سكارى وما هم بسكارى

حجم الخط
0

عزت القمحاوي الثورة المصرية لم تزل بالميدان، هي ومعها شرعيتها غير منقوصة. لكن الخضة السياسية التي عاشتها مصر منذ سقوط مبارك (الشخص لا النظام والفكرة) لم تسفر بعد عن زعيم يترجم شرعية الميدان إلى برنامج رشيد. الطبقة السياسية بأنزه وجوهها لم ترتفع إلى درجة نبل الميدان وحكمته. وما تشهده البلاد الآن هو حالة هذيان سياسي أصابت السلطة والإخوان وحتى من مثلوا تيار الثورة في معركة الرئاسة. فرح مسكر يلف الجميع، ومن لن يتعقل منهم ويقرأ قوته الحقيقية سيدوسه الميدان بلا وجل.

السلطة فرحانة تحت راية شفيق المنصورة، لكنها تتحسب بإشارات تجهز بها مسرح النطق بالحكم في قضية مبارك اليوم (السبت) ومسرح الانتخاب كذلك. هناك توجيه اتهام جديد لنجلي مبارك يتعلق بإفساد البورصة، وهناك عدم تجديد لقانون الطواريء، فأي حكم سيصدر اليوم وأي نتيجة ستكون لانتخابات الإعادة؟!

نتيجة الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة جاءت مسكرة للنظام ومرشحه، مسكرة لجماعة الإخوان التي نافست وكسبت بالاحتياطي لا بالمرشح الأصلي، كما جاءت مخيبة لآمال الذين عولوا على انتخابات الرئاسة. لكن الواقع يقول غير ذلك، فالتيار الثوري حصل مرشحوه على ستين بالمئة من الأصوات الصحيحة واقتسم مرشحا العسكر والإخوان الأربعين المتبقية في نسبة تصويت بلغت خمسين بالمئة أصلاً. وبقليل من التعقل يجب ألا يفرح من تقدموا فلولاً كانوا، وليس على الثوريين أن يأسوا على ما فاتهم. والعاقل من يدرك في هذه اللحظة العجيبة أين يقف بالضبط. من حيث المبدأ ليست معركة الرئاسة نهاية الحرب بين القديم والجديد، بل مجرد معركة صغيرة وصغرها يأتي من التدبير اللئيم للعسكر بتأخير الدستور، وهذا التأخير يجعل من المؤسسات التي تسبق الدستور كأن لم تكن. وثانيًا هناك حقيقة التغيير الواقع على الأرض، وحتى الآن لم يدرك الفلول الفرحون أن أن ما كان لهم لن يعود. قالها أحمد شفيق ‘ما فات قد فات’ وليته يدركها قبل أن يحاول إقناع الآخرين بها، فما حصل عليه يستند إلى أسباب نعرف شقها العلني، وهو ربط البلاد على حجر اقتصاديًا بحيث تبدو الثورة في نظر البسطاء عديمة النفع، بينما كان إفلات الأمن المتعمد سببًا في إقناع شق آخر بشؤم الثورة. وشق الثالث من المصوتين يعرفه الفائز، ومع ذلك فإن نسبة فوزه لا يمكن أن تجعل حكمه يتوازن يومًا واحدًا إن تصور أن ما فات من الثورة قد مات.

الإخوان كذلك عليهم أن يتحسبوا في فرحهم حتى يحببهم الله الذي لا يحب الفرحين، وها هم يرون عشرات الآلاف يخرجون ضد حكومة بنكيران الإسلامية في المغرب التي حملها الناخبون إلى سدة الحكم منذ أشهر قليلة. وما بناه الإخوان من شعبية على مدى عمر الجماعة التي لم تدخل من قبل تجربة يمكن أن يتبدد خلال أشهر قليلة من تجربة الرئاسة بعد ما فقدوه بالسيطرة على البرلمان. وهم يدخلون الإعادة مهزوزين رغم الفرح، لذلك تتوالى نداءاتهم للمشاركة السياسية ولكن دون إجراءات محددة، وفي الوقت نفسه تتوالى فتاويهم بتأثيم التخلف عن الانتخابات القادمة، باعتبار ذلك كتمانا للشهادة. وهذه الفتوى إن لم تكن تضليلاً فهي جهل بأصول الحكم، إذ أن التصويت ممارسة لحق وليس أداء لواجب، ولصاحب الحق أن يفرط في حق نفسه، وأما بالمعايير السياسية فإن الامتناع عن التصويت هو مشاركة ورأي بحد ذاته ويعدل من النتائج في صالح الممتنع. وأما تيار الثورة الذي فاته الكثير طوال عام ونصف العام فالخوف كل الخوف من سكر الفائزون باسمه، فهذا ليس فوزًا شخصيًا. الذي حققه حمدين صباحي أو عبدالمنعم أبو الفتوح هو قوة الكتلة الثورية التي كان يجب أن تذهب إليهما، لا إلى الناحين الآخرين.

والثورة فاتها الكثير الذي ستستكمله إذا انتبهت القوى المدنية إلى القادم وتعلمت مما مضى.

ما فات الثورة بدأ في اليوم الأول. في غمرة الفرح بتنحي مبارك لم يتوقف أحد أمام حقيقة أن تكليف المجلس العسكري بإدارة شئون البلاد ليس الإجراء الشرعي؛ فالقرار أصدره مبارك بعد سقوط شرعيته. ولو كان هناك من انتبه فلن يغير انتباهه من الأمر شيئًا. الثورة لم يكن لديها من يتسلم الحكم.

وأما ما فات بعد انتهاء المفاجأة الأولى فيتحمله الإخوان والسلفيون بشكل أساسي ويجب أن يعترفوا به؛ فهم الذين جعلوا تمرير المباديء الدستورية ممكنًا فجاء مجلس الشعب مشوهًا وسيأتي الرئيس كذلك. وأما هذه الانتخابات فيتحملها كل المرشحين معًا، وقد رأوا حدود حركة البرلمان المنقوص الصلاحيات، وكان عليهم أن يتوقعوا ما سيحصل عليه الرئيس في ظل إصرار العسكري على تأخير الدستور. ولعل الذين لم يفهموا انسحاب محمد البرادعي أن يكونوا قد فهموه الآن، وأن يقدروا أن المبدئية تفيد في صناعة المستقبل أكثر مما تفيد البراجماتية والرضى بالحلول الممكنة أو العطايا الصغيرة.

امتناع جميع قوى الثورة عن الترشيح كان من شأنه أن يحرم عملية إعادة انتشار نظام مبارك من غطاء الشرعية الذي توفره انتخابات تنافسية، ولم يكن أمام المجلس العسكري إلا إصلاح قواعد اللعبة.

وقد تجد عملية انتقال السلطة إلى المجلس العسكري ما يبررها في عنصر المفاجأة، لكن غير المبرر هو القبول بكل ما يجود به المجلس العسكري المنفرد بوضع قواعد اللعبة.

وقد ضاعف خطأ عدم الاتفاق على مرشح واحد للثورة من خطأ الترشيح على قواعد لا تلبي طموح من عاشوا ولا تفي بحق دماء من ماتوا، ثم كان تفتيت الأصوات بين مرشحي الثورة بالشكل الذي جاء بهذه النتيجة المحبطة. ولم يزل في مقدور هؤلاء الذين مثلوا التيار الثوري أن يتفقوا مع بعضهم البعض على اسم مرشح واحد يذهب الثوار ليصوتوا له، لكي يكون اختيارهم واضحًا ومعدودًا حتى لو كان باطلاً، لكن هذا سيضمن أن تقل شرعية الرئيس القادم عن عشرة بالمئة من الأصوات ليرتد تدبير السارقين إلى رقابهم. وأما التفاوض مع أحد المرشحين فهو عبث، لأن أحدًا منهما لن يخالف ما جاء لتطبيقه، ولأننا خبرنا اتفاقات النظام الذي يمثله شفيق طويلا والإخوان كذلك. والأهم أن الجماهير التي صوتت لتيار الثورة ليست ملكًا لأي من المرشحين لكي تنفذ تحالفه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية