المؤسسة الفنية باعتبارها سببا في انحطاط الفن العربي

حجم الخط
0

استعراضات ضالة ونقاد نائمونفاروق يوسف أليس من الاجحاف في حق المؤسسة الفنية (اية مؤسسة) أن نحملها جزءا من مسؤولية التردي الذي تعيشه الفنون (التشكيلية ــ البصرية) في انحاء عديدة من العالم العربي؟ قبل الاجابة على سؤال من هذا النوع، علينا أن نتوقف قليلا عند المعاني المتناقضة التي ينطوي عليها مفهوم التردي الذي أشرنا إليه باعتباره صفة عمومية جامعة. حين صار بينالي الشارقة يمتنع عن استقبال الأنواع الفنية التقليدية (الرسم والنحت) كان ذلك الامتناع يعبر عن وجهة نظر، مفادها ان تلك الانواع لم يعد في إمكانها أن تنتمي إلى عصرنا، وهي لذلك لا تعبر عن روح هذا العصر ولا تجسد حيويته التي صارت تتسلل بخفة وراحة من خلال الأنواع الفنية التي اعتمدتها تيارات ما بعد الحداثة، وهي (الانواع) في جلها مستلهمة من التطور التقني لوسائط الاتصال. وإذا ما كان تخلي بينالي القاهرة هو الآخر عن فني الرسم والنحت قد شكل ضربة قاصمة لحاضر المشهد الفني العربي، فإن التحاق عدد من القاعات الفنية بهذا النهج قد ضيق على الفنانين العرب بطريقة دفعت الكثيرين منهم إلى ركوب موجة التجهيز والإنشاء والتصوير الفوتوغرافي وصناعة افلام الفيديو والفن المفاهيمي.

في المقابل فإن متاحف الفن في الوطن العربي على قلتها لم تحرك ساكنا في مجال الدفاع عن وجودها المشتبك بتاريخ عميق هو مزيج من الخبرة الخيالية والممارسة التقنية، لا تزال الفنون (التقليدية) تستشرف مجاهيله وتنقب في اراضيه التي لا يزال جزء عظيم منها بكرا وغير مكتشف. لقد عكفت تلك المتاحف على لذائذ جمالية، صار الوقت يغمرها في النسيان شيئا فشيئا. كان الماضي يعيث فسادا بقاعات تلك المتاحف. ربما كانت مبادرة افتتاح متحف الفن العربي في الدوحة نهاية عام 2010 قد اعادت إلى صدورنا بعض الامل، وبالأخص من خلال العرض المبتكر لتجارب خمسة من كبار الفنانين العرب (ضياء العزاوي، ابراهيم الصلحي، حسن شريف، احمد نوار، فريد بلكاهية) الذين اختيروا من قبل ادارة المتحف لتكون تجاربهم منارات للوعي الجمالي العربي في مرحلة سابقة. ولو اكتفى المتحف بذلك العرض الثري بقابليته على تجديد النقاش حول ما جرى لفنوننا، لشكل ذلك عنصر تحد لنهج الحذف والاقصاء الذي مارسه الآخرون، غير أن ذلك لم يحدث، حيث جاءت المشورة الأجنبية لتصب الزيت (كما يقال) على حطب الإرث الفني. كان هناك جناح هائل الحجم أنفقت عليه مبالغ طائلة، مخصصا لعروض الفنون البصرية الجديدة. وكما رأيت فإن وجود ذلك الجناح قد غطى بابهته على الحدث الرئيس، وعلى المعرض الاستعادي والتكريمي للفنانين الخمسة. لم يكن التوازن ممكنا أو مقبولا. علينا إذاً أن لا نفكر بطريقة تقليدية. قبل ذلك كانت تظاهرات (آرت دبي وآرت أبو ظبي ومن بعدهما آرت بيروت) قد تمكنت من استقطاب الاهتمام الاعلامي. ولأن تلك التظاهرات لم تكن أحداثا ثقافية بعمق، فلم يكتب عنها أي معني بالوقائع التشكيلية. وهكذا مرت من غير نقد. كانت الشركات المكلفة بالدعاية لتلك التظاهرات حريصة على أن لا تدعو سوى الصحفيين، من غير المعنيين بالأسئلة التي يزخر بها الواقع التشكيلي في مواجهة المتغيرات، وهي أسئلة لابد أن تكون مزعجة لإدارات تلك التظاهرات التي هي في حقيقتها لم تكن سوى أسواق للإعمال الفنية، مثل فياك باريس تماما. الفرق بينها وبين (فياك) أن الأخير يهب الفرنسيين الحصة الأكبر في العرض. فيما يستعرض العرب فنانيهم في التظاهرات التي تحمل اسماء مدنهم بحياء فقير. من وجهة نظري فإن تلك الأسواق (معها طبعا المزادات الفنية الأوربية التي وجدت في دبي مستقرا لها) لن تفتح أمام الفن العربي بابا واحدا للرجاء. ذلك لأن أبوابها لا تفتح إلا من الجانب الآخر، الجانب الذي لا نراه والذي لا يقع في متناول أيدينا. مؤسسات تبدو عربية من الظاهر، غير أنها في حقيقتها لا تعرف ولا تريد أن تعرف أي شيء عن العرب في حاضرهم الثقافي. ماذا عن الجهات الممولة، وهي المكلفة بالحرص على أموال يفترض أنها عربية؟ أعتقد أن تلك الجهات وقد خدرها الاستعراض لن تعبأ بأي صوت نقدي مضاد. ولكن أين هو ذلك الصوت النقدي؟

تمر دورات آرت أبو ظبي وآرت دبي من غير أن يعلو صوت واحد في انتقاد مثالبها. آرت بيروت وحده ينال أحيانا انتقاد صوت خافت. الخطأ في المدينة لا فيه. ولكن ما الذي يدفع نقاد الفن إلى السكوت؟ هناك تجارة فاسدة تُستعرض على أنها نوع من الفضيلة. وتحت غبار تلك الحيوية الماكرة هناك تاريخ من الفن العربي يُدفن. يحضر العربي (إن حضر) مسعرَا في بلاده من قبل نخبة من الخبراء الأجانب. وهم خبراء لا يعرفون شيئا عن الفن العربي. أولئك الخبراء المستوردون لا يفرقون بين لوحات رافع الناصري وبين لوحات مقلديه. وقد تحصل لوحات المقلدين على أعجابهم. شيء من الضلالة ينشر سمومه بين حواسنا. في تلك التظاهرات ليس مهما أن تكون فنانا أصيلا ولكن المهم أن تبيع. كانت هناك أسطرة لخلافة النوع الفني. مَن يرث مَن؟

في باريس عرضت للبيع لوحتان من عبد القادر الرسام، وهو رائد الرسم المطلق في العراق، من خلال مزاد كريستيز. قيل أنه لم يتقدم أحد لشرائهما بالرغم من أن سعرهما كان متدنيا (24 ـــ 30 الف دولار) وهو سعر يبدو رمزيا قياسا بأهمية الرسام ومكانته في تاريخ الثقافة العراقية. في الوقت نفسه فقد قام المزاد نفسه ببيع لوحة لأحد الرسامين العراقيين المغمورين بمبلغ يقارب المليون دولار. لسنا على مشارف الكذبة، بل تخطيناها منذ زمن طويل. أليس كذلك؟ هناك فوضى. مَن المسؤول عنها؟

أعتقد أننا نسيء الفهم دائما. كان الفنان فردا دائما. وكان دائما لا يقبل الخضوع لشروط الجمع (القبيلة، المجتمع، الدولة). كان لديه ما يقوله تعبيرا عن خيلاء فرد لا يرى في التعبير الجمعي إلا نوعا من الثغاء القطيعي. ولأن كل شيء في العصر الحديث قد تغير (كما نفترض) لم يعد الفنان إبنا ضالا لـ(القبيلة، المجتمع، الدولة) تُتنظر عودته تائبا. هذه الذات العابرة لمأساة عوزها، المتأنية في الاستغاثة لن تجد عونا لها. لن تعثر على مَن يدافع عنها. ستكون منبوذة. كان عبد القادر الرسام غريبا في باريس. لا أحد يعرفه. سيضحك الرسام العراقي في قبره. كان غريبا أيضا يوم زار باريس في السنوات الأولى من القرن العشرين. أحلى ما في هذا الجد غربته. برجوازيو كريستيز لم يتعرفوا عليه. كان الرجل سعيدا بفقراء الصابونجية في بغداد.

لسنا محاطين بشياطين. اعتقد أننا مصابون بعقدة شيطنة الغرب.

النتائج كلها تؤكد أن المؤسسة الفنية العربية كانت دائما عدوة للفن العربي. لقد أفرغ متحف الدوحة من محتواه، حين صار مناسبة للإطلاع على تحارب فناني ما بعد الحداثة العرب. كان ذلك المتحف بكل ما احتواه من الروائع مشهدا جانبيا. هل كان الاستعراض نوعا من الخديعة؟ لقد ضللنا. ولكن مَن نحن؟

شخصيا كان املي كبيرا بمتحف الدوحة. ولكن ذلك الأمل تضاءل حين عرفت أن المتحف قد اقام في أول نشاطاته معرضا لفنان صيني. لمَ لم يكن ذلك العرض لفنان عربي؟ سيكون هذا السؤال صعبا بالنسبة لإدارة المتحف، ذلك لأنها لا تفهم ما المقصود بكلمة عربي. أعتقد أن المؤسسة الفنية العربية تنحط بالفن لأنها تستعمله ذريعة لوجودها الهش. صار الفنانون العرب هلاميين أكثر مما يجب. شاعر وناقد من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية