الناصرة-«القدس العربي»: توجه مركز «عدالة» في أراضي 48 برسالة عاجلة إلى المستشار القضائي لحكومة إسرائيل يطالبه فيها بوقف التنكيل والتعذيب الجسدي والنفسي للأطفال الفلسطينيين أثناء اعتقالهم والتحقيق معهم بطريقة تذكّر بغوانتنامو الأمريكي. كما طالب «عدالة» بفتح تحقيق جنائي ومحاكمة المسؤولين عن هذه الجرائم الخطيرة. ويعتمد توجّه «عدالة» هذا على عشرات الشهادات المروّعة التي أدلى بها الأطفال الفلسطينيّون وسجّلها محامو»الحركة العالميّة للدفاع عن الطفل- فرع فلسطين». وتتم هذه الإنتهاكات الخطيرة لحقوق الأطفال وسط انتهاك فظ لتعاليم القانون الدولي وحتى القانون الإسرائيلي ذاته. ويؤكد محامي «عدالة» فادي خوري لـ «القدس العربي» أن هذه الممارسات الخطيرة تشكّل، دون أدنى شك، مخالفات جنائيّة خطيرة مثل الاعتداء، التسبب بأضرار، التهديد، التحرّش الجنسي وغيرها من المخالفات التي ترتكبها السلطات الأمنيّة، بدءًا من الجنود وصولا للسجّانين ومحققي الشاباك.
ويشير أن الوثيقة العالميّة لحقوق الطفل تلزم إعلام ذوي الأطفال فورًا عن التهم وضمان تمثيل قانوني ملائم منذ لحظة الاعتقال الأولى. منوها أن الوثيقة الدولية لحقوق الطفل تلزم إسرائيل أيضًا بالامتناع عن ابتزاز الأطفال من أجل نزع اعترافات بالإكراه، عن طريق الضغط الجسدي والنفسي. كذلك، فإن الوثيقة تمنع تعرّض الأطفال لأي من أنواع التنكيل، التعذيب، الإذلال والمعاملة غير الإنسانيّة. مشددا على انتهاك السلطات الإسرائيلية الحق بالكرامة، بسلامة الجسد، الحق بالحريّة وفي الخصوصيّة.
ويستدل من شهادات الأطفال أن معظم حالات الاعتقال بحقّهم تتم في ساعات الليل المتأخرة، بحملات مداهمة يشارك فيها عشرات الجنود بعنفٍ ووسط ترهيب للأطفال وعائلاتهم. في كلّ الشهادات المذكورة تحدّث الأطفال عن تقييد أيديهم وأرجلهم، تغطية عينيهم ونقلهم إلى مركبات عسكريّة تكون بعيدة مئات الأمتار عن مكان اعتقالهم. في حالات كثيرة، يصل الجنود إلى غرفة الأطفال داخل بيوتهم، يوقظونهم من النوم ويقيّدون ايديهم وأقدامهم وهم ما زالوا في فراش النوم.
في واحدة من الشهادات، يتحدّث الطفل عن أنه استيقظ على ركلات الجنود الوحشيّة وهو نائم في سريره. بعد أن أيقظوه قيّدوا يديه ورجليه لمدة تزيد عن نصف يوم، رغم أن اصبع الطفل كانت مقطوعة حتى وسطها، الأمر الذي أدى إلى إصابتها بتلوث خطير اضطر الأطباء لبترها كاملةً. وفي حالات كثيرة، حين يحاول أهل الطفل التحدث إلى الجنود وتلقي معلومات عن اعتقال ابنهم، يقوم الجنود بالاعتداءات على أبناء العائلة بالضرب والشتائم. غالبا يتم اعتقال الطفل دون أن يعرف هو أو أهله لماذا يتم اعتقاله، ومن دون أي امكانيّة لمرافقة أحد ذويهم، أو اعلامهم الى أين سيتم نقله. كذلك تفيد الشهادات أنه وخلال نقل الطفل إلى معسكر التحقيق، يستخدم الجنود عنفًا جسديًا وكلاميًا قاسيًا ونابيًا للغاية، بما في ذلك الضرب، إطاحة رأس الطفل بالجدران، تهديدات بالعنف وتهديدات بالاعتداء الجنسي والاغتصاب. كما أفاد أحد الأطفال أنه بعد أن ضربه الجنود بوحشيّة، تم عزل جميع أفراد العائلة في غرفة واحدة وإدخاله هو إلى صالة البيت. بعد أن حققوا معه، أحضر الجنود أربعة أطفال آخرين وأدخلوهم إلى البيت، وبدأوا يضربون الطفل أمام أصدقائه الأربعة. خلال التعذيب والضرب، «اعترف» الطفل بإلقاء الحجارة «واعترف» أن أصدقاءه أيضًا شاركوا بإلقاء الحجارة معه. لاحقًا، في معسكر التحقيق، تراجع الطفل عن أقواله، وقال أنه اعترف بذلك من أجل أن لا يستمروا بضربه وتعذيبه. ويستخدم المحققون خلال التحقيق مع الأطفال وسائل محظورة بموجب القانون. على سبيل المثال لا الحصر، أجمع كل الأطفال في الشهادات على أن التحقيق معهم استمر لساعات طويلة، وأنه تم أثناءه تقييدهم بوضعية «الشبح» بحيث تُربط اياديهم وأقدامهم بكرسيّ منخفض. كذلك، هدد المحققون الأطفال بالضرب، العزل، تعذيب آباءهم واغتصاب أمهاتهم وأخواتهم. معظم الأولاد قالوا في شهاداتهم أنهم تعرّضوا للتفتيش العاري في الكثير من مراحل التحقيق، وفي الحالات التي رفض فيها الأطفال التفتيش العاري، تعرضوا لاعتداء عنيف من قبل السجّانين. يُضاف إلى هذا كلّه أن التحقيق مع الأطفال يتم من دون مرافقة أي محام أو من ذويهم. عندما طلب الأطفال من المحققين تلقي استشارة قضائيّة من محام، رفض المحققون بحجة أن لقاء المحامي «ممنوع». مما يظهر في غالب الشهادات، تستمر التحقيقات لساعات طويلة، يُمنع خلالها الأطفال من دخول المرحاض ويحرمون من تناول الطعام والشراب بشكل كاف. بين الشهادات نجد حالات رفض فيها المحققون لعشرات الساعات السماح للأطفال بالأكل إن لم يعترفوا بالتهم الموجهة إليهم. وفي جميع شهادات الأطفال، يظهر أنهم كانوا في الحبس الانفرادي معزولين عن العالم الخارجي لأيام وأسابيع طويلة. يقول أحد الأطفال في شهادته إنه بقي في العزل الانفرادي مدة 28 يومًا متواصلة. كذلك وصف كل القاصرين الزنازين بأن ظروفها مزرية للغاية. ويصف معظم الأطفال الزنازين بأنها صغيرة جدًا ومن دون نوافذ، فيها فرشة صغيرة ومرحاض، تفوح منها رائحة كريهة جدًا ومقرفة. جدران الزنازين، بحسب إفادات الأطفال، خشنة ومدببة ولا يمكن الاتكاء عليها. أما الزنزانة فهي مضاءة بضوء أصفر يؤلم العينين على مدار الساعة، وهو ما يحول دون نوم الأطفال ويصيبهم بفقدان الاحساس بالوقت.
فيما يلي عينة من الشهادات المروعة:
أيمن، مواليد 1996، قضاء جنين «الواحدة والنصف بعد منتصف الليل. كنت نائمًا أنا وخمسة من أبناء عائلتي. استيقظت على صوت طرقات قويّة على الباب. خفت كثيرًا، ثم توقّفت الطرقات على الباب، وهدأ كلّ شيء… ثم انفجرت قنبلةً صوتيّة اهتزّ لها البيت. غطّوا عينيّ بشريطٍ فلم أعد أرى، ثم أدخلوني إلى حافلةٍ ما وأجلسوني على الأرض الحديديّة، كانت الحافلة مليئة بالجنود وبالكلاب. أنا أخاف من الكلاب. وتركوا الكلاب تجلس حولي وتقفز عليّ. عندما أمروني بالنزول من الحافلة لم يمسكني أي من الجنود، كانت عيناي مغاطتين فلم أر شيئًا. وقعت أرضًا من أعلى درج الباص، وأصبت برضوض في جميع أنحاء جسمي. رفعني جنديّ عن الأرض بقوّة وسب امي. ثم أخذني، وأجلسني عند الكونتينر الحديديّ، جاء شخص ما وسألني إن كنت مصابا بأي أمراض، بعد أن ذهب تقدّم منّي جندي آخر صارخًا: «عربي كلب». لكمني لكمة قويّة على وجهي وبعدها أمسك رأسي وبدأ يضربه بحديد الكونتينر. تكرر ذلك ثلاث مرّات خلال الساعتين».
أحمد،من مواليد 1995، منطقة جنين : «كانت تمام الثالثة فجرًا. ظننت والدي يمزح معي عندما أيقظني وقال أن الجنود يحاصرون البيت ويطلبونني. نهضت ورأيت الجنود في البيت يوجّهون أسلحتهم إلى أبناء عائلتي. كان أحد الجنود يصوّب بندقيّته نحو أختي الصغيرة، يارا، البالغة من العمر 7 سنوات فقط. كانت يارا ترتجف من الخوف (…) في سيارة «جيب» الجيش كان الجندي يقول لي: «بدي… أختك الزانية». كانوا يريدونني أن أعترف، لكنّهم لم يقولوا لي ما هي التهمة أصلا».
«في الكونتينر الحديديّ كان الجّندي يركلني ببسطاره العسكري على عنقي، وكان يقول لي «أنت ابن كلبة، أمك زانية وأختك زانية «. بعد قليل سمعت الجندي ذاته يتكلّم عبر الهاتف، فهمت أنه يتحدّث إلى فتاة ما.. وفهمت من الحديث أنه يحكي لها عنّي، ثم بدأ يضربني لكي تسمعني الفتاة أصرخ عبر الهاتف. كان يضحك. ثم فهمت أنها طلبت منه أن يصوّرني، فبدأ يأخذ لي صورًا بهاتفه النقّال».
شادي، مواليد 1997، قضاء نابلس: «دخل الجنود الساعة الثالثة فجرًا. كانوا قد صبغوا وجوههم باللون الأسود، وثلاثة منهم كانوا ملثّمين، كانت أشكالهم مرعبة. أما في معتقل حوّارة فطلب منّي الجنود أن أفك حذائي، قلت أني لا أستطيع لأنني مكبل الأيدي والأقدام، فصاح الجندي وشتمني «يا ابن الزانية»، وبدأ يضربني ويركلني دون توقّف. ثم نزع الحزام عن بنطالي، وبعد أن نزعه قام بقصّه وهو يضحك، ثم قال لي أنه يريد أن يقصّ الحزام حتى لا أستطيع أن انتحر. كان يقول ذلك… ويضحك.»
سامر،من مواليد 1996، قضاء سلفيت: «بعد أن ربّطني الجنود سرت معهم مشيًا على الأقدام كيلومترًا تقريبًا حتى وصلنا قرب المدرسة. هناك، أخذوني إلى جهة المدرسة الخلفيّة وبدأ الجندي يشتم أمي ثم أتى جنود غيره، أوقفوني عند جدار المدرسة وبدأوا بتصويري بكاميرات الهاتف الخلوي، ثم بدأوا يلتقطون صوّرا لانفسهم معي مكبلاً. احد الجنود هو أكثر من صوّرني من بينهم، ثم أحضر كلبًا ضخما يهاجمني. أجلسوني أمام المكتب، وقام المحقق بربط يديّ وقدمي بهذا الكرسي المنخفض. وعندما انتهى من ربطي بالقيود، صفعني بقوّة على وجهي وقال لي «تكلّم، اعترف». سألت: «بماذا تريدني أن أعترف؟»، قال لي: «أنت تعرف ماذا فعلت». لم يخبرني المحقق أبدا الشبهات التي يحقق معي بسببها، لكنه أرادني أن أعترف دون أن أعرف ما هي الشبهة. في ساعات الليل، وبعد التحقيق، نقلوني إلى الزنزانة ولم يُقدم لي الطعام، مع العلم أني اعتقلت الساعة الخامسة صباحًا. كنت قد أكلت لآخر مرّة قبل 24 ساعة تقريبًا. في صباح اليوم التالي طلبت منهم مرة أخرى أن آكل، رفضوا مرة أخرى، الساعة الثانية عشرة ظهرًا حضر السجّان إلى الزنزانة وأخرجني منها إلى التحقيق. قلت له أني أريد حتى ولو القليل من الطعام، قلت له أنني جائع جدًا. قال لي «اعترف وسأقدم لك الطعام حالا، إذا لم تعترف، فمن جهتي لا يهمني أن تموت جوعا». بقيت في التحقيق أكثر من ثلاث ساعات، ثم أعادوني إلى الزنزانة. دخلت وقلت للسجّان أني أريد أن آكل، وأني لم أتناول الطعام منذ يومين. صرخ السجّان بوجهي ودفعني بعنف إلى داخل الزنزانة. بعد مرور ساعة، رمى لي من فتحة في الباب قطعة خبزٍ صغيرة ومعها بيضة مسلوقة باردة ورائحتها كريهة. وكنت مضطرًا لتناولها…».
معتز، من مواليد 1997، قضاء نابلس: «كنت أجلس بطريقةٍ مؤلمة. ربطوا يديّ خلف ظهري وأجبروني أن أحنيه حتّى يلمس رأسي ركبتيّ، وبقيت هكذا أكثر من ساعة كاملة. أثناء جلوسي، تقدّم نحوي جندي لم أكن أراه لأن عيناي مغطّاة، سألني عن صحّتي، وإن كانت لديّ أي أمراض، ثم بعد أن انتهى من الأسئلة الطبيّة قال لي: «… إمّك». عندما بزغ النهار، أدخلني الجنود إلى غرفة وقاموا بتفتيشي عاريًا، توسّلت إليهم أن أدخل إلى الحمام لأقضي حاجتي، رفضوا، في هذه الأثناء بدأ جسمي يرتجف من البرد الشديد، ثم بدأت أشعر بدوار أكثر وأكثر حتّى تقيّأت. بعد بضع ساعات أخذوني إلى مركز تحقيق بيتح تيكفا، عند وصولنا أدخلوني عيادة طبيّة، كان فيها طبيب يجهّز نفسه ليفحصني، عندها همس السجّان في أذني: هذا الدكتور يحب مضاجعة أولاد».
محمّد، من مواليد 1996، قضاء الخليل :»كنا نتناول الطعام، وفي الليلة نفسها نزل الثلج وفرحنا، نظرت من النافذة لأرى الثلج، وفجأة سمعت ضجة بالخارج. شعرت بأن هناك من حاول دفع الباب بقوة ليفتحه. خفت وتراجعت إلى الوراء، وأخبرت أخوتي بوجود حراميّة يحاولون الدخول إلى بيتنا. صعدنا بسرعة إلى السطح دون أن نعلم من في الخارج وبدأنا نصرخ بصوت عالٍ، فجأة تسلطت علينا أضواء الكشّافات ورأينا الأسلحة الأوتوماتيكية توجّه نحونا، وعندها بدأ من كنّا نظنّهم حراميّة يصيحون باللغة العبريّة، فهمنا أنهم جنود».
وديع عواودة