أوهام الثورة

حجم الخط
0

عبد الوهاب الملوح هُوَ الْوَهْمُ إذا يقودنا إلى حتفنا فنبلغه في وقت قياسي لنحتفل بخيباتنا ؛ لم نُصدّق خيباتنا؛ كانت الظلال أعلى من قاماتنا؛ والحناجر مبحوحة بهتافات الانتشاء المشبوه سدت علينا الطريق نحو القصر الرئاسي، لم يكن ثمة متاريس ولا مصدات خرسانية؛ لم يكن ثمة أشباح ولا أشباه فزاعات لم يكن ثمة جنود حتى؛ وحدها الطريق السيارة تحف الورود من كل جانب نظيفة ملتمعة لا اثار عليها لنا يحدث غير بعيد عنها الكرسي شاغر ولا أئمة يدعون لإقامة صلاة الغائب على نظام تشبه بكائن مسخ. لم يكن الأمر مجازا ؟ولا حتى بروفات فيلم لألمو دوفار.؟كانت الحقيقة وقد تجلَّت واضحة ليس كالشمس في وضح النهار ولكن حقيقة إن رئيسا هرب من غضب الشعب عليه ؛ترك كل شيء شاغر وفرَّ بجلده…؛ عمَّ الفراغ ؛ كان بالإمكان ان يتحول الوهم إلى حقيقة يحرسها الجند الذين وان انتشروا في الدم الذي ينزف حول القلب ولم يكفكفوا ا لنزيف ولم يحدثوا العطالة مع ما فات غير إنهم ويا للغرابة حرسوا الوهم الذي عاد يزدحم في وقت قياسي أيضا…كان كل شيء مزدحم بالوهم وقتها !وهم يشبه حالة غيبوبة بسبب حالة انتشاء لم تستوعب تجليات رغباتها ولم تصعد معها نحو الأعلى فاكتفت بتسجيل أهداف عديدة؛ خطيرة؛ واضحة غير إنها أهداف عشوائية لم تصب المرمى؛ هكذا سوف يفر العدو وتخلو الساحة تماما فلا أثر لأحد من الجهتين ولا أثر لقاتل وقتيل أو لحاكم ومحكوم !ليته كان العسكر فتكون المعركة فد اتضحت فيمكن الحديث وقتها عن ثورة حقيقية وليس عن أوهام الثورة !بلاد كما لو إنها دينار؛ بلاد كما لو أنها امرأة؛ بلاد كما لو أنها سجادة صلاة؛ بلاد كما لو أنها كرسي هزاز يصلح للاستمناء حين اعتصام اللذة في الحلق بلاد كما لو أنها ليست بلادا كان لابدَّ من التفريق بين المجاز والحقيقة والوهم ؟ ليس المجاز إلا تأويل وتصعيد للحقيقة وليس الوهم إلا تهشيم للحقيقة واغتيال لها….حين خرج الناس يحتجون ويتظاهرون خاصة سنة 2008 ليكتمل الأمر بداية من منتصف ديسمبر 2010 لم يكن من اجل استبدال حاكم بحاكم آخر؛ لم يكن أيضا من أجل تبديل دستور بآخر؛ ولم يكن من أجل إن تمثيل أعضاء البرلمان كان فاسدا ليتم تعويض الممثلين بآخرين؛ ولم يكن أيضا من أجل البحث عن أقصر الطرق المؤدية للجنة أو للجحيم أو لكومونة عربية تحقق العدالة البروتاليرية…خرجوا بل لأنهم توقفوا عن الوهم.. خلعوا عنهم سترات اعتقدوا ولزمن طويل إنها ستقيهم شدائد الزمن وتحولاته وستقيهم تبدلات أحوالهم القاسية وتلوعاتهم بين أهاليهم وستقيهم سهام أحلام نالت منهم أعقاب أحزانهم وحين وجدوا أنفسهم وحدهم يموتون بلا أكفان ولا معزين ولا قبور خرجوا يواجهون أقدارهم البائسة أمام جحافل من أنواع البوليس المجهز بشتى أنواع.الأسلحة والذخائر الحية والإعلامية والسياسية والحزبية وتقدموا رغم كل شيء!تقدموا يهشمون حيطان الوهم؛ يهتفون فيها فتسقط؛ تقدموا يمزقون نسيج العنكبوت من حواليهم؛ تقدموا مندفعين بعزة أنفسهم فقط؛ ليس بعزة العرب أو عزة الله او عزة الطبقة الكادحة؛ كانوا قلة وحين أصبحوا كثرة لم يشأ أحد إلا أن يرفع نفس الشعار’ الكرامة والعزة والحرية ‘ و’ الله أكبر ‘و ‘ الوحدة العربية ‘ و’ المجد للطبفة الكادحة’ تقدموا كلهم في دمائهم التي تنزف وتقدموا بين جثثهم وتقدموا في وحل دموعهم وتقدموا بين أعضائهم التي تسقط منهم؛ تقدموا وهم لا يهابون الموت وهو لا يخافون الحبس وتقدموا وهم خائفين وتقدموا وهم يبكون وتقدموا وهم مرتعبين وتقدموا وهم في بيوتهم أيضا أياديهم على قلوبهم ويدعون ان يتركهم وشأنهم هذا الرئيس وحاشيته وتقدموا يحرقون أنفسهم ليس شماتة في أنفسهم الكبيرة ولكن حتى لا يستمتع بها غبي مستبد يحولها إلى أقنان ضمن قطيع لا يعرف كيف يردد البعبعة…لم يكونوا واهمين: قتلى؛ جرحى؛ معطلين؛ معذبين في الأرض ومتعبين؛ هؤلاء لم يكونوا واهمين غير ان ماكينة الوهم حصدتهم كما حصدت آمال وأحلام المقهورين فلم يجنوا من جريهم ولهيطهم وشقائهم عبر جميع الحكومات؛ الديكتاتورية الأولى؛ الثانية؛ الثالثة وما سيأتي أيضا من حكومات مؤقتة غير النكد ‘الأرض النكدة لا تنبت إلا نكدا ‘..لقد تمت إزالة بعض المسامير الصدئة غير انه تم الاحتفاظ بنفس الحذاء؛ هذا الحذاء المتهرئ؛ مجرد حذاء قديم تم تلميعه والآن يتم إعادة صنع نعله باسم الثورة والجمهورية الثانية دون اعتبار لمن قاموا أشعلوا الفتيل الأول للتمرد؛ فتحوا السجون؛ وأعادوا المنفيين ومنحوا للبهائم حق الإقامة في المدن الكبيرة والنهيق باسم حقوق الهواء أيضا..هو الوهم إذا نصارعه فيغلبنا؛ يضحك منا الأطفال وهم يستمعون إلى حكاية الثورة ويؤلفون إنتاجاتهم الكتابية عن سندريلا وعن هاري بوتر وعن علاء الدين يقهقهون وهم يجدون أنفسهم مُطالبين بكتابة مواضيع عن الثورة؛ -‘عن أي ثورة سأتحدث ‘قالت لي أحدى التلميذات: -أبي يمنعني من الحديث إليك وإلى أصدقائي من الذكور وأمي تحت ضغط أبي تطلب مني أن البس النقاب… هل تريدني أن أتحدث عن هكذا ثورة وبودي ان اهج من البيت ومنك ايها الثوري ؟لقد توهمنا الثورة وانكسرنا بظلال أنفسنا وانكسرنا لأننا لم نعرف كيف نسدد الفراغ الذي صنعناه بأنفسنا ؛ كان من الممكن ان يتضح الأمر بعد يومين فقط واستعجلنا الأمر فغلبنا الوهم وصحنا هاتفين :- بن علي هرب – لقد هرمنا – انتصرت الثورة -البلاد تحررتوالحقيقة انه تم السطو على الناس مجددا وكالعادة غير انه هذه المرة لم يكن سطوا مسلحا بل سطوا وهميا ومازالت عمليات السطو تتم أمام جميع الناس باسم الثورة أيضا…يا لبؤس الثورة وأوهامها..

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية