سمــير حمدي عندما اندلعت شرارة الثورات العربية من تونس وانتقلت إلى باقي دول الربيع العربي، بدا الشارع العربي موحدا حول غاية محددة وهي التخلص من أنظمة الطغيان والتحرر من ربقتها التي طالت لعقود تميزت بالانغلاق السياسي والاحتقان الاجتماعي والتصحر الثقافي، وبدا أن رياح الثورة ستجرف كل مخلفات النظام المنهار وكل رموزه وبقاياه الذين اختفوا من المشهد البصري وبدأوا يرتقبون مصيرهم وما الذي ستصنعه بهم الجماهير الثائرة.
وإذا كان من المطلوب من ناحية منهجية الاعتراف بخصوصيات الثورات العربية على تشابهها من ناحية بنيوية بالنظر إلى اختلاف مسار الانتقال السياسي فيها بعد الإطاحة بالأنظمة القائمة، فإنه يمكن القول أن الثورتين التونسية والمصرية وهما اللتان دشنتا الربيع العربي وصنعتا عنفوانه هما الأكثر تماثلا وتقاربا من نواح عدة يمكن توصيفها باختصار على النحو التالي:
ـ كلا الثورتان تميزتا بمسار سلمي لم يشهد عملا مسلحا واحدا على الرغم من سقوط مئات الشهداء.
ـ كل من الثورة التونسية والمصرية تمت من خلال تعبئة شعبية واسعة وتميزت بمشاركة كل أطياف المشهد السياسي.
ـ كانت هاتان الثورتان الأقصر من الناحية الزمنية حيث تسارع سقوط الأنظمة في البلدين بصورة لم تسمح لرئيسي النظامين المخلوعين بإعادة ترتيب الأوراق ولم يكن أمامها غير التنحي والفرار بالنسبة لبن علي والسجن والمحاكمة بالنسبة لمبارك.
لقد اختار الثوار في كل من تونس ومصر مسار الانتقال السياسي بعيدا عن تصفية الحسابات عن طريق العنف وإراقة الدماء والميل إلى إعادة تشكيل النظام السياسي من خلال سياق ديمقراطي قائم على التصرف ضمن إطار القانون وتنظيم الانتخابات والاحتفاظ ببعض القوى المحسوبة على أنظمة ما قبل الثورة (حكومة محمد الغنوشي ثم الباجي قايد السبسي في تونس والمجلس العسكري في مصر). غير أن هذه السمات وعلى الرغم من الايجابيات التي لا يمكن إنكارها من حيث بقاء كيان الدولة قائما وتم إبعاد شبح العنف أو الحرب الأهلية وسمح بخلق تطور ديمقراطي ودربة على الممارسة السياسية الشعبية قد أفضت إلى نتائج قد تؤدي إلى تهديد الثورة والعودة إلى الفترة المظلمة التي ثارت الفعاليات الشعبية ضدها وابرز هذه المخاطر هي عودة الفلول إلى المشهد السياسي و بداية تنظم قوى الثورة المضادة من جديد.
ففي تونس وعلى الرغم من الخطوات الهامة التي تم انجازها في المسار الديمقراطي (تنظيم انتخابات 23 تشرين الأول/اكتوبر، قيام المجلس التأسيسي كمجلس منتخب بمهمة كتابة دستور جديد، تشكل حكومة منتخبة من خلال تآلف قوى ثورية متحالفة) إلا إن بطء محاسبة لوبيات الفساد المالي والإداري وفتح المجال السياسي أمام شراذم النظام السابق منحها الفرصة لإعادة التشكل وتهديد المسار الانتقالي من خلال إثارة الاضطرابات والفوضى وتعطيل مسار الإصلاح من خلال التمترس بمواقع لازالت بقايا المخلوع تسيطر عليها في الإعلام والإدارة وقطاع المال والأعمال فقوى الثورة المضادة في تونس أصبحت أكثر جرأة وأكثر بروزا واستعدادا للانقضاض على المشهد السياسي من جديد مستفيدين في ذلك من موارد مالية واسعة نهبوها أثناء توليهم السلطة ومن حالة التسامح التي رافقت الثورة بحيث ظلوا في مواقع ما كان لهم أن يحتلوها. أما في مصر فإن الفلول يحاولون العودة من الباب الكبير والنتائج التي حققها احمد شفيق تدل على مدى تغلغلهم في الساحة السياسية وقدراتهم التنظيمية التي بقيت كامنة وتجلت في قدرتهم على التحشيد والدعاية، لقد استفاد فلول الحزب الوطني من وجود المجلس العسكري في الحكم ومن صراع القوى السياسة التي أنجزت الثورة ومن حالة التجاذب الإيديولوجي بين التيارات الفكرية المختلفة التي تشكل المشهد السياسي في مصر ما بعد الثورة.
لقد كان المسار الانتقالي بعد الثورتين التونسية والمصرية مفتقرا ـ إلى حد ما ـ إلى لغة الحسم الثوري مع بقايا النظام حيث غاب العزل السياسي لرموز العهد السابق بل والأنكى من هذا أن تتم الاستعانة بهم في بناء المسار الديمقراطي (السبسي في تونس والجنزوري في مصر)، بالإضافة إلى ما عرفته القوى السياسية المستفيدة من الثورة من صراع وتنازع بسبب غياب استراتيجيا واضحة تجعل الأولوية أولا وأساسا لتنظيف الساحة الوطنية من كل من عمل في خدمة النظام السابق وألحق الأذى بالشعب ولا يعني هذا بالضرورة أن تتم الأمور على طريقة البلاشفة في روسيا أو طريقة الخميني في إيران (أي إعدامات بالجملة لكل رموز النظام السابق) وإنما يمكن أن يتم من خلال مسار سياسي سلمي ولكن حاسم وجذري.
إن ما أفرزته الانتخابات المصرية في جولتها الأولى وما يجري في الساحة التونسية من فوضى منظمة ومدفوعة الأجر هي ناقوس خطر لدفع القوى الثورية للتآلف من جديد والابتعاد عن منطق المناكفة والصراعات الجانبية من ناحية وأن تتخذ القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية خطوات فعلية للاقتراب من القوى الثورية الأخرى وتعزيز منطق المشاركة قبل أن يجتاح الطوفان الجميع على أنه ينبغي الإشارة إلى أن الذين صوتوا ويصوتون لفلول الأنظمة المنهارة لا يدل صنيعهم هذا على خيانة وإنما هو نتاج تلاعب بالعقول وحنين إلى حالة الاستقرار التي افتقدها هؤلاء وإن السبيل الأمثل للوصول إلى قلوب هؤلاء وضمائرهم لا يكون إلا عبر إشعارهم بارتباط مصالحهم بالثورة واتخاذ إجراءات فعلية على الأرض تقنع الجميع أن المسار الثوري قد أتخذ سبيله بصورة نهائية لا رجعة فيها وإن كل بقايا الأنظمة قد انتهت صلاحية وجودهم السياسي وليس أمامهم غير الانسحاب.’ كاتب من تونس