لقاء مفتوح مع الشاعر صلاح بوسريف

حجم الخط
0

الرباط ـ ‘القدس العربي’: بقاعة مسرح دار الشباب بوشنتوف، نظمت جمعية التواصل الثقافي، ونادي مقامات، لقاءً مفتوحاً مع الشاعر صلاح بوسريف، يوم السبت 2 حزيران/ يونيو على الساعة السادسة مساءً. كان الحضور نوعياً، رغم أنه تزامن مع مباراة المغرب وتنزانيا، ما أضفى على اللقاء طابعاً مميزاً، من حيث طبيعة المشاركين، ومن حيث الشهادات والمداخلات التي قدمت في اللقاء.

افتتح الجلسة الأستاذ عبد الفتاح بهجاجي، عن نادي مقامات، بكلمة عن الشاعر صلاح بوسريف، وعن علاقته بدار الشباب بوشنتوف، وريادته بالدار، خلال فترة مهمة من السبعينيات، ووضعه كشاعر مغربي وعربي له حضوره المميز في المشهد الشعري المغربي والعربي، ليطلب من الشاعر صلاح بوسريف الالتحاق بالمنصة، والشروع في تقديم الشهادات، من طرف شعراء وكتاب مغاربة.

كانت أولى الشهادات هي شهادة الشاعر محمد بوجبيري الذي عاد بعلاقته بصلاح بوسريف إلى بداية الثمانينيات، هذه العلاقة، كما يقول محمد بوجبيري، التي لم تُصَب بخدش، واستمرت عالية، وصادقة في الشعر والحياة. كما تحدث عن صلاح باعتباره شخص حاد المزاج، وشخص لا يتنازل عن الحقيقة، ويعرف كيف لا يفرط في الصداقة رغم الاختلاف في الأفكار ووجهات النظر.

وهو ما سيؤكده الناقد والمسرحي محمد بهجاجي الذي اعتبر صلاح بوسريف في ما يكتبه ويقوله، يدرك جيداً أن بعض الخسارات التي تحدث في الطريق، لكنه يكتب وفق رؤيته للأشياء، ويعتبر أن قول الحقيقة من الأشياء التي لا تحتمل السكوت. وهو بذلك واحد من الذين شقوا طريقهم ليس على المستوى المغربي بل وعلى المستوى العربي، فأنا يقول محمد بهجاجي، في سفرياتي خارج المغرب، كثيراً ما يسألني الكتاب والمثقفون العرب عن صلاح بوسريف، هذا الشاعر الذي حاور كبار الشعراء العرب، وعاد بعد فترة صمت ليؤكد حضوره المتميز، في المشهد الثقافي المغربي والعربي.

أما شهادة الشاعر ادريس الملياني، فكانت بدورها تأكيداً حميمياً، على دور صلاح بوسريف في الشعر والنقد المغربيين والعربيين، وما يتميز به من نفس طويل في الكتابة، وتميُّز تجربته الشعرية، باستثنائيتها، وبعمقها، كون صلاح جمع في ما يكتبه بين معرفته العميقة بالتراث، وثقافته المفتوحة على الفكر والتاريخ والفلسفة والثقافة وبعناها الواسع. ويقول الملياني، إن في يكتبه صلاح بوسريف عن واقعنا الثقافي، وعما يجري في المغرب والعالم العربي، سياسياً واجتماعياً وثقافياً، فهو ينوب عَنِّي، وعنا جميعاً، في ما يقوله، لأننا نحن أيضاً نرى ما يراه، كما أنه يكتب الشعر بطريقته المتميزة، التي هس من بين أهم التجاري في الشعر المغربي المعاصر، سواء بالوزن أو بالنثر، وبلغته الخاصة.

وفي قراءة كتاب ‘حداثة الكتابة في الشعر العربي المعاصر’، الجلسة الثانية التي أدارها الدكتور محمد فراح، عن جمعية التواصل، اعتبر صلاح بوسريف، بين من كان لهم دور ثقافي في دار الشباب بوشنتوف، وأنه شاعر عميق مواظب على الشعر وعلى القراءة والبحث، رغم ما عاشه من عزلة قاسية في فترة من حياته، لكنه، حين عاد، كما أكد ذلك محمد بهجاجي، فهو عاد بحضور متميز، ولافتٍ، وكتابه ‘حداثة الكتابة’، إلى جانب شعره وكتاباته الأخرى، هو كتاب جديد في كل شيء، وفيه كثير من الأفكار الجديدة التي تحتاج لقاريء جديد.

وكانت قراء الشاعر محمد عرش، للكتاب، هي اقتراب من الإشكالية التي يطرحها، في ما يتعلق بإعادة مراجعة كثير من المفاهيم السائدة في الشعر والثقافة العربيين.

وحاول محمد عرش، أن يقف عند أهم مفاصل الكتاب التي اعتبرها ضرورية لقراءة هذا العمل وفهم ما يطرحه من أفكار، ربما، لم يتعود عليها النقد العربي المعاصر.

فالكتاب تميز بفصله بين الوعي الشفاهي والكتابي، ليميز بين القصيدة التي هي داخلة في الوعي الشفاهي، وبين الكتابة التي هي داخلة في الوعي الكتابي، وأن هذا الكتاب طرح مشكلة العلاقة بالصفحة، وهي من خصوصيات التجربة الكتابية المعاصرة، رغم أن النقد ما زال لم يدرك هذا الانقلاب الذي حدث في كثير من هذه التجارب.

وكانت كلمة صلاح بوسريف، هي ختام المداخلات والشهادات، وقد عرف اللقاء توقيع كتاب حداثة الشعر العربي المعاصر، التي كان عنوانها، ‘الجرح القديم، في مراجعة مفاهيم من قبيل المُسلّمات ‘، تحاول أن تثير الانتباه إلى كثير من المفاهيم التي ما يزال الذوق العام يستعملها، دون مراجعة، في الوقت، الذي عرفت هذه المفاهيم انقلاباً في كل شيء، وحين بدأ صلاح بوسريف بمراجعة معنى أن يكون الكاتب أو الشاعر يسارياً، في وقتنا الراهن، فهو أراد أن يشير إلى أن المثقف بطبعه يسارياً، حتى وهو خارج الحزب، أو ينتقد اليسار نفسه، ويختلف معه في كثير من أفكاره التي أصبحت تفتقد لبعدها العقائدي، ويقول بوسريف، هكذا كنتُ يسارياً، والتبعية للحزب، أو لأفكاره بعماء تُزيل عن الشاعر صفة المثقف الحر، صاحب الرأي والفكرة.

كما ذهب إلى استعادة ما كان هو وزملاؤه، يقومون به في دار الشباب، من ندوات ومحاضرات، في فترة كانت من الناحية السياسية قاسية، ورغم ذلك فهم كانوا لا يتراجعون عن الأشياء التي آمنوا بها، وهذا ما جعل من هذه الدار تكون مدرسةً، يقول بوسريف إنه تعلم فيها الكثير من الأشياء، وكانت مكتبتها هي التي أتاحت له أن يقرأ كتباً لم يكن ممكناً أن يقتنيها لأنه كان ينتمي لأسرة بسيطة، تكتفي بضرورة الحياة من شراب وطعام.

وفي كلمته أشار صلاح إلى أنه شعرياً لم يعد يميز في اللغة بين لغة للنثر وأخرى للشعر، فالكتب الأولى تعلمنا أن اللغة واحدة، وأن هذا التقسيم الذي قام به النقاد، هو تقسيم طائفي، وشبه لغة الشعر اليوم باللغة الخنثى، التي فيها يتوحد الذكوري بالأنثوي، في جسم واحد، ما يحقق المتعة والشهوة، ولذاذة النص الشعري الذي هو نص لا يمكن أن نقرأه خارج الصفحة، كون البياض أحد دواله الأساسية، إذا أردنا أن نقرأ الشعر اليوم بشكل صحيح.

وقد حرص بوسريف على اقتراح أن يكون اللقاء المقبل ضمن سلسلة اللقاءات التي يعتزم الطرفان المنظمان القيام بها، أن يكون اللقاء مع محمد بهجاجي، باعتباره جزءاً من ذاكرة هذه الدار، وأحد الذين كانوا ضمن كثيرين يعملون على تكريس هذا البعد الثقافي الطليعي لدار الشباب بوشنتوف.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية