عزت القمحاوي الإصرار، ليس عنوانًا لمليونية الأمس فحسب، بل عنوان مرحلة مصرية جاوزت العشر سنوات عاشها شعب حي، يصر على النصر، بعد أن أقام في الخامس والعشرين من يناير 2011 حفل افتتاح الطريق إلى مستقبل لم يبدأ. لم ترتبط الثورة المصرية بكلمة قدر ارتباطها بكلمة ‘الإبهار’. ثورة أبهرت العالم بحق وكانت ملهمة، لا للثورات العربية فحسب، بل لكل انتفاضات الاحتجاج الغربي من اليونان إلى أمريكا. ثوار لا تحكمهم مشاعر الانتقام، ينظفون الميادين ويعيدون طلاء جدران الكباري على النيل. هذا بالفعل سلوك غير معتاد في تاريخ الاحتجاج وصورة لم يعرفها العالم من قبل لضحايا لا يشتاقون إلى ممارسة دور الجلاد.
لكن الانبهار ـ لشديد الأسف ـ حالة عاطفية تعيق التفكير والتأمل العقلاني. وهذه مصيبة تتسبب في رفع أثمان الحرية في مصر نفسها وفيما تلاها من ثورات اتخذت مسارًا مؤلمًا، كما تعيق فرص التغيير في بقية البلدان التي لا تقل سلطاتها فسادًا عن نظام مبارك أو مافيا الأسد. كل ما فهمه المستعمرون المحليون من الثورة المصرية أن مجدهم سيزول وسيفقدون هيبتهم؛ حتى لو دخلوا قفص اتهام وهمي كقفص مبارك. وكل ما فهمه طغاة الرأسمالية العالمية من ثورة مصر هو ضرورة ألا تنجح ثورة أخرى، وأن يطول تشوف الشعوب، حتى لا تدخل المستقبل سليمة ومتسامحة ومبهرة. لا تريد الطبقة النهابة في الغرب عربًا متسامحين، ولا تحتاج عربًا مبهرين ينظفون حتى ميادين غضبهم. مع من إذن ستعقد صفقات السلاح والسلع إذا توقف العرب عن الاستعداد للحرب واتجهوا إلى الإنتاج؟ وأي عدو جديد ستختلقه لتخيف به شعوبها؟!
بدلاً من فهم طبيعة التغيير الذي طال الأجيال الجديدة من العرب وبدلاً من التسليم باستحالة إعادة الزمن إلى الوراء، تصرف الطغاة بالحسد الذي تبقى في صدورهم من صدمة الانبهار الأولى. ومن دون فطنة يحاولون ركوب آلة الزمن للعودة بالعالم إلى الماضي.
ما يجري في سورية لا يختلف عما يجري في مصر، وجوهره الأساسي دفع أكبر عدد ممكن من العرب إلى الكفر بالسلمية والتسامح. الفارق الوحيد بين ما تمارسه انكشارية الأسد وما يمارسه عسكر مصر هو في طبيعة الألعاب وحصصها لدى عصابة الحكم هنا وهناك. العصابة السورية تلعب بالنار أكثر، والمصرية تلعب بالبيضة والحجر، من دون أن تستغني العصابة عن الانتقال بين اللعبتين كالواقف في الشمس يُنقِل وزنه بين ساقيه. بين مجزرة ومجزرة لا تستغني عصابة سورية عن اللعب بالبيضة والحجر عبر انتخابات هزلية أو عبر إنشاء صفيق في كلمة مندوبهم بالأمم المتحدة، مدعومة بفرص التحقيق والتحري التي يتيحها لهم ما يسمى بالمجتمع الدولي. ومثل العصابة السورية لا يستغني عسكر مصر عن مجزرة صغيرة هنا أو هناك في لحظات الاستراحة بين نمرة وأخرى في السيرك السياسي الذي يلعبون على أحباله باقتدار يغذي غرورهم. على مهل ارتكبوا بحق الإنسانية في عام ونصف بقدر ما ارتكب مبارك في الثلاثين عامًا، وأما عن السيرك السياسي فقد وضعوا من خلاله الثورة المسالمة المبهرة أمام الخيارين الوحيدين اللذين كانا مطروحين في ظل وجود مبارك: النظام والإخوان!
وليس أمام الثورة السلمية إلا أن تصر وتصر، وتخلق خيارها الثالث الذي لم تجد حتى هذه الجمعة من يحمله. وإذا لم تجد في وقت قريب، فسوف تجد الثورة نفسها مضطرة إلى خلع نياشين الإبهار والتخلي عن السلمية وممارسة العنف قصاصًا لشهداء تصر المحاكم على أنهم ماتوا برصاص الأشباح. سيكف المصريون عن طلاء أفاريز الكباري، لأن الصدأ يأكل الطلاء الجديد، مثلما كف السوريون عن الدبك والغناء لأن دفن الشهداء لا يترك وقتًا للرقص.
وقد يُغبط السوريون واليمنيون المصريين على الموت الأقل، لكن المسرح يُعد منذ عام ونصف لموت أكثر. ولم يفهم المخرجون المحليون والدوليون شيئًا أبعد بعد الإبهار الذي عماهم عن إدراك حقيقة التغيير الذي سيجلبه الزمن في العالم كله، وليست الثورات العربية إلا لحظة البدء فيه.
مصر التي يحاول الحواة إبقاءها في الوضع الذي ثارت عليه خرجت أمس ليس فقط لاستبعاد مرشح العسكر من سباق الرئاسة، بل لكف يد العسكر عن الالتفاف وتبديد الوقت والإمكانيات في ترتيبات فاشلة وعارية عن الشرعية. لم تساعدهم خفة اليد وتلاحق الإجراءات على ستر شيء من عريهم وحقيقة اغتيالهم للثورة. تهتف الألسن في التحرير بسقوط السيرك وبهلواناته، بعد أن سبقها العسكر بالتحضير لنمرة جديدة، حيث نشروا الأخبار عن موعد فصل المحكمة الدستورية في شرعية مجلس الشعب بأغلبيته الإخوانية، وفي ذات اليوم في شرعية وجود مرشح النظام في السباق الرئاسي.
وهذا يعني ببساطة: إذا حكمت المحكمة بدستورية قانون العزل السياسي وأخرجت مرشح العسكر من الباب فسوف يعود للقفز من شباك عدم شرعية المجلس الإخواني الذي أصدر القانون!
في هذه النمرة يؤكد العسكر مجددًا أنهم لا يزالون عاجزين عن رؤية الجديد، ولا يخاطبون إلا الإخوان؛ القديم الذي يعرفونه ويقولون للجماعة: نحن توأم سيامي لا يقبل الفصل، إما أن نعيش أو نموت معًا. هكذا لا يمكن لمنصف إلا أن يشهد بأن الثورة المضادة تمكنت من إبهار الثورة المصرية، لتصبح النتيجة تعادلاً: إبهار في مواجهة إبهار. وتبقى الثورة بحاجة إلى استعداد جيد لكسب مباراة العودة.