انتقاد ممارسة عنفية

حجم الخط
0

علي البزاز

النقد صفة التجاوز عندما يبحث عن الجمال فقط أو الحقيقة وحدها في النص، فهو، يسيرهكذا وفق ثنائية تطرفية مرفوضة تقوده إلى صفة الرقيب أو المصلح. ينبغي على النقد أن يتجاوز النصوص، محقّقاً نصه الخاص، لأن النقد، كتابة تحتوي صفات الابداع، اسوة بالنصوص الشعرية والروائية، والنقاد، أولئك الكتاب المبدعون، الذين لهم نصوصهم الخاصة بهم، وان يشتغلوا على نصوص الآخرين.

الأسبقية غير ضرورية، بمعنى النص أولاً، والنقد المكتوب عنه ثانياً، الفضيلة للابداع، نصّاً أم نقداً. يقول دولوز: أعتقد أنه من غير المجدي لفكر ما أن يعلن عمّا أخذه وما وجده عند كتاب آخرين، بما أنه لا يجد عند هؤلاء إلا ما وضعه هو نفسه في نصوصهم. ينشغل النقد العربي خصوصاً بالبحث عن الصحيح أو الخطأ في النصوص، وكأنه مصباح ديوجين، فالصحيح مثلما الخطأ لا يوجد بتاتاً، إنما يظهر في علاقة مع مفاهيم أخرى، تتصل به مثل مفهوم الحداثة، الحقيقة، الهوية والآخر. مأساة القول ان الصحيح هو ذلك الذي يتجنب الخطأ، وان العدالة خالية من الظلم. وان نسلّم جزافاً بجدوى النظرة هذه، عندئذ لا بدّ من قياس حجم الصحيح في الخطأ والعكس صحيح. النقد غير المتطرف، ينقد الحقيقة والعدالة والجمال أيضاً، لأن هذه المفاهيم، معتقدات وهي خاضعة إلى التفكير في صحتها، بل أحيانأ إلى عدم اعتبارها المعيار. المعيار الثابت، هو الجاهل بالقياسات المتنوعة وهو المتطرف. إنه لأمر مؤسف، التضحية بمفهوم الانتقاد لجهة إعلاء الممارسة العنفيّة، التي توّجه ضد المعتقدات والنصوص، وضد الحياة الاجتماعية عموماً، وبالتالي، يتجه النقد نحو تشجيع ثقافة الإرتياب من الآخر، بمفاهيمه وطريقة حياته، فيصبح التشكيك بالمؤمن المسيحي والمسلم والعلماني من أهداف الانتقاد، أي تحريف مهام النقد؛ من ممارسة لا تقترح البديل الذي تؤمن به، إلى ممارسة تهدف الإلغاء والحجر. بمعنى النقد المتكبّر. يكتب أوليفييه آبيل في مقدمة كتاب الانتقاد والاعتقاد للفيلسوف بول ريكور، ترجمة حسن العمراني، ‘دار توبقال للنشر’: ‘ لماذا يتعين وضع روح الانتقاد في علاقة تصادم مع روح الاعتقاد؟

، لأن ثمة روحا انتقادية تقضي على كل اعتقاد، إنها ضرب من الشك المتقاعس، ونوع من الارتياب القَبلي، الذي يأتي على الأخضر واليابس. يحوز النقد صفة الإبداع، عندما يوظف آليات التفكير في مهمة كشف اللبس بما يحيط المعتقدات والنصوص المشتغَل عليها، من دون اقتراح بديهيات مغايرة، وإلاّ، فما الداعي اذن، إلى تقويض مسلّمات واحلال يقينيات مكانها. يقول نيتشه’ إن اليقينيات هي أعداء الحقيقة أكثر من الأكاذيب. يؤسس بول ريكور فلسفة الانتقاد، بإشراك معتقدات الآخر، ليس بوصفها ضدّاً يجب الإطاحة به، بل ضدّاً يجب الاحاطة به، وفق ما يسمى ثقافة قبول الآخر. نحن نحتاج المختلف عنا، يغني تصوراتنا. الذي يشبهنا ينقص حاجتنا إلى المعرفة، يسير بنا ضمن صفة الرتابة ومفهوم المساواة؛ تساوي النظرة أو المعتقد. إذاً، الاختلاف هو مروّج الزيادة، والتشابة مروّج النقصان. تجعل الممارسة التشاركية جميع الأطراف المتناقضة والمتصارعة تواجة ذات المصير، بما فيها المعتقدات والمجتمعات والدولة. المصير يعني العيش المشترك، وهو ذاته مصلحة دائمية تؤدي إلى القبول، طالما هناك منفعة ينهل الكل منها. يشتمل المصيرالواحد، على التشاركية، وإن بدا لغوياً فردياً، وهنا ينبغي تطوير اللغة كي تلتحق بالمفاهيم التشاركية الحديثة، وتكف عن غزونا بالتجريد. وهذه مهمة شاملة تحتاج إلى نظام كوني تناقشي وتداولي. تبدو هذه الفلسفة التشاركية سهلة تنظيرياً وممكنة تطبيقياً إلى حد ما، ولكن ما يقوضها، ويجعل بعض أطرافها يحوز الممارسة العنفية هو الدولة. يقول:’حينما يجري التوسل بالقوة لفرض قرار من قرارات العدالة. إننا نلتقي هنا بالعنف المُتَرَسِّب الذي كان موضع اهتمام ماكس فيبر عندما قال بأن ‘الدولة هي اللجوء إلى القوة الشرعية في نهاية المطاف’. منوّهاً بحيازة الرئيس كنيدي شفرة الصواريخ النووية خلال أزمة الصواريخ الشهيرة. هل يفهم من هذا بأن حضور الدولة في لحظة تاريخية معينة رديف للعنف؟. يعيدنا التساؤل إلى فحصح شرعية الدولة، فالرئيس كنيدي هو شرعي منتخب، لكن يجوز أن تكون قراراته عنفية، عندئذ تصبح غير شرعية بمفهومي البقاء والعيش المشترك. تبدو مسألة العنف والعيش المشترك شائكة، وتحتاج دوماً تطويراً واشتغالاً بحسب الظرفية التاريخية. أو نسير بالفكرة طوباوياً طاردين السياسي منها. لأن من يمتلك القرار يفكر في لحظة ما بغير مفهوم العيش المشترك، ألا يقودنا هذا الاستنتاج إلى التفكير بأن كل ذي سلطة سواء السياسية أو الثقافية هو مستبد ومتقبّل في لحظة ما الممارسة العنفية؟. والنقد على هذا النحو غير بريء من هذه التهمة. يُحقّق الفكر صفة السلمية بنبذ الثنائية التي تبدو مفارقة ظاهرياً؛ العقلاني واللاعقلاني، القباحة والجمال، الرفض والقبول، كما لا يجوز جعلها أساس الأحكام بسبب هذه الميزة، عندئذ تسود الثنائية التطرفية سلوك النقد، بل المفارقة، هي واحدة من قواعد كثيرة مساعِدة وفاعلة توّجه السلوك الثقافي أو السياسي. يصبح الفكر عظيماً، عندما يجعل التعاون بين المفاهيم آلية اشتغال، وصِفة ارتباط مع بعضها البعض، تخلو الثنائية من هذا. بمعنى أن الفكرة مهما كانت كبيرة، فهي ناقصة حالما تشتغل لوحدها، إنها تحتاج إلى بيئة أو كتلة تعمل فيها، تحتاج إلى مساعِدات توصيل، إلى حزمة مفاهيم كي تنجز عملها بعيداً عن صفة الاشتغال الفردي للفكرة. الأفكار والمفاهيم إذاً أرواح تشتغل في الأجساد وتعمل في الوسائط.

هذا ما ينقص الفكر العربي الراهن، هو هذه البيئة وهذه المساعِدات والتعاون المفاهيمي، لذا يبدو محض مُردّد ومحض مُريد. يشبه ارتباط الأفكار بالكتلة والمحيط مفهوم العيش المشترك، يتعلق الأمر بنقد النصوص أيضاً. تبدو الثنائية لغوياً مزدوجة، بيد أن اشتغالها فردي. ان فيلسوف بحجم بول ريكور يسعى في شرح مفاهيمه إلى الارتبط ببيئة مفاهيم أخرى، الارتباط بكتلة آخرى تشتغل معه ويشتغل بها، فهو يستنجد بفكرة حنّا أرندت، ليشرحا معاً مفهوم عنف الدولة: ‘أن السياسي يتمظهر على شكل بنيات متعامدة، ذات مستوى أفقي وآخر عمودي. فمن جهة، إذن، نجد الرابطة الأفقية التي تجسدها إرادة العيش المشترك.. أي ان السلطة لا تستقيم إلاّ بإرادة الناس ورغبتهم.. وفضلاً عن ذلك، هناك الجانب العمودي، التراتبي، الذي كان فيبر يفكر فيه، حينما أقحم مفهوم السياسي في الحقل الاجتماعي، عبر إقامته لتمييز عمودي بين الحاكمين والمحكومين؛ ولا يخفى، بالطبع، أنه يربط الاستعمال المشروع للعنف بهده العمودية’؟. هل يوجد بالتالي استعمال مشروع وغير مشروع للعنف؟ استعادة مقولة’ احتكار السلاح عند الدولة فقط’، ما يهمنا في هذه المقاربة، هو الحكومات العربية ونقدنا العربي. فيما يخص عنف الدولة المشروع، وهو غير مبرّر كلياً في الحالة العربية، بسبّب الشك البين في أحقية السلطة في الحكم، فالدولة عندنا، هي ممارسة عنفية واضحة لا محال، حتى من دون حيازتها السلاح أو الاحتكام اليه، أمّا فيما يخص النقد العربي فهو يشتغل في الغالب ضمن مفهوم تبعية المحكومين للحاكمين (سوف نتطرق إلى هذا لاحقاً في مقالٍ ثانٍ)، باعتبار النقد والنقاد العرب حاكميِن والنصوص محكومين، الحاكمية للنقد، لأنه نقد متكبر يؤمن بالعقل الغالب المتفضل، هذا ينطبق على جلّ التفكير العربي، عقل منّة بسبب من عظمة تاريخية تكاد تنفصل عن الراهنية وعن التعاون المفاهيمي.

يبدو بول ريكور مشغولاً في مفهوم العيش المشترك اجتماعياً، ينقد علمانية المجتمع الفرنسي، التي تحظر النقاب وبناء المساجد، غير متخوف من صعود نفوذ الجالية الإسلامية في فرنسا، معتبراً وجودها تنفيسا مجتمعيا من ضغط غلواء العلمانيّة، يقول: ‘حين يسمع إمام جامع أن قوانين الجمهورية، أعلى من قوانين الدين، فأنه يسمع شيئاً يقع خارج خارطته الادراكية’، مستعملاً هذه الصفة لجهة إمام الجامع، ثمة من يقول، لكننا لا نستطيع الاستغناء عن النقد الكتلوي الامتدادي كما أسلفنا، فنحن نحتك بالمعتقدات في كل شيء في حياتنا، والمعتقدات لا تعني الأفكار فحسب، إنّما الممارسات والأذواق، الاتجاهات الفكرية والفنية. مثلاً، تخضع الملابس والديكور والمعمار في النهاية إلى المعتقدات.

للحديقة الإسلامية مواصفات معمارية، تبدأ من السور مروراً بنافورة الماء حتى جدران المنزل، وهي تختلف في طرازها المعماري، المستمد من الفلسفة الإسلامية، عن بناء الحدائق الأوربية المسيحيّة، وهكذا، يُنظر في الغالب إلى الحجاب، على أنّه مظهر تدّيني، قادم من دينية عقائدية، لا طريقة محض اختيار ملابس. فلماذا لا يفهم أمام الجامع ذاك، ان الدولة للجميع، مفكراً فيها بهيئة الجميع وبأسلوب المشاركة، لا بعقائدية دينية؟. وعليه، ثمة مجاملة وثناء ونفي للتشاركية عندما يتبنى بول ريكور حالة إمام الجامع تلك. لأن إمام الجامع ينبغي الا يظل أسير التصور الإسلامي وحده، وهو يعيش في فرنسا في خليط من الثقافات، في حرية تداول الرأي ومفهوم المواطنة الذي يسبق مفهوم الدين، وكأنه يريد أن يُصوّر إمام الجامع مسلماً أولاً ثم فرنسياً، في تغليب المعتقد الذي هو شخصي وتشاركي ضمن مجموعة دينية معينة على مفهوم المواطنة الشامل الجامع. وثمة تحجيم خفيّ في مقولته للتصوّرالإسلامي في استيعاب مفهوم دولة الجميع، الحديثة المدنية. والأنكى استعماله عبارة’ خارج خارطته الادراكية’، وكأن إمام الجامع الذي يعيش في فرنسا، أو ربما مولود فيها، بقي عاجزاً ومتقوقعاً على تصوراته الإسلامية، مستمراً في ومستثمراً محدودية وعيه. وهكذا، يقع بول ريكور في تحذيرات تلميذه وشارح أفكاره، الفيلسوف الفرنسي أوليفييه آبيل الذي يقول: ‘يجري تحويل الاعتقادات وتسفيهها أو جعلها مخجلة. وهكذا ما أن يتم الحديث عن مفكر مسلم أو مسيحي حتى يتم الانتقاص من شأنه والتشكيك في قدراته بصورة قبْلية. فهو بحسب هؤلاء لا يمكن أن يكون موضوعياً، ولا متسامحاً ولا علمانياً ولا نقدياً، ولا حتى متمتّعاً بالكفاءة الضرورية. إنه متورط وفق هذا المنطق، بارتباطات مشبوهة في زمن لا يعرف الإّ التحرر والانعتاق’. تكمن الخطورة إذن في التعصّب، مثلاً، في تعصب الإعلان عن الحجاب الإسلامي رديف الحشمة، أو المعتقد قرين الصلاح ثم الأصلح، تماماً مثلما يكون التعصب للانتقاد، كمقوّض للطرف الآخر. وبما أن المعتقدات تنوجد في عالمنا في كل شيء ‘إذ يمكن أن ينظر إلى الدين إلى كلّ فكروية أخرى، بوصفها اعتقادات من الزاوية التحليليّة النفسية ومن حيث وظائفهما الاجتماعية، لذا يجب عدم جعل الانتقاد يصدر عن روح تحطيمية، عندها سوف يقع المحظور الذي يخاف حدوثه بول ريكور.. في الكتاب ثمة مقاربة تشاركية مهمة للإبداع، عن طريق الكتلة أو البيئة، (ما أحوجنا اليها في أدبنا)، التي تعني القارئ في حالة الكتاب، والمستمع في حالة الموسيقى والناظر في حالة اللوحة، هذا الوسيط هو ظاهرة الإبداع وإن بدا شخصية فردية، كما ينطلق الكوني من الفرادة الشخصية. أي التأكيد على الوسيط أو المستهلك الذي تزدريه ثقافتنا، بينما هو المأوى المتعدّد للنص، والمبدع مأوى واحد لنصه: ‘إن الذهاب إلى أقصى حدّ في مطلب الفرادة والخصوصية، معناه إعطاء الحظ الأكبر للكونية الكبرى: هذه هي المفارقة التي يتعين علينا التشبث بها على الأرجح’. كتاب ‘الانتقاد والاعتقاد’ الحائز جائزة ‘الأطلس الكبير’ للترجمة، عبارة عن مقابلات مع الفيلسوف الفرنسي بول ريكور تشتمل الأبواب التالية: السياسية والنزعة الكليانية، واجب الذاكرة، واجب العدالة. التربية والعلمانية، قراءات وتأملات توراتية، التجربة الاستطيقية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية