مطاع صفدي في لحظة امتناع الحلول السياسة عن أية نتائج عملية، تنفجر المجزرة، كأنها ثورة مضادة، تقلب معطيات الأزمة رأساً على عقب. ما بعد المجزرة ليست الحرب الأهلية القادمة حتماً، بل ربما هو الحسم صار بمثابة الضرورة القصوى. فقد آن للصراع أن يخرج من حال المراوحة في المكان الواحد لكلا الخصمين: النظام الهمجي والطلائع الشبابية المكافحة ضده في شوارع المدن السورية وأريافها. فالمجزرة ليست حدثاً طارئاً في سلوك النظام القائم أصلاً على قاعدة الأحادية المطلقة للسلطة، والقهر لكل آخر، سواء كان من أتباعها أو معارضيها، فالمجزرة تبدأ أولاً سياسية، بإفقار المجتمع من كافة حقوقه المدنية والطبيعية في آن، بتجريد المواطن من شخصيته المستقلة فكرياً وسلوكياً ومعاشياً، أما المجزرة الدموية فسوف تكون من نصيب كل معارضة منظمة أو عفوية، فردياً أو جماعياً.
لو أُتيح ذات يوم توثيقُ الوقائع اليومية لأنظمة الحكم السائدة في حقبة الاستقلالات الوطنية للدول العربية المعاصرة، لظهرت بينها وحدة تنافسية عجيبة في التزام أساليب القمع، على أن تكون ـ هذه الأساليب ـ محكومة جميعها بنموذج المجزرة الدموية خاصةً باعتبارها النتائج الواقعية لحصيلة القمع ذي الصفة الجماهيرية غالباً. وقد تميز النظام الأسدي عن أنداده في هذا المجال بجرأته اللامحدودة في اقتراف الأهوال بحق خصومه علنياً، ودون خشية من ردود الأفعال، محلياً أو إقليمياً ودولياً، فليس ثمة مقتلة كبرى عرفتها سورية، وبعض محيطها العربي خلال العقود الأربعة أو الخمسة الماضية، كانت بعيدة في تخطيطها أو تنفيذها، أو بهما معاً، عن أجهزة الحاكم الدمشقي. وسواء كانت هذه المقتلات نصيب فئاتٍ أو أحزاباً أو مكونات إجتماعية معينة، بما فيها من الفتن والمؤامرات، حتى حدود إشعال الحروب الأهلية وأشباهها، السافرة أو المقنعة.
شعوب لبنان وفلسطين والعراق شهود أحياء، على المآثر الأسدية طيلة أربعين عاماً وأكثر في ظل الثورة الراهنة، حيثما يواجه النظام أصعب أيامه الأخيرة ربما، لم يتبق أمامه أية حدود لاعتبارات عامة، سوى جنون الهلع الهمجي الذي لا مكان بعده لأية غريزة أخرى، تُعقلن شيئاً من البطش أو تحاول حتى التنصل من أعبائه، بل من مفاخره التي تتباهى بإنجازاتها المروّعة وحوشُه الضارية، على رؤوس الأشهاد. لكن الجريمة الكبرى التي يرتكبها نظام البطش الفالت من عقاله ليس فيما يحدثه من المهالك الجمعية وحدها؛ بل بما يفجره أيضاً من غرائز عنف الانتقام والحقد والمرارة لدى قطاعات متزايدة من كتل الناس الآخرين. من هؤلاء المسالمين أو المحايدين أو المتوارين عن ساحات الفعل والانفعال المباشرة. وهي الكتل الأكبر والأوسع من جماهير المجتمع، فقد يكون عقل السلطة موغلاً في تبني شريعة الغاب إلى الحد الذي يتمنى فيه إشراكَ الجميع في الجريمة. حتى يصبح هؤلاء الجميع مشبوهين بارتكابها، إنه مصمم على تعميم المقتلات بحيث تختلط أسماء فُعلائها بين القتلة والمقتولين، وتضيع كل التصنيفات الحقوقية ما بين جماعاتها.
في ظل (إستراتيجية) تعميم المقتلات لا تعود ثمة ضرورة لاشعال نوع الحرب الأهلية الشاملة، إذ يصبح ما هو مطلوب منها متحققاً عملياً، وهو إغراق المجتمع المدني تدريجياً في نموذج مجتمع الغاب. فلا يتبقى ثمة خطوط فاصلة ما بين كبار الجلادين وضحاياهم، إذ يصير هؤلاء الاخرون مجرد جلادين صغار فحسب. هكذا يمكن للثورة أن تفقد بوصلتها مابين حماتها وأعدائها. تنسحب الأفكارُ العظيمة من ساحات الصراع، وتتهاوى حدود التصنيفات (الأخلاقية) ما بين المتاريس. فالنظام منخرط بكل وعي و(بطولة) في إلغاء كل تمايز فكري أخلاقي مع الثوار. يريد أن يحول بعضهم إن استطاع إلى نوع آخر من الشبيحة، ما أن يحاصرهم في منطقة رد الفعل الغريزي على مقتلاته. لعله بذلك يفاقم من محاولته المستمرة منذ بداية الانتفاضة في عزل الثوار عن الكتلة الجماهيرية الواسعة، غير المشاركة بعد في إيقاع التظاهرات المتلاحقة.
لكن الثورة تخوض كفاح النمو والانتشار، والنظام يصارع للبقاء والاستمرار. والثورة هي أفكار وانفعالات ومواقف، والنظام هو وحش مستبد ممسك بخناق الدولة والمجتمع معاً. فليس ثمة تعادل أو توازن ما بين الطرفين في رصيد التملك من وسائل القوى المادية على الأرض. كل امتياز الثورة هي غضبتها الإنسانية المشروعة، متوجةً بأبسط الأفكار المشتركة مابين كل بؤساء البشرية المظلومة منذ بداية التاريخ، يختصرها تعبير واحد هو الحق بالحياة الحرة. لكن ليس من غضب ثوري لا يصاحبه عنف ما، مهما تمسّـك أصحابُه بفضائل السلم الأهلي. وقد يكون في البداية عنفاً معنوياً تجسده وسائل الاحتجاج المدنية المعروفة من إعلام وتحشيدات جماعية وتظاهرية وإضرابات، لكن حكومات الاستبداد العربي أثبتت أنها لا تشعر بحريتها وأمنها إلا بمقدار ما تحرم شعوبها من أبسط مكتسبات هذين الشرطين، الحرية والأمن معاً.
النظام الأسدي كان السيد المجلّي لهذا الملف. فكان دائماً مطلق الحرية ما فوق الأخلاق والقانون، بقدر ما كانت سورية الشعب والمجتمع مغيّبة سياسياً وثقافياً، وحتى تنموياً حضارياً. لقد قبض الأسد الأب على سورية الحرة، منتزعاً من يديها كل دور قيادي لها إبان لحظات الانعطافات الجيوسياسية والنهضوية التي حَفَلَ بها النصفُ الثاني من القرن العشرين، وخاصة فيما يتعلق بمعظم رهانات التحرر التي انخرطت في ممارستها طلائع أجيال متتابعة، كانت قدمت أعظم التضحيات من أجل أهداف إنسانية بسيطة بالنسبة لكل أمة حية، لكنها أمست أشبه بالمستحيلات في مواجهة العرب لها، لماذا لا يمكن للعرب أن ينهضوا، أن يتحرروا، أن يتحدوا. هل الأجوبة تحتاج إلى تدخّل ثقافة المعجزات. فقد انتهى عصر الجدل العقيم، سياسياً فكرياً وواقعياً، مابين ثقافتيْ الممكنات والمستحيلات، ولم يتبقَّ سوى أطلال الهزائم في كل ميدان، حتى تستمرئ الشعوب أخيراً كونها سجينة أنظمتها، تتقبلها وتتلاءم معها.
إن تحرير سورية اليوم من سجنها الأسدي هو الأصعب في مسيرة الربيع العربي. يصير هذا التحرير بمثابة عقدة الفصل بين ازدهار هذه المسيرة وبلوغها غايةَ التغيير الشاملة للخارطة العربية، أو انحدارها إلى مستوى مستنقعات دموية لمختلف عوامل التدمير الذاتي. ولذلك ليس من السهل أن يتنازل عقل النظام الدولي عن مدى سيطرته شعرة واحدة على هذه العقدة الجيوسياسية الحاسمة. فالانتفاضات الأربع السابقة، وفي ذروتها زعزعة الفرعنة المصرية، لن يُكتب لها الخلاص من تناقضاتها الشعبوية داخلياً، وتحديداً في مصر خاصة، دون أن يدخل العامل الإقليمي الأوسع كمعيار مرجعي كلي لتطورات هذه الانتفاضات مع ظروفها الداخلية المضادة؛ لن يتكون هذا العامل إلا مع تحقق نوع الانقلاب البنيوي لخارطة المشرق العربي، ومن عاصمته دمشق/الشام. فالربيع سيشكو من فقدان التوازن إن ظل الشارع المصري منقطعاً عن الشارع الشامي. إن طال انتظار الأول حتى يطيح الثاني بسُجّانه.
إشكالات ما بعد إسقاط حكّام الأقطار الأربعة أن ثوراتها فاقدة حتى اليوم لهويتها السياسية. إذ يجري إغراقُها في تفاصيل الصراعات السلطوية/الفئوية من دون أية آفاق فاتحة على ما هو كلي وراهني في آن معاً. هذه الحالة المعبأة بكل الاحتمالات لا يعرفها (النظام الدولي) فقط، بل يرعاها ويشجع نموها وتجذّرها مدركاً أن مبدأ التمزيق القطري لم ينفع في إحباط كل تاريخ النهضة المعاصرة فحسب، لكنه يصبح اليوم أكثر من ضرورة استراتيجية لإحباط ربيع الثورات واحدة بعد الأخرى. على أنه ينبغي ألا يفهم من هذا التواصل مجرد التعاون العملي ما بين انتفاضات متفاصلة جغرافياً، لكنها موحدة في جوهرها كمعارضة مشروعة ضد الظلم، وفي مآلها الإنساني والاجتماعي في تحقيق الحرية والعدالة. فتلك هي سيرورة عامة تشترك فيها معظم ثورات التاريخ على مظالم الناس ضد بعضهم؛ وتبرز خاصة عبر أركيولوجيا الدولة الحديثة. لكن ما يضفي على إنجازات ‘الربيع العربي’ معالـمَه الذاتية المختلفة هو كونه ثورة (أمة) كاملة على ظروفها (القومية) العامة، متحققة من خلال أقطارها المجزأة، في نوع من إيقاع التناغم الاجتماعي العابر للحدود المصطنعة، من حيث تشابه ظروف الأقطار المتحركة، في خطوطها العامة، مع التنوع في تفاصيلها المباشرة؛ فالاستغراق في هذه التفاصيل قد يحرم الثورة من غذائها المعنوي الكبير، يجرُّها من شرطها البنيوي التاريخي؛ يُبعثر دَفَقَها الحيوي تحت وطأة الصدف الحَدَثية في أصغر ساحات الصراع اليومي المفتوحة سواء ضد عدوها السلطوي، أو تلك المتناسلة مابين مكوناتها أو شراذمها البشرية إزاء مصالحها الآنية. وقد يتغلّب هذا الصنف ـ من نوازع الأنانية والتسلّط ـ الذي هو من الدرجة الثانية، ليصبح من بين المحركات الأولى لما كان فعالية ثورية خالصة، منتهياً إلى مجرد حراك سياسوي عرضي وعابر لفئات وتشكيلات لا حصر لها. بيد أنه قد يطيح من جديد بدورة نهضوية كاملة، لمستقبل أمة فاشلة.
هذا المصير الكالح لا ينتظره أعداء الربيع دون حراك، إنهم ناشطون في إنتاجه وفي التعجيل بأحداثه. ولعل الجهد الأعظم في هذا السياق إنما يتناول ثورتيْ المحور النهضوي العربي ما بين مصر والشام؛ في استنزاف الأولى سياسياً، والثانية عسكرياً وكيانياً معاً. في القاهرة تحاول العسكرتاريا الحاكمة منذ عقود، أن تجعل المرحلة الانتقالية نحو سلطة الثورة، ترتدّ على أعقابها، كأنها تريد حصار الثورة في حدود تيار ما من بين تيارات أخرى كثيرة يتوزّع بينها شعب الناخبين، وذلك ما أن تصبح رئاسة مصر خياراً بين استبداديْن: عسكري قديم، وشعبوي ديني؛ لكن ثورة مصر ليست تياراً ولا حزباً، لا يمكن عزلُها أو حصارُها. وإلا فإن تحريف هذه العملية الرئاسية سوف يعيد وضع كل من السلطة والمجتمع في غالبيته، على طرفيْ استقطاب حديّ رأسيّ، لا يعيد إنتاج العصر الفرعوني البائد وحده، بل مضافاً إليه انقسام المجتمع أفقياً كتلوياً كذلك بين قبائل الشعبويات الدينية وتيارات الحداثة التقليدية والمستجدة.
لكنه هو الانقسام الذي تأمل العسكرتاريا من تجديده قلْبَ وجهة الصراع العمودية ضدها، الصاعدة من قاعدة المجتمع، إلى وجهة أفقية عرضانية تشقّ وحدة الثورة، وتُشغلها عنها إلى مرحلة مستقبلية ريثما تموت زهور ‘الربيع’، ويبقى تمثال (أبو الهول) شاخصاً إلى آفاق الصحراء كماكان دائماً منذ الأزل.
ما يكسر شيئاً من سواد هذه اللوحة هي الفكرة الفلسفية القائلة أن خيار التاريخ قد يكون هو الأقوى من ‘مؤامرات’ البشر. ليس هذا تفاؤلاً غيبياً، بل قد تبلوره لغةٌ استراتيجية، وحتى أنها واقعية مادية، تثبت على الأقل هذا الحد الأدنى من يقين ساذج لكنه صادق مع نفسه، وتعرفه بعض الشعوب الواعية في لحظات التحولات المصيرية. يقول أن خارطة العالم العربي، مع الثورة أو بعدها، منهزمةً أو منتصرةً، لن تبقى كما كانت قبلها. هذه الحكمة ليست عقيمة ومكرورة، إن لها حاملاً ملؤه الحيوية والقوة الجديدة، في هذه المنطقة من عالم اليوم. إنهم شباب العرب الذين يكافحون شيخوخة الأمة: يولدون أحراراً طلقاء، كأنهم مصنوعون فقط من لُبُنات أفكارهم وسواعدهم. هؤلاء مبدعو التغيير، وهم الأولى برقابته وحراسته. وكل انحراف أو تحريف وطني أو مدسوس، سوف يلقى تقويمه العاجل. وإلا لن يكون هناك طبيعةٌ أو تاريخ، والدليل الأقوى؛ من كان يتوقع ربيعاً ما ينفجر فوق صحارى العرب..!’ مفكر عربي مقيم في باريس