زياد عبدالقادر تنويه لرفع اللـُّبس: النصّ محاولة تنظرُ في التاريخ لتفهم سرّاً ما زال يغلّفه الكتمانُ: لماذا ترتدّ الثوراتُ على من خرجُوا دون الناس إلى السّاحاتِ؟ وعليهِ فالشخصياتُ الواردة في النص تحضرُ في الأفق الانسانيّ العذبِ، لتساعد في القاءِ الضوء على المسألة. كلّ مقارنة بين شخصية وأخرى تتنزّل في هذا المقام: مقام المكابدةِ لا مقام التشبيهِ. (1)تذكرُ كتبُ السّيرةِ أن محمّدا ابنَ عبد الله نشأ فقيراً رغم انتمائهِ إلى قريش.
محمّد المتحدّر من فرع من هاشم، هو فرعُ بني عبد المطلب جدّه لأبيهِ ( وبنو عبد المطّلب هم أقلّ الفروع القرشيّةِ الهاشميّةِ ثراءً ) رعى الأغنامَ واشتغل لخديجة بنت خُويلد.
صاحبُ كتاب ‘ النزعاتِ المادية في الفلسفةِ العربية الاسلاميّة ‘، يذكرُ في الفصل الأوّل المعنون بـ’ردّ الفعل الطبقي’ من القسم الثاني ‘عهدُ ظهور الاسلام’ أنه قد وضح منذ بدءِ الدعوة الاسلاميةِ أنّ صاحب هذه الدعوةِ يقفُ على صعيدٍ آخر غير الصّعيد الذي تقف عليهِ زعامة قريش بسيطرتها الماديّةِ، وهي الزعامة المتمثلة بكبار التجار والمُرابين من أصحاب ‘الملأ المكي’ وأركان ‘دار الندوةِ’. يضيفُ الكاتبُ في ذاتِ الصفحةِ:’ من هنا كان ردّ الفعل سريعا بوجهِ محمّد. وهو ردّ فعل لا يُمكنُ أن لا نرى الواقع الطبقيّ في أساسهِ’. فقد انقسم الناسُ لدى اعلان الدّعوةِ فريقين: فريق التجار ومُلاّك الأرض ومَن راكم أموالا باسم الحجّ وفريق الفقراءِ المضطهدينَ.
عجيبُ الأمر أنّ الشّق الأوّل من تجّار ومُرابينَ أرستقراطيّين أذاقوا الفقراءَ من السّابقةِ الويلاتَ، غدَا إثرَ شُيوع الدّعوةِ في الآفاق يُحاربُ باسم الإسلام. الأعجبُ من هذا أنّ التجارَ ومُلاّك الأرض غدُوا في لحظةِ إيمان نادرةٍ كِبارَ صحابيّين. بل أكثر من هذا، فقد اجتمع لهم من الأرزاق ما زاد عمّا غنِموهُ سِنينَ الكفر.
الفقراءُ من نصرُوا الدّعوة أيّام الجمر، من حُوصِرُوا في الشِّعبِ وأوذوا، ماتوا فقراءَ ومنفيّين.
كارل ماركس في إحدى رسائلهِ إلى رفيقهِ إنجلز سمّى هذا الثبات الطبقي ‘ديالكتيك البؤس’. عدنان الحاجي جَهر أيّام الجمر، حُوصر في شِعبٍ وتحدّث باسم الفقراءِ.
عدنانٌ هذا سيموتُ فقيراً.
ملاحظة حزينة جدّا:
محمّد أغرُوا بهِ السّفهاءَ يُؤذونهُ ويرمُونه بالحصى والكلام. حتى أنهم أهالوا على رأسهِ تـُراباً. محمّد كان وحيداً وهو يشكو ضُعف قوّتهِ وقلّة حيلتهِ وهوانهِ على الناس.
عدنان أيضا كان في قِلّة من رفاق يشكون ضُعفَ قوّتهم وقِلّة حيلتهم وهوانَهُم على الناس. (2)أفتحُ تاريخ الطبري وأقرأ في الصفحةِ 329: حدّثنا ابن حميدٍ قال: حدّثنا إبراهيم بن المُختار عن شعبة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عبّاس، قال: أوّلُ من صلّى عليٌّ رضي الله عنهُ.
أقرأ في الصفحة 330: حدّثنا أبو كريب قال: حدّثنا عُبيد بن سعيد عن شعبة عن عمرو بن مرّة قال: سمعتُ أبا حمزة رجلا من الأنصار يقول: سمعتُ زيد بن الأرقم يقول: أوّلُ رَجل صلّى مع رسول الله (ص) عليّ رضي الله عنه.
حدّثنا أحمد بن الحسن الترمذي قال: حدّثنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا العلاء عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله قال: سمعتُ عليّا يقول: أنا عبدُ الله وأخو رسوله وأنا الصّدّيق الأكبرُ لا يقولها بعدي إلاّ كاذبٌ مُفتر، صلّيتُ مع رسول اللهِ قبل الناس بسبع سنين.
عليٌّ هذا، أوّلُ من نصرَ الدّعوة. تتحدّث كتبُ السّيرةِ أنه في بيتِ أبي طالب كان المأوى. حتى أنه قال: ‘ ما نالت منّي قريشُ شيئا أكرهُهُ حتى مات أبُو طالب’. عليُّ، الوصيُّ، التقيُّ، العادلُ، الصّادقُ، الصّدوقُ حُوربَ باسم الاسلام. حاربهُ الطلقاءُ، من لم يرثوا منقبة أو مكرُمة. بل أكثر من هذا، فعليٌّ حُرّق بيته باسم الاسلام. أتصدّق هذا؟
أتصدّق أن اللقطاءَ استقدمُوا أوباشا لمنابرهم؟
الأوباشُ تبارُوا في لعن فتى الفتيان لأكثر من سِتّ عقودٍ. عليٌّ أوّلُ من نصر الثورة يُلعنُ باسم الثورة. أتصدّق هذا؟
عدنان أوّلُ من حدّق في عين الوحش. أوّلُ من أوذيَ في الفقراءِ وأوّلُ من قال: ‘ فليسقط جلاّدُ الشعبِ!’. عدنانٌ خرج قبل الناس بثلاثِ سنينَ. عدنان آمن قبل الناس إذن.
عدنانُ اشتدّ عليهِ أذى الناس. ثمّة من صار يقولُ جهاراً: ما شأنهُ بالثورة أصلا؟
أتصدّق هذا؟ أصدّق هذا! (3)عمّارٌ كان من أوّل سبعةٍ أظهرُوا إسلامهم. عمّارٌ أوّلُ من سار إلى دار الأرقم. دارُ الأرقم دارُ الاسلام.
والنتيجة أنّ عمّارا مسّهُ الضّرُّ. وبْشٌ من أوباش قريش لوى حبلا في عنق أبيه وصار يشدّه شدّاً. وبش آخر ضربه على مَقدَم العين فوق الأنف ضربة أسرعت في العظم. لمّا هوى أثخنوه وبهِ حياة. أمُّهُ سُميّة شُدّت بوثاق من مَسَدٍ. مِعصمها صارَ يسيلُ وكاحِلها. سُميّة لم تستيقظ من سكرتها حتى عالجها رُمحٌ أسكتها.
هذا ما تذكرهُ الكتبُ. ما أفظعَ ما تذكره الكتبُ. الأفظعُ ما لم تذكرهُ.
سُميّة أوّل شهيدةٍ في الإسلام، لم تـَشفع لها، فيما يبدُو، شهادتـُها. فعمّارٌ ظلّ يُنادَى: ‘يا ابنَ السّوداءِ!’. مَن عيّر عمّار بلون سُميّة ساءهُ أنّ الحقّ يدور مع عمّارٍ.
ما لم تذكره الكتبُ هو أن السّابقة يُمكنُ أن تورثَ أحقاداً وأنّ المالَ الفاسد لا يَعدَم أن يجمع أتباعا.
عدنانٌ أيضا مسّهُ ضُرّ من هذين: المال الفاسدِ والأحقادِ.
سابقة الثورةِ تورث أعداءً.
الأمرُ بسيط. (4)كان يقود الاضرابات. شِتاءَ 1898 أعتـُقِل وهو يقود مظاهرة.
طبَع الكتبَ الممنوعة في نيكولاييف (آلة رقن طراز كريستوفر لاثام شولز وكِدسٌ من ورق يتحوّل في لمح العين بياناتٍ ومناشيرَ ). أحتـُجز في السجن لما يقرب من سنتين. البوليسُ رأى أنه قد يُصبح أخطر في السّجن، فجاء قرارُ النفي إلى إركوتسك ( مقاطعة في سيبيريا ). سنة 1905 ترأس مجلس نوّاب العمّال في سانت بطرسبورغ.
في أيلول 1917 ترأس مجلس نوّاب العمّال والجنود في بتروغراد.
صاحبُنا هذا أسّس ما صار يُسمّى الجيشَ الأحمرَ. وهو مُنظّر ما سُمّي بالارهاب الأحمر، حيثُ الثورة فعلٌ قانونهُ: إمّا أن تمضي كالسّيل لتقلع ما جفّ من العشب وإمّا أن تصمُت.
عرفتَ عمّن أتحدّث؟ أنا أتحدث عن ليف دافيدوفيتش برونشتاين، شـُهر ليون تروتسكي.
صاحبُنا هذا، إثر صعُود رفاق الدّرب إلى السّلطة، أعفِيَ عن عضويّة المكتب السياسيّ في الحزب البلشفيّ بتهمةِ النشاط المُعادي.
أتصدّق هذا؟ صدّق هذا! عام 1929 هُجّر صاحبُنا. مَن بقي من أنصارهِ أعدمهم من كان رفيقَ الأمس.
عام 1932 نُزعت منه الجنسيّة.
عام 1936 هُجّر إلى المكسيكِ حيث أقام في منزل الفنان دييغو ريفيرا.
تروتسكي ابنُ السّاحاتِ والآلات الكاتبةِ لم ييأس. سنة 1938 أعلنَ مِن منفاه المكسيكيّ قيامَ الأمميّةِ الرّابعةِ.
عام 1937 أصدرتِ المحكمة السوفياتيّة في حقه حكم الاعدام غيابيّا.
عام 1940 وفي شهر أغسطسَ، عميلٌ مُحترفٌ من الكا جي بي اسمهُ رامون ميركادير اغتالهُ في المكسيكِ.
كتابُه ‘الثورةُ المغدورة’ُ صار دليلَ الثوراتِ المغدورةِ. وما أكثرها! عدنان كان يقودُ الاضراباتَ. شِتاءَ 2008 أعتقِل وهو يقودُ مظاهرة. وزّع في السّاحاتِ بياناتٍ ومناشيرَ تدينُ دساترة ونقابيّين مُرابين.
أحتـُجز في السجن لما يقرب من سنتين. البوليسُ رأى أنه قد يُصبح أخطر في السّجن، فجاء قرارُ الافراج القسريّ مع وضعه تحت رقابةِ بوليس مدنيّ.
عدنان ذكّر من خرجُوا للساحاتِ قـُبيل هروب الطاغية: ‘إمّا أن تمضي كالسّيل لتقلع ما جفّ من العشب وإمّا أن تصمُت’. هذا هوَ قانونُ الثوراتِ.
إذن، ليس عجيباً أن يُغدرَ بالثوري، مَن خرج للسّاحاتِ قبل خروج الناس ببضع سنينَ.
ليس عجيباً! شاعر من تونس