الجاليات العربية والمسلمة في أوج العاصفة السياسية في أوروبا

حجم الخط
0

ناصر الدين جعفر أصبح تواجد المسلمين في أوروبا يشكل قلقا كبيرا يتنامى في أوساط الطبقة السياسية الأوروبية عموما والفرنسية خصوصا، بل أصبحت هذه الظاهرة تشكل عبئا ثقيلا على السياسيين وتنبئ بأسوأ التصورات والتطورات، فمع تغير المعطيات الجيوسياسية العالمية، بعدما تحول الصراع من الحرب الباردة بين القطب الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية والقطب الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي سابقا، أصبح الصراع اليوم بين الشمال المتقدم اقتصاديا، سياسيا وعسكريا… الخ والجنوب المتخلف على مستوى تلك الأصعدة، بل إن صح التعبير أصبح الصراع حضاريا بين غرب مسيحي وجنوب شرق إسلامي.

فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية والدمار الهائل الذي أصاب القارة الأوروبية بسبب تلك الحروب.. توافدت أفواج هائلة من شعوب شمال إفريقيا لإعادة اعمار أوروبا.. وبعد الرخاء الاقتصادي الذي شهدته العائلات المسلمة في بلاد الغرب، ومناخ الحرية السائد هناك، جعلت تلك الأسر من الاستقرار في البلدان المضيفة بديلا عن أوطانها.

إلا أنه بدأ ينظر إلى هده الجاليات العربية والمسلمة على أنها أجسام غريبة وقنابل موقوتة قابلة للانفجار في أية لحظة، بل تهدد قيم الغرب المسيحي المتحضر.. الذي جعل من حرية المرأة أولى أولوياته والمساواة بين الجنسين أهم قواعده الأساسية، ومن العلمانية أحد ركائزه في السياسة من أجل دخول عالم التمدن، ومن حرية العبادة بين جميع الأديان ركنه الذي لا يمكنه التخلي عنه بقيد أنملة، وجعل من احترام وتطبيق القانون سبب تفوقه ونجاحه.

فالقلق الذي يصيب النخبة السياسية في أوروبا هو في محاولة أسلمة الغرب على المدى البعيد، بسبب الزيادة الديمغرافية للجالية المسلمة هناك وتوافد المزيد من المهاجرين.. بل الأهم من ذلك، بسبب الفكر الجهادي الذي يحمله بعض المسلمين، وقد كانت لأحداث 11 من سبتمبر 2001 الصدى المدوي للتحديق بالأخطار إلتي تهدد المجتمعات الغربية، زد على ذلك القلق الذي يصيب عامة الناس، وخصوصا الشباب الأوروبي في الأزمة المالية والاقتصادية التي عصفت وتعصف بالاتحاد الأوروبي، والتي تسببت في ارتفاع معدل البطالة إلى مستويات قياسية، حيث تبنت العديد من الدول الأوروبية سياسة التقشف، وبدأ إلقاء اللوم على الشباب المسلم الذي يضايق الشباب الأوروبي في قوته اليومي.. وسرقة وظائفه.. ولما بدأ شبح البطالة يهدد آلاف الشباب الأوروبي، صعد دور اليمين المتطرف ليستغل الأزمة.. ويسجل أعلى شعبية في أصوات الناخبين، كما هو الحال مع زعيمة اليمين المتطرف في فرنسا مارين لوبين، والتي حصلت في انتخابات الرئاسة الفرنسية الأخيرة في الجولة الأولى على ما يزيد من 6 ملايين صوت.

فمشكلة الهجرة وتدفق ألاف المهاجرين من سكان شمال إفريقيا، وخصوصا من المغرب، الجزائر، تونس وساحل الصحراء.. وهي في معظمها جاليات مسلمة شكلت حصان طروادة في كل المحطات الانتخابية بين اليمين واليسار في فرنسا، على اعتبار أنها البلد الذي استقبل أكبر عدد من المهاجرين المغاربيين. فاذا استطاعت النخبة السياسية في بريطانيا السيطرة على الوضع من خلال إدماج أكبر للجالية المسلمة فيها.. وخصوصا تلك القادمة من باكستان والهند.. ولم تعد قضية الهجرة تشكل أي مشكلة للناخب البريطاني في أي من المحطات الانتخابية، إلا أن الوضع في فرنسا يختلف تماما.. وأي متصفح للجرائد الفرنسية سيدرك مدى الهوس الذي بدأ يشكله تواجد الجاليات المسلمة في فرنسا.. بسبب تنامي ظاهرة العنف في الأحياء المكتظة والتي تسكنها غالبية مسلمة.. أو بسبب تنامي ظاهرة الإرهاب كما في قضية محمد مراح، الفرنسي من أصل جزائري.. بالرغم مما يمكن أن تلعبه المخابرات الفرنسية في هذه القضية بسبب التنافس بين الاحزاب.

فلماذا اذن رفست هذه الجالية المسلمة الكبيرة على كرامتها.. حيث توصف بأشد النعوت بسبب لقمة العيش، وتصبر على ما ‘جابه الزمن’، بالرغم من مساهمتها الجادة في الاقتصاد الأوروبي؟ أم كما يقول المثل المصري ‘اللي مصبرك على المر.. اللي أمر منو’. أم أن ودتها إلى أوطانها الأصلية سوف يغرقها في الفقر المدقع.. والضياع. واذا كانت معدلات النمو التي تتحدث عنها الدول المغاربية كتونس، المغرب والجزائر حقيقية.. وكون الاقتصاد المغربي كما تحدثت صحيفة الايكونومسست يحتل تصنيف ثلاثية ب، فعلى هذه الدول أن تعيد النظر في اقتصادياتها المتخلفة عن طريق تشجيع القطاع الخاص الذي يعتبر الركن الأساسي لخلق فرص الشغل وللتنافس العالمي، في علاقة متينة مع القطاع العام، والنظر إلى القطاع الثالث الذي هو قطاع الخدمات بالكثير من الاهتمام.. وتجعل هذه الدول من احترام القانون والإنسان رصيدها من الثرى. فقد وجه الفيلسوف الألماني انشتاين، صاحب نظرية النسبية، نصيحة وحكما إلى الصهيونية العالمية، حيث أن هذا الفيلسوف يدعم من دون شروط الدولة العبرية، بتبني ثلاثة منطلقات أساسية لقوة الإنسان اليهودي ولدولته وهي: حب المعرفة لذاتها، التعصب للعدالة، والاستقلالية في التفكير واتخاذ القرار.. وكان قبله عبد الرحمن الكواكبي قد عبر في كتابه ‘طبائع الاستبداد’ في مقولته الشهيرة ‘إن الحرية هي شجرة الخلد وسقياها قطرات من الدم المسفوح’، فالحرية عند الكواكبي والاستقلالية عند انشتاين هما أسباب قوة الإنسان.

أخشى ما أخشاه أن يأتي يوم نصدق فيه مقولة هيرتزل الشهيرة ‘هذه أرض بلا شعب لشعب بلا أرض’، فالمشكلة أيها السادة ليست في الأوطان، التي حباها الله بأجمل موقع على البسيطة، بل المشكلة.. في أمور عدة. ناصر الدين جعفر [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية