعة عشر إلى إثني عشر ومشروع لعدم تجريم ختان النساء وتصريحات ضد ملابس السائحات وضد الأفلام المصــــرية القديــــمة لما بها من ‘إباحية’، بالاضافة إلى حكم بسجن الفنان عادل إمام بسبب أفلامه ضد الإرهاب!! مما أعطى إنطباعا برغبة هؤلاء في تغيير الطبيعة المصرية ذاتها وتشكيلها في الصــــورة الجهمة الخارجة عن العصر التي تذكر بأفغانستان الطالبان، فكان أن دفعوا الأقباط والكثيرين من المسلمين للهروب حتى إلى الشيطان إذا كان سيحميهم من هذا التطرف الأرعن والإستحواذ الجشع الطارد للآخرين.
رؤيتي لما حدث من صعود للتيار الديني أنه طبيعي في فترة ما بعد سقوط نظام مبارك بسبب التأثير الهائل للعاطفة الدينية على المصريين بشكل لا يعرفه شعـــب عربي أو أجنبي آخر، وبسبب تواجد التيار الديني في الشارع المصري بشكل واسع يقدم الدعم والسند المادي والروحي لشعب مطحون بائس تركه نظام مبارك بلا خدمات ولا مستقبل، وبسبب شعور المواطن أن التيار الديني هو أكثر من تعرض للملاحقة والسجن من نظام مبارك فهم بذلك يستحقون نوعا من التعويض ورد الجميل، ورغم أن العاطفة الدينية أمر سيظل موجودا وفاعلا في المصريين في المستقبل إلا أن العاملين الآخرين لن يستمرا، فوجود التيار الديني بقوة في السلطة سيرفع عنه هالة المضطهدين المستدرين للعطف ويصبحون هم المسؤولين عن آلام الناس إذا لم يقدموا لهم حلولا لمشاكلهم الطاحنة، وبذلك سيفقد هذا التيار بريقه السياسي مع الوقت وإن احتفظ بتأثيره الديني، خاصة مع التزايد السريع للوعي السياسي لدى المصريين وهو ما نشاهده بشكل واضح بعد الثورة وإلى اليوم.
أضف إلى هذا أن ميل التيار الديني المتشدد ممثلا في الأخوان والسلفيين إلى الانشغال بقضايا الجنس والفراش وجسد المرأة ـ وليس حقوقها كإنسانة ـ وهو ميل لا يستطيعون مقاومته أو الوقوف أمام حدة جيشانه بسبب ارتباط هذا بطبيعة مفهومهم الحسي للشرف والفضيلة وتفسيرهم الحرفي للنصوص، سيقودهم هذا الميل إلى الاستغراق في هذه القضايا التي لا تحل شيئا من مشاكل الناس الطاحنة من بطالة إلى فقر إلى مرض إلى مواصلات ومسكن ومأكل، وبذلك ينقلب من انتخبهم عليهم ويطردهم من مقاعد السلطة، وهذا ما تقوم به الديمقراطة من تصحيح ذاتي، وقد حدث هذا الإنحسار في شعبية تيار الاسلام اسياسي فعلا فقد هبطت نسبة المصوتين لهم إلى النصف – من حوالي سبعين إلى خمسة وثلاثين في المئة – بين إنتخابات مجلس الشعب والرئاسة. القراءة الصحيحة لما يحدث في مصر- أيا كانت نتيجة إنتخابات الرئاسة، تقودنا إلى الانتشاء والفرح والزهو بنجاح الثورة المصرية وانتصار الثوار الشباب على الفرعون وجحافله، فما حققه الثوار ليس المجيء بمن يمثلهم ولكن مجيء الحرية والديمقراطية إلى مصر كنظام وروح وأسلوب حياة، وهكذا يكون الثوار قد نجحوا في المدى الطويل عندما ستتخلص مصر تدريجيا من الفكر الديني المتشدد ضيق النظرة ومن بقايا حكم الفرعون لتصبح مصر دولة عصرية رائدة قائدة تصنع النهضة وتبعث الشرق العربي، وهذا سيحدث لا محالة لأنه منطق التاريخ والتطور، وهو إنجاز الثوار وإكليل الشهداء منهم.’ كاتب من مصر يقيم في نيو يورك