عبد الرزاق قيراطأهالي الشهداء في مصر والذين قاموا بالثورة في ميدان التحرير لم يجنوا من الأحكام التي صدرت بحقّ مبارك وأعوانه وأبنائه إلاّ الاستمتاع بنصّ جميل يذكّرنا برائعة الأطلال لكوكب الشرق أم كلثوم. فقد ألقى علينا القاضي بيانا إنشائيا وصفته الأهرام بأروع ما تلي في افتتاحيات الأحكام، وكانت بنية النصّ المقروء وفيّة لشكل القصيدة العربيّة الكلاسيكيّة حيث يبدأ الشاعر بالوقفة الطلليّة أو الغزليّة، ثمّ يصف الرحلة ويختم بالحكمة أو الموعظة. القنوات الفضائيّة التي نقلت الحدث وتابعته لم تجد ما تكتبه في شريطها المتحرّك الذي يخصّص للتنصيص على قول مهمّ. فماذا عساها ستلتقط بشكل عاجل من الكلام المقروء وهو مجرّد إنشاء وبلاغة. أمّا محمّد كريشان الجالس في مقرّ الجزيرة فوقع في الفخّ ودوّن على ورقته ما يصلح أن يكون محاضرة عن الشعر والشعراء في جامعة أدبيّة. تغزّل القاضي أو الشاعر المتيّم بثورة المصريّين وبالنور الذي أضاء مصر قائلا: ‘أطلّ على مصر فجر جديد لم تره من قبل أشعّته بيضاء حسناء وضّاءة…’، ومزج ذلك الغزل بهجاء تهجّم به على عهد مبارك فوقف على أطلاله برهة من الزمن لا للبكاء عليه وإنّما للبكاء منه وهو يشبّهه بكابوس طويل و’ ليل مظلم.. أخلد لثلاثين عاما لظلام دامس أسود أسود، ليل خالص بلا أمل أو رجاء’. وليل مصر بهذا الوصف مماثل لما ورد في معلّقة امرؤ القيس الذي اشتكى من هموم ليلة طويلة ثقيلة: ولَيْلٍ كموجِ البحر أرخى سُدوُلَهُ / علـيَّ بأنـواع الهمـوم لِيَبْتَـلي… ألا أيها الليلُ الطويـلُ ألا انجَلِ / بصبح ومـا الإصْبَاحُ مِنـْكَ بِأَمْثَلِ. واسترسل القاضي في تصوير ما شهدته مصر من تخلّف وانحدار ‘لأدنى الدرجات بين الأمم وهي التي كانت شامخة عالية يشار إليها بالبنان’ وانسجاما مع تلك المعاني المتباكية التي نقلتنا من الهجاء إلى الرثاء، تنهّد القاضي متسائلا: ‘ماذا جرى لك يا مصر يا من ذُكرت في الكتاب ‘ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ’. فتشبّه وهو يرثي مصرا بالخنساء التي بكت أخاها صخرا. وإمعانا منه في استرضاء الشعب الذي يتابع محاكمة القرن تسلّح رفعت بمعجزات القرآن ومعاني التديّن والعفّة وهو يصف انتصار الثورة المباركة بعد أن تنزّلت الملائكة لنصرة شعبها على حكّامه الجبابرة: ‘وهكذا كانت إرادة الله في علاه إذ أوحى لشعب مصر وأبنائها البواسل الأشداء، تحفّهم ملائكة الحق سبحانه وتعالى… ‘ وفي قوله ذلك قبس من آية نزلت في غزوة بدر [إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ] – الأنفال/9. وعموما كان القول جميلا يروق للسامعين، أبعدنا عن المحكمة ونصوصها القانونيّة وطاف بنا في عالم الشعراء المبدعين. غير أنّ القراءة أفسدت علينا متعة التلقّي في مواقع كثيرة، فالقاضي أحمد رفعت رفع كلّ المنصوبات والمجرورات ولم يحترم قواعد الإعراب، وكان بقراءته تلك مثل الولد الشقيّ الذي وصفه الكاتب المصريّ محمود السعدني وهو يجيب عن سؤال الشيخ طاهر مدرّس العربيّة حين طلب منه إعراب الجملة [جاء محمّد]:’ وأعربت على الفور، وكان إعرابي مصيبة كبرى جلبت على نفسي الكوارث والخراب: [محمد] فاعل منصوب بالفتحة و[جاء] مفعول به مكسور على الضمّة، إعراب ما أنزل الله به من سلطان وإهانة ما بعدها إهانة وجّهتها للسيد سيبويه’. رفع القاضي أحمد رفعت جميع الأفعال التي جاءت بعد [أنْ] وهي تنصب الفعل المضارع الذي يليها. وتفسير ذلك أنّ قاضينا لا يعترف بالنصب ولا بالنصّابين فأبطل قواعده النحويّة والقانونيّة حين رفع الأفعال، ثمّ رفع كلّ التهم التي ألصقت بعلاء وجمال نجلي مبارك المدانيْن مع حسين سالم بأعمال النصب والتربّح نظرا لانقضاء المدة المسقطة للدعوى الجنائية. وحينها فقط، استفاق الحاضرون في المحكمة من تأثير السحر البيانيّ الذي ألقى غشاوته على أبصارهم وأسماعهم، فرفعوا شعارات غاضبة تعارض حكم القاضي صائحين: ‘باطل’ .. ‘مسرحية مسرحيّة والعصابة هي هي’. أمّا خارج المحكمة فكانت الجماهير الغفيرة في كر وفرّ مع رجال الشرطة بعد أن خاب انتظارها لحكم يشفي الغليل. وكان ذلك على مقربة من منصّة قناة الجزيرة. وقد كشف مراسلها أنّ ضيفا من أنصار مبارك اعتذر عن الإدلاء بما قد يجلب له الاعتداء بالعنف الشديد، فغاب عن التغطية نصف شعار الجزيرة [الرأي والرأي الآخر] وهي تحاور الغاضبين من الحكم دون المساندين له. وقد تنامى الغضب وانتشر بشكل واسع، وهو ما كان متوقّعا على الأرجح كما فهمنا من الخاتمة التي أنهى بها القاضي كلامه مستجيرا بالقرآن في مغالطة واضحة للشعب المصريّ بدعوته إلى الرشد وقبول تلك الأحكام وكأنها منزّلة من الله: ‘ولا يسع المحكمة في هذا المنحى من التداعي بما سطرتها من يمينها الطاهرة… إلا أن تذكر ما تيسّير من آيات الذكر الحكيم لعلّ من يقرأها يعود إلى الرشد… (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق)، (لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحقّ كارهون)’. و بالفعل كره الآلاف تلك الأحكام، فلم ينخدعوا بما سبقها من المغازلة المفضوحة ولم يقتنعوا بما أعقبها من الذكر الحكيم تلبيسا للباطل بالحقّ، فتوجّهوا إلى ميدان التحرير للوقوف على أطلال معركتهم يرثون شهداءها ويجدّدون ما قطعوه من العهود للانتقام من المجرمين الذين سفكوا دماءهم ونهبوا ثرواتهم. وقد أشفق مرسي المرشّح الإسلاميّ عليهم ووعدهم بالقصاص حالما يفوز في الانتخابات، بينما طالب الفلوليّ أحمد شفيق باحترام القضاء وتنفيذ أحكامه. وبين هذا وذاك سيظلّ الشعب واقفا منتظرا على ما يبدو لصباح قد لا يغيّر شيئا من واقعه إن غلب علينا تشاؤم امرؤ القيس، وقد تبزغ معه شمس الحقّ والعدالة إن غلب علينا تفاؤل القاضي ‘الشاعر’ أحمد رفعت!
جلب بن علي لمحاكمته بتونس.
يبدو أنّ وضعنا في تونس أفضل من وضع إخواننا المصريّين فقد أعفى القدر قضاءنا من محاكمة بن علي المقيم في السعوديّة حيث القيم الأصيلة مثل إغاثة الملهوف، وإكرام الضيف، ونصرة المظلوم.. في برنامج الصراحة راحة على قناة حنبعل صارحنا نور الدين البحيري وزير العدل بصعوبة التوصّل إلى اتفاق مع السعوديين لتسليم بن علي ومحاكمته في تونس. ورُبّ ضارّة نافعة، فمحاكمة مبارك في مصر أشعلت فتيل الغضب من جديد. ومحاكمة البغدادي المحمودي في تونس تثير جدلا مستمرّا حول مسألة تسليمه إلى ليبيا… وقد تفوّقنا على مصر أيضا بتطهير القضاء من الفاسدين والمرتشين وعددهم واحد وثمانون قاضيا تمّ شطبهم. ولعلّ أفضل تعليق على هذا المشهد التونسيّ المتداخل يكون بأسلوب القاضي أحمد رفعت باختياره لآيات من القرآن والذكر الحكيم، وفي وضعنا قد يتلو قوله تعالى: [وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ] البقرة-216حديث الساعة.. مدح وهجاء وحبّ.
لا يمكن للمشاهد أن يهمل مناظرة سياسيّة يكون لطفي زيتون ضيفا فيها، وقد أصبح الرجل معروفا بسخريته اللاذعة من المعارضة التي تهاجم الحكومة صباحا مساء ويوم الأحد. عملا بما أنتجته قريحة الشويعر أولاد حمد بقوله: ‘أحب البلاد كما لا يحب البلاد أحد.. صباحا مساء وقبل الصباح وبعد المساء ويوم الأحد.’ في برنامج حديث الساعة على القناة الوطنيّة كانت المناظرة حامية بين زيتون وميّة الجريبي الأمينة العامّة للحزب الجمهوريّ. كلاهما امتدح صنيعه وهجا صنيع الآخر. ولكنّ الغلبة كانت لزيتون حين شبّه المعارضة بفرقة موسيقيّة شعبيّة صاخبة تسمّى الصطنبالي، فغضبت الجريبي وطالبته بالاعتذار مباشرة على الهواء، غير أنّ زيتون ظلّ يتحدّث على هواه ممتدحا حكومة الثورة داعيا المعارضة إلى إنقاذ نفسها من التفكّك والانشقاق عوض إطلاق صيحات الفزع والمطالبة بحكومة إنقاذ وطنيّ. والطريف أنّ الضيفين متفقان بل متساويان في الحبّ والكره إذا افترضنا أنّ الجريبي تكره الحكومة وزيتون يكره المعارضة وأنّهما يحبّان البلاد كما لا يحبّ البلاد أحد أو يتظاهر أحدهما أو كلاهما بذلك الحبّ.
كاتب تونسي[email protected]