نهاية طريق الضابط الرابع

حجم الخط
0

يوسي بيلين

كان الأول هو اللواء محمد نجيب وجاء بعده العقيد عبد الناصر، وبعده أنور السادات وبعد القتل حانت نوبة قائد سلاح الجو السابق، محمد حسني مبارك. فهو لم يوجِد الحكم العسكري في أهم دولة عربية بل كانت ثورة ‘الضباط الأحرار’ هي التي عزلت الملك فاروق وأنهت حكما ملكيا شبه دستوري، مع مجلس نواب شبه ديمقراطي وضعف كبير.

وقد حكم مصر سنين أكثر من كل أسلافه معا، وأبقى طريقة الحكم على حالها لفترة انتقالية فبقيت صلاحيات ضخمة للرئيس، وغربلة لمرشحي المنصب، ومجلس شعب دُمى، وشرطة سرية وجيش أعاد كرامته لنفسه في 1973. فهو لم يوجِد الطريقة لكنه هو الذي دفع ثمن الابقاء عليها.

أتذكر أول لقاء لي معه حينما كان نائب السادات المخلص. وقد حدثنا عن السنين التي قضاها في روسيا طيارا شابا درس أسرار طائرة ‘ميغ’. وهو لم يعرفنا لكنه لم يطلب الحفاظ على السرية. فقد كان دائما يتحدث بانفتاح من يستخرج اللُب في مساء السبت أمام التلفاز. وكانت الاحاديث معه بلا آداب المراسم ألبتة. وكان أكثر من مرة يضرب رِجل مُحدثه ضربا خفيفا فيما يشبه المعاملة الودية، وكان يصف تجارب مر بها مثل ولد متأثر عاد من مشاهدة فيلم لكن في تنبه كبير.

وكذلك اعتاد ان يُحدثنا عن حلول سياسية ايضا، فكان يقول: ‘ما هي مشكلتكم؟ ألا تفهمون كم من المهم انهاء القضية مع الفلسطينيين؟ هل تريدون حقا تأبيد هذه المشكلة من اجل بضعة مستوطنين يُمسكونكم من مكان حساس؟ إجلسوا الى هؤلاء الحمير الفلسطينيين، وأنهوا الأمر’. لكن كان هناك ايضا واقع من جهل وفقر وفروق مخيفة وفساد وطمع وسنين كثيرة جدا في الحكم، ولم يعد مبارك قادرا على التجديد ولا على ان يُجدي شيئا ولم يعد يتبجح بفعل شيء سوى انشاء ذرية تخصه تحكم بعده.

كان حسني مبارك يستطيع ان يكون أول ضابط ينقل السلطة الى أيدٍ مدنية، ويُمكّن من انتخابات ديمقراطية، ويفضي الى اعداد دستور ديمقراطي. وقد تجرأت مرة واحدة فقط على ان اسأله عن هذه الامكانية فأجاب من غير ان يبتسم: ‘ستكونون الأولين الذين يُضر بهم ذلك’. وكان مبارك متدخلا في الاعلام المحلي ورأى ان قناة ‘الجزيرة’ هي عدوه الأكبر، وكان على حق في ذلك آخر الامر لأنه لم يفهم الرسالة وهي ان العالم تغير وان الجدران شفافة وانه لا يمكن سلوك نفس الطريقة عشرات السنين. وكان يجب عليه ان يفهم انه يوجد حد للقدرة على الحكم بالتخويف.

انتهت قضية مبارك. وشعر من لم يكن يراه مثالا يُحتذى بعدم الارتياح لرؤيته الرجل الذي قيد فوق سرير الى قفص الاتهام. ان الدولة العربية الكبرى تستحق زعيما يقضي على تخلفها الفظيع وينقلها الى القرن الواحد والعشرين بعد ان بدأ بـ 12 سنة. فهل سيكون الزعيم الذي سينتخب في الايام القريبة هو الذي سيغير وجه ارض النيل أم يحقق التهديدات التي حذرنا مبارك منها؟

اسرائيل اليوم 8/6/2012

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية