حسابات الربح والخسارة: قراءة في نتائج الجولة الاولى من الانتخابات الرئاسية المصرية

حجم الخط
0

د.

عمرو الصوراني بالرغم من احباط البعض من نتائج الجولة الاولى من الانتخابات المصرية الا ان قراءة متأنية بعض الشيء لنتائج هذه الانتخابات تشير وبوضوح الى ان هذا الاحباط لا يوجد له الكثير من المبررات. فبالنظر الى ما حصل عليه المرشحون محمد مرسي (25′) وحمدين صباحي (21′) وعبد المنعم ابو الفتوح (18′) ومرشحون اخرون مثل خالد علي ومحمد سليم العوا فإن هذا الأصوات تقترب من ثلثي الناخبين، اي ان غالبية واضحة جدا من ناخبي الشعب المصري قد صوتت لصالح قوى الثورة. فاذا ما أضيف الى ذلك نصف الأصوات التي ذهبت للمرشح عمرو موسى فان هذه النسبة ترتفع الى اكثر من 70′ وهي نسبة كافية للقول بان انتصارا كبيرا لقوى لثورة بشكل عام قد تحقق، وذلك بالرغم من تعدد المرشحين الممثلين لتلك القوى (وهو ما ادى بالتالي الى تفتت اصوات تلك الغالبية بين هؤلاء المرشحين). فيما يتعلق بتيارات الثورة وممثليها، فبالرغم من نجاح د. محمد مرسي في الوصول الى جولة الإعادة، فإن ما حصل عليه من نسبة لا يمثل انجازا كبيرا اذا ما تم الأخذ بعين الاعتبار القوة التنظيمية والمالية التي تدعمه. فالدكتور مرسي هو مرشح حزب الحرية والعدالة والذي يمثل الذراع السياسي لحركة الاخوان المسلمين، اكبر الحركات السياسية في مصر واكثرها قدرة على الحشد والتنظيم والتي تجلت في الحصول على حوالي (47′) في الانتخابات البرلمانية التي انطلقت في اواخر العام الماضي. وبالتالي فإن حصول مرشح الحركة على (25′) في الانتخابات الرئاسية يشير الى انخفاض حاد في شعبية الحركة خلال فترة زمنية بسيطة لا تزيد عن بضعة اشهر. صحيح ان بعضا من الأصوات التي كان من المفترض ان تذهب للدكتور مرسي ربما تكون قد ذهبت الى الدكتور عبد المنعم ابو الفتوح باعتباره مرشحا ذو اتجاهات إسلامية ولكن مجموع ما حصل عليه المرشحان مرسي وابوالفتوح مجتمعين هو (43′) وهذه النسبة تمثل بشكل اساسي الاخوان والسلفيين (من المعروف ان حزب النور السلفي اتخذ قرارا بدعم د. ابو الفتوح) وغيرهم من ناخبين ذوي اتجاهات ليست اسلامية بالدرجة الاولى (حيث يتمتع د. ابو الفتوح بشعبية جيدة بين هؤلاء). فإذا قورنت هذه النسبة (43′) بمجموع ما حصل عليه الاخوان والسلفيون في الانتخابات البرلمانية (72′) فان ذلك يعني ان تراجعا غير بسيط قد طرأ على شعبية التيار الاسلامي (بشقيه الاساسيين الاخواني والسلفي). لا بد هنا من الاعتراف بان هجوما إعلاميا غير مسبوق استهدف الاخوان بشكل خاص منذ تشكيل البرلمان الحالي وهناك الكثير من التساؤلات حول ما اذا كانت الفرصة الكافية قد اعطيت لهذا البرلمان قبل تقييم عمله. الا انه وفي ذات الوقت وفي مواجهة هذا الهجوم لم يستطع الاخوان إقناع جمهور كبير من الناخبين بأدائهم في الفترة الماضية ويبدو ان ما تم تناوله حول امور الاستئثار بالسلطة وتجييرها لخدمة مصالح الجماعة كانت اكثر أقناعا لدى قطاع لا بأس به. ان امور كهذه لم يتم تناولها من خلال الحركات المضادة والمتنافسة مع الاخوان بل تم تناولها أيضاً من قبل مفكرين إسلاميين ذوي تاريخ عريق في الامور القانونية والدستورية (راجع على سبيل المثال مقال المفكر الاسلامي المستشار طارق البشري ‘اخطاء الاخوان في مائة يوم من عمر المجلس الشعب’ والمنشور في في جريدة الشروق المصرية بتاريخ 10 مايو 2012). لعل الظاهرة الابرز التي اتضحت بعد ظهور النتائج كانت الصعود الواضح لتيار شعبي كبير يمثله المرشح حمدين صباحي ذو الاتجاهات القومية. فوسائل الاعلام واستطلاعات الرأي لم تكن تضع صباحي في المقدمة بل اظهرت المنافسة وكأنها محصورة بين د. مرسي ود. ابو الفتوح والسيد عمرو موسى. يمثل صباحي ذو الميول القومية العربية والاشتراكية التيار الناصري بشكل رئيسي وهو تيار شن عليه نظام الرئيسين السادات ومبارك هجوما دائماً طوال 40 عاما وان اختلفت حدة واشكال ذلك الهجوم طوال تلك الفترة. وليس خافيا على أحد ان التيارات الإسلامية كانت هي الاخرى دائمة الهجوم على حقبة عبد الناصر (وذلك مفهوم بالنظر الى تاريخ العلاقات والصراع بين الجانبين) بالرغم من اعتراف العديدين من قيادات الإسلاميين بالمنجزات الاقتصادية والصناعية والتعليمية لقيادة عبد الناصر وانحيازه للفقراء ولقضايا امته وعلى رأسها قضية فلسطين. ففي ظل هجوم متواصل كهذا وفي ظل غياب موارد مالية كتلك التي التي يتمتع بها مرشحون آخرون وبالنظر الى التعتيم الاعلامي المفروض منذ زمن طويل على الناصريين وقياداتهم يبدو ان ما حققه صباحي من نسبة تصويت لصالحه إنجازا كبيرا (وان لم تؤهله تلك النسبة لجولة الإعادة). ربما يكون الإنجاز الاكبر لصباحي هو قدرته على بلورة ذلك التيار الملتف حوله والبرهنة بالأرقام والنسب على حجم ذلك التيار وكذلك قدرته على كسر التعتيم الاعلامي المفروض عليه، اذ بات صباحي معروفا لدى قطاع كبير من الشعب المصري وهو ما يمهد له ولتياره ان يصبحوا احد اللاعبين الرئيسيين والأوائل على الساحة السياسية المصرية في المستقبل المنظور. لعل ذلك يفسر حرص صباحي وحذره الشديدين فيما يتعلق بالتحالف مع الاخوان المسلمين في جولة الاعادة. فمن المهم بالنسبة لصباحي الحفاظ على توازن دقيق يسمح له بالحفاظ على التيار الشعبي الناشئ والملتف حوله وتنميته دون ان يتهم من قبل مؤيديه لا بتكريس سلطة الاخوان المسلمين ولا بالتقاعس عن الوقوف الى جانب القوى الثورية الأخرى في التصويت لصالح د. مرسي والوقوف بوجه الفريق شفيق.

القوى الثورية في مصر لم تهزم ولكن تشتت اصواتها. والآن وبعد ان عرفت هذه القوى حجم التأييد لها مجتمعة ومتفرقة يبدو من المهم بالنسبة لها الاتحاد في جولة الاعادة وهو ما يستلزم اتخاذ خطوات جدية وعملية وسريعة لبناء وتعزيز الثقة من كل الأطراف إسلاميين كانوا او ناصريين او يساريين او ليبراليين. ربما يكون للدكتور عبد المنعم ابو الفتوح دورا محوريا في ذلك بحكم موقعه من جميع الاطراف فهو قيادي إخواني سابق ويتمتع باحترام واسع لدى الاسلاميين واللبراليين وهو كذلك مرتبط بعلاقات وثيقة مع صباحي ترقى الى مطالبة قطاعات واسعة من مؤيديهما بالتحالف فيما بينهما. ولعل تلك الخطوات لتعزيز وبناء الثقة تفضي في النهاية الى اتفاق يحمي الثورة ويرضي جماهيرها، اتفاق قوامه القناعة واليقين من كل الاطراف بالشراكة الحقيقية في الوطن التي لا اقصاء فيها لاحد ولا تكريس لسلطة احد. فهل تبخل قيادات القوى السياسية الثورية على شعب مصر الكريم بما يستحق؟ ‘ استاذ جامعي فلسطيني، جامعة ليفربول جون مورز، بريطانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية