كرة القدم: عشق الاوهام وفساد الاخلاق!

حجم الخط
0

عبدالكريم القلالي مع كل موعد كروي تكثر المآسي وتنتشر الفواجع فتنقلب الأفراح أتراحا، والترفيه شغبا، وتعلن حالات الاستنفار في صفوف المتابعين، فتتخلف بعض المصالح ويتعذر عليك الوصول إلى بعض الخدمات؛ لأن غيرك فرح مسرور ومن تمام نشوته وانتشائه أن يقطع عليك الطريق، ويؤخرك عن الوصول، وقد يضطرك للوقوف بالحواجز البشرية التي تحتل الطرقات بوقاية أمنية عن اليمين والشمال ومن الخلف والأمام.. وليس يهمهم جميعا أن تصل متأخرا أو أن لا تصل أبدا؛ فتتخلف مصالح العشرات من المواطنين، بسبب الشغب الكروي، وليت الأمر وقف عند ذلك بل يصل حد التنابز بالألقاب والشجار بالعصي والهراوات، ويتجاوز كل ذلك فتقع حالات التشرد والضياع. وكم اعتصرني الألم في مشاهد مؤلمة بالمحطة الطرقية بتطوان في مبارة ماضية قبل فوز المغرب التطواني، حيث شاهدت زرافات من الشباب تقطعت بهم السبل جاؤوا من كل فج ليتابعوا صنمهم المعبود؛ قتقطعت بهم السبل وصاروا عالة يتسولون المارة الدرهم والدرهمين، للحصول على تذكرة حافلة تقلهم نحو مدنهم، وآخرين منهم في مشهد مؤسف اصطفوا نائمين وسط المحطة ويتعذر على المسافرين المشي بالأقدام داخلها ففضاء المحطة صار مأوى للتائهين واتخذوه فراشا باتوا فيه ليلتهم نائمين.

وبعد هذا المشهد المؤلم بأيام وجدت نفسي يوما آخر محاصرا وسط فئات من المشجعين قطعوا الطرق قبل الأوان وضيقوا المررات، في مشاهد جنونية تغيب فيها القيم والأخلاق ولا تسمع إلا الجهر بالسوء من القول، اضطررت معه لإغلاق نوافذ السيارة رغم حرارة الجو؛ لئلا أسمع كلماتهم النابية بينهم التي لا تتحملها الآذان، فرأيت يومها؛ كيف يهبط الإنسان من عرش الكرامة الإنسانية إلى مستوى القطعان من الماشية؛ بل هم أضل؛ فالمشاية تفسح الطريق للمارة، وتحترمهم ولا تعترض سبيلهم. ورأيت الدوائر من الناس تطوف بمعبود رسمته ذكرني بقداسة أصنام الجاهلية الأولى؛ زاد عليهم هؤلاء انتهاك الأخلاق والأسر والأعراض والحريات وليس ضروريا أن يكون الصنم حجرا أو خشبا. فقد يكون قيمة ولافتة ولقبا وناديا وفريقا أو جلدا كرويا منفوخا، ويخلق ربك ما لا تعلم!

وإذا كان هؤلاء المتابعون يصعب إقناعهم بجرم ما يرتكبون لأنهم في سكرتهم يعمهون، وأمام صنمهم يقفون غافلين شاخصة أبصارهم مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم عقلهم وأفئدتهم خوار، يكادون يخرون ركعا أو سجدا ولا يشعرون؛ فالمسؤولية في المجتمع مشتركة بين مختلف المؤسسات كالمساجد والمدارس والأسر والجهات الأمنية التي تحمي المشاغب وتحرسه ولا تبالي لبقية المواطنين.

وليت الأمر مقتصر على المنسابات والمواسم لكان مستساغا وربما مقبولا؛ لكنه صار ظاهرة أو موضة يومية ومصارعة يتبارز في جدالها العقيم الصغار والكبار، ديدنهم وحديثهم في الحافلات والمقاهي والمحلات بل والمدارس والمنتزهرات يسبحون بحمد صنمهم بكرة وعشيا وحين يظهرون، صنمهم هو محياهم ومماتهم… وإذا مللت من مجالسهم وأنديتهم ويممت وجهك شطر بيتك للعناية بشأنك لاحقك ضجيج الأصوات، والحفلات غير المنظمة والصاخبة، التي يطلق فها العنان للحركات العنيفة والصيحات المتكررة على إيقاع الطبول ولحن المزامير، وينتهي الحماس الصاخب إلى الذهول والهذيان، وانتهاك سياج المحرمات الشرعية والقانونية؛ يخال الناظر إلى أحوال العباد هذه الأيام بتطوان بكثرة الصخب والصياح أن المدينة مع موعد أو إنجاز أممي تاريخي؛ لكنك ما إن تنصت لحديث الصاخبين تولي مدبرا متأففا من تفاهة ما تسمع!

كم من الأموال تضيع، وكم من الشباب ضاع وما يزال، وكم من الأعمار تفنى في باطل وما تزال.. فمن المسؤول؟! إن هذا التخدير والسكر العلني للشعب له من يحميه ويريده أن يبقى لكيلا يلتفت الشعب لشيء آخر؛ فهذا الصياح المستمر بتضخيم صنم الكرة، بحيث يطغى الانشغال به ويزداد يوما بعد يوم في حياة الناس وتفكيرهم وتصوراتهم كلها. ويصير الناس آلات تلهث وراء الأندية والفرق، وتعدها معركة الحياة؛ وتنسى في عاصفة الصياح المستمر الحقوق والواجبات، وتداس كل القيم الروحية والأخلاقية؛ وحماية هذا الصياح والسكوت ليس بريئا؛ إنما هو خطة مدبرة لإقامة أصنام تعبد؛ وتكون لها السيادة العليا فيتبلد إحساس المجتمع وقد تبلد! فتبقى صراعاته بين وبين جيرانه وزملائه ومعركته لا تتجاوز خصمه الكروي. رأينا النساء والأطفال يخرجن في مشهد رجونا لو كان لمؤازة مجزرة أطفال سورية الشقيقة الذين على دمائهم نمرح وبقدر ما تتواصل أفراحنا تستمر أحزانهم.. لكم الله يا أهل سورية إننا في الجهاد الأكبر كرة القدم وسيارات الإسعاف لا تتوقف في مدننا وكما أن لكم ما يشغلكم من القتل والظلم والعدوان لنا ما يشغلنا من الشغب والافتتان.. فصبر جميل والله المستعان.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية