الرباط – «القدس العربي»:اختتم يوم الاثنين الماضي، المؤتمر التاسع لحزب التقدم والاشتراكية، الذي عقد تحت شعار «مغرب المؤسسات والعدالة الاجتماعية» واعتبر محطة هامة، ليس في تاريخ هذا الحزب الشيوعي المغربي سابقا، بل في المشهد الحزبي المغربي عموما، لان القضايا التي أثيرت لم تكن تهم هذا الحزب المشارك بـ (5 حقائب وزارية) في حكومة يقودها حزب ذو مرجعية اسلامية، بل تهم الفعل السياسي المغربي الذي يعرف تحولات مثيرة للجدل.
المؤتمر الذي أنتخب لجنته المركزية وأعاد انتخاب نبيل بن عبد الله أمينا عاما بأغلبية ساحقة ( 861 من اصل 885 صوتا)، كاد ان يتفجر، بعد ان احتد النقاش حول تدبير شؤون الحزب وهويته وأساسا مشاركته بالحكومة التي يقودها حزب العدالة والتنمية، واذا كانت الوثائق المقدمة للمؤتمر، وخاصة الوثيقة السياسية، قد تمت المصادقة عليها بشبه اجماع، فان تعدد الترشيحات لمنصب الأمين العام (6 مرشحين قبل ان ينسحبوا ويخوض بن عبد الله الانتخابات وحيدا) ولعضوية اللجنة المركزية (1600 مرشح من بين 2100 مؤتمر) لم تكن تعبر عن توجهات سياسية او فكرية، بقدر ما كانت تعبيرا عن طموحات شخصية، تكاد تكون فيروسا أصاب الأحزاب المغربية.
«القدس العربي» التقت نبيل بن عبد الله الأمين العام للحزب وهو وزير سابق للإتصال (2002 الى 2007) ويتولى منذ 2012 حقيبة السكنى وحاورته حول المؤتمر وما يشهده الفضاء السياسي المغربي.
نبيل بن عبد الله قال لـ «القدس العربي» ان الشروط التحضيرية العامة كانت متوفرة سياسيا ومرجعيا من حيث الوثيقة التي اعتمدت بالإجماع وان بقي من يستمر في التعبير عن بعض التباينات، لكن الأساس أن هناك تأكيدا على المسار العام الذي أخذه حزب التقدم والاشتراكية، خاصة بين المؤتمرين- الثامن 2010 والتاسع 2014- وهذا تأكيد على مواصلة هذا النهج، بما يستتبع ذلك من تأكيد على: الهوية اليسارية والتقدمية والحداثية للحزب وعلى استمرار انفتاحه على باقي مكونات اليسار والحركة الديمقراطية والوطنية المغربية، بما لا يتنافى مع وجوده اليوم مع حزب العدالة والتنمية (ذات المرجعية الاسلامية) في تجربة حكومية.
واوضح بن عبد الله ان الهدف الأساسي الذي وضعه المؤتمر نصب عينيه هو الخروج من هذه المحطة بحزب أقوى، ارتباطا بما أضحى يشكله في المشهد السياسي المغربي. أي، حزب له نفوذ سياسي كبير. ربما أن هذا النفوذ السياسي أكبر من حجمه العددي، ومن إمكانياته التنظيمية الحالية. ومن المحقق، أو من القضايا الكبرى التي يتعين أن نعالجها في هذا المؤتمر، هي بالضبط: كيف يمكن أن نرفع من أدائنا التنظيمي؟ لنكون في مستوى إشعاعنا السياسي.
○ النزعات في حزبكم، فيها بعض سمات بدأت تتسم به الحركة الحزبية المغربية من «انحدار» على مستوى تدبير الخلاف، والتعبير عنه وانتقل حتى إلى الشأن العام؟
• فعلا، وأنا لا أريد أن أدخل في تفاصيل ما يروج له هنا وهناك. فإذا كان الخلاف السياسي مشروعا، والتعبير عنه مكفولا. ففي نفس الوقت، خاصة في صفوف حزب التقدم والاشتراكية، هناك أخلاق يتعين على الجميع أن يتقيد بها. لذلك اشاعوا أكاذيب في أوساط معينة، حاولت استمالة بعض الأصوات واعتقد ان هذا مؤسف لأنه فعلا يجرنا إلى ما نحياه في عدد من الأوساط السياسية، وفي الساحة السياسية عموما. وهناك تساؤلات كبيرة حول: إلى أين سنسير، إذا استمرت الأمور على هذا الشكل؟
وأكيد، جزئيا، أعتقد ذلك. لكن في نفس الوقت، من المغالطات الكبيرة التي تقدم، أن هناك مشاكل بين قيادة حزب التقدم والاشتراكية وبين المؤسسات المغربية. وأريد أن أؤكد لكم بأن هذا كلام فارغ، والدليل على ذلك أننا نوجد، وأوجد شخصيا، في تجربة حكومية من موقع وزاري. وأمارس هذه المسؤولية في إطار التعاون والاحترام المطلق مع المؤسسات. ولو كان الأمر مخالفا، لظهر ذلك جليا، ولتم اتخاذ المبادرات على هذا المستوى.
ومن المؤسف أن في الحزب، الذي ينهل من قيم الاشتراكية، وفي الفضاء السياسي، أشخاص يعبرون أو ينطلقون من خلافات مع ما أخذته من مبادرات مدعوما في ذلك من قبل القيادة الحزبية. أكيد أن هذا الأمر موجود وهناك من يتمنى ألا تستمر هذه التجربة على شكلها الحالي. لكن، والحمد لله، لحد الآن لم نلاحظ أي تدخل بشكل مكشوف في شؤوننا الداخلية. وإذا ظهر ذلك، سأكون الأول الذي يفضح هذا الأمر.
○ لكن هناك كلاما كثيرا عن تدخلات في شؤون أحزاب أخرى؟
• لذلك نظل حذرين، وباستثناء كلام فارغ يروج أو تروجه بعض الأوساط هنا وهناك وتتبجح به بعض العناصر، باستثناء ذلك ليس هناك أي تدخل في شؤون الحزب يذكر. علما بأنه في أحزاب أخرى، ظهرت هذه الأمور في آخر لحظة.
في المغرب، في إطار الإصلاحات التي قادها الملك محمد السادس، والتي ساهمت فيها القوى الوطنية والديمقراطية بلغ من الرشد والاستقرار والنضج مستوى كاف لتمارس جميع المؤسسات صلاحياتها في إطار من الجدية والشفافية والاستقلالية.
عندما أتكلم عن المؤسسات، وكما يقر بذلك الدستور، اقصد الأحزاب ايضا. فمصداقية الأحزاب في استقلاليتها، علما بأن هذه الاستقلالية مرتبطة بالانخراط العام في المؤسسات، وبالعمل في إطار الدستور وقواعده، انطلاقا من ذلك، وبالنظر إلى أننا نوجد في إطار منظومة حزبية تجاوزت كل التساؤلات الوجودية حول طبيعة المؤسسات، وطبيعة النظام، وغير ذلك. واعتبارا أن الكل منخرط في إطار هرم مؤسساتي، توجد على رأسه المؤسسة الملكية وتمارس باقي المؤسسات صلاحيتها طبقا للدستور، اعتبارا من كل ذلك: ما الفائدة في محاولة التأثير، إلى درجة السيطرة على قرار الأحزاب السياسية؟ اللهم إذا كانت هناك رغبة في إفقاد كل هذه الهيئات السياسية لكل مصداقية، وبالتالي فتح الباب أمام المغامرة وعدم قدرة أي كان على تأطير الشارع. لأن تأطير الشارع، خاصة في ظل تحرير الكلمة، يتطلب هيئات لها قدر كبير من المصداقية. وإذا قدمنا الصورة التي يرى فيها أي مغربي بأن جميع الفاعلين في الحقل السياسي مسيرون، تملى عليهم القرارات من قبل جهات معينة. وعندما أقول جهات، سأكون واضحا على هذا المستوى، ليس هناك أي نزعة في هذا الاتجاه من قبل المؤسسة الملكية. ومارست السياسة منذ سنوات، ولا أرى ذلك على أي مستوى. لكن هناك بعض الأوساط الأخرى التي تغالط، والتي تستمر في نزعتها نحو الهيمنة. وتسعى، بشكل ما، إلى أن تتدخل في شؤون الأحزاب.
○ لكن هذه الأوساط ترتبط بالمؤسسة الملكية؟
• أبدا، ما لاحظناه في 2007 إلى 2010 نددنا به، وكنا أول قوة سياسية بالرغم من وجودنا في الحكومة وقلنا لا. وكنت من الذين سهروا على هذا التوجه، إلى جانب آنذاك الرفيق إسماعيل العلوي كأمين عام سابق للحزب. لكن منذ 2011، هذا الأمر، مظهريا على الأقل، خف. وإن كنا لاحظنا بعض الأمور التي وقعت في أحزاب سياسية وازنة في المغرب، لكن من الصعب التدخل وأن أدلي بحكم في ما يتعلق بهذه الأحزاب، لذلك أحتفظ برأيي على هذا المستوى، بما لا يعني أن نفقد من مستوى حذرنا وترقبنا لما يمكن حدوثه.
○هذا الذي جرى في الأحزاب هل لعب دورا في انحدار مستوى الخطاب السياسي؟
• هناك مسؤوليات متعددة، كثيرا ما أقول للأخ عبد الإله بن كيران (رئيس الحكومة) «المسؤولية الأولى تعود لك يا أخي حتى لا تسقط في مثل هذه المتاهات». أتفهم أنه يتعرض لانتقادات لاذعة، واحيانا لهجمات شرسة، وإلى تجاوزات كلامية غير مقبولة. لكن أقول له دائما، رغم ذلك، يتعين أن تكون مسؤولا عنك وعن الجميع.
في المقابل، يتعين الإقرار بأنه من غير المقبول أن نرى ما نراه، وأن نستمع إلى ما نستمع إليه من جدل عقيم، من سباب ومن شتم وكلام غريب تماما عن الثقافة السياسية المغربية. عشنا فترات حالكة، عشنا في ظل الاعتقالات والسجون، والاغتراب بالنسبة لبعض الزعماء، فترات نسبيا أحسن من الانفتاح أو المسلسل الديمقراطي. البرلمان تميز بحضور مقبول للمعارضة آنذاك، أمام حشد هائل من الأحزاب المسخرة لأغراض معينة. لكن دائما كان الخطاب السياسي رغم حدته يقف عند مستوى الحفاظ على الأخلاق، وعلى الحد الأدنى من اللياقة واليوم يمكن القول بأنه تجاوز الحدود.
الأمر يقلقني كثيرا، وتلاحظون أنني أسعى أقصى ما يمكن إلى ان لا أساهم في ذلك. عندما كنت في وضعية التدخل للوساطة داخل الحكومة في تجربتها الأولى، ووجهت بكلام ساقط، وقررت آنذاك أن انسحب من هذا الدور حتى لا أدخل مع أي كان في مستوى أعتقد صراحة أنه حقيقة هزيل. ويتعين أن نعمل جميعا على إيجاد الصيغ للرفع من قيمة الخطاب السياسي، وهو الشيء نفسه الذي أسعى إلى أن أحافظ عليه داخل حزبنا. لأنه، مع الأسف، هناك بعض الانزلاقات على هذا المستوى، خاصة في ممارسات هامشية خلف الستار. لكن يتعين أن نكون حذرين حتى لا تتسلل إلى صفوف الحزب.
○ ماذا عن حزب التقدم والاشتراكية وسؤال اليسار في المغرب؟
• سؤال عريض لأنه بالطبع كان بودنا، وبذلنا مجهودات جسام على هذا المستوى، بعد كل ما عرفه المغرب من تطورات، خاصة في 2011 وبعد اعتماد الدستور الجديد، وثم إفراز الانتخابات المرتبة الأولى بالنسبة للعدالة والتنمية. دافعنا عن «الكتلة التاريخية» وقلنا علينا أن نواصل، خاصة والمغرب يعرف هذا التطور الهائل مقارنة مع بلدان أخرى، اي أن نكون مع العدالة والتنمية، مع تأكيد شروط المشاركة وأن نكون بكامل قوانا ككتلة ديمقراطية (حزب الاستقلال، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب التقدم والاشتراكية).
مع الأسف قبل ذلك بقليل، كان هناك من يروج لمقولة: «انتهت الكتلة»، «ماتت الكتلة»، وغير ذلك من الأمور. ورغم كل المحاولات التي قمنا بها لم نتمكن من إقناع كل الفرقاء، وأساسا الاتحاد الاشتراكي، بالمشاركة في هذه الحكومة، اختلفنا في ذلك. لكن بالنسبة لنا، ولو بعد خروج حزب الاستقلال من هذه الحكومة، يتعين أن نحفظ المستقبل، أن نؤكد ذلك.
على أي حال سبق لنا أن اختلفنا مع حلفائنا، سواء في الصف الوطني الديمقراطي- أي الكتلة- أو في اليسار- أساسا الاتحاد الاشتراكي- وخير مثال على ذلك ما حدث في 1993-1994. لما كان موقفنا نحن هو أن نلبي نداء الحسن الثاني رحمه الله، آنذاك، بالمشاركة في الحكومة. وكان موقف الاستقلال والاتحاد آنذاك رافضا لهذا الطرح، بعد سنة أو سنتين التقينا من جديد، فأتمنى أن نلتقي من جديد.
هناك انتخابات محلية سنة 2015 ، ثم مرتبطة بمجلس الشيوخ، ثم 2016 هناك الانتخابات العامة التشريعية، التي ستفرز أغلبية. وبالتالي علينا أن نحفظ، هذا ما نقوم به. وستلاحظون أنه، رغم بعض الخلافات، رغم بعض المعاكسات التي نراها هنا وهناك، نسعى دائما إلى أن لا ندخل في أي صراع عقيم. سواء مع إخواننا في الاستقلال أو، خاصة، مع إخواننا في الاتحاد الاشتراكي.
○هذه أمنية لكن ماذا على صعيد الواقع، هل ما زالت الكتلة ممكنة؟
• هذا الأمر ممكن. ربما لا تظهر اليوم الشروط المساعدة إلى ذلك، لكن المستقبل كشاف. وعلينا أن نحافظ على الأبواب المفتوحة على هذا المستوى. وأقول اليسار، أساسا بالنسبة لإخواننا في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. بالطبع هناك فصائل أخرى في اليسار، لها ما لها من وزن، نحترمها كثيرا. لكن هناك ربما تباينا كبيرا في التقدير بالنسبة للموقف من المؤسسات، وهذا اختلاف جوهري في مقاربتنا. لكن مع ذلك، نعتبر أن هذه الفصائل تقدمت كثيرا، بعضها لم يكن يريد حتى المساهمة في الانتخابات، اليوم يقرون بضرورة المساهمة والحضور في المؤسسات، وهذا تقدم.
نتمنى أن نصل في القريب العاجل إلى لحظة تمكننا حقيقة من إفراز قوة يسارية كبيرة في المغرب، وكان ذلك دائما حلمنا في حزبنا وكنا القوة السياسية التي أدخلت فكرة اليسار إلى المغرب بداية، وبعده الاشتراكية. وبعد ذلك، القوة التي كانت دائما تنادي إلى وحدة الصف التقدمي، وكذلك الشأن بالنسبة للصف الوطني الديمقراطي، نحتفظ بهذا الموقف.
○وماذا عن حزب العدالة والتنمية؟
•وما بالكم إذا استطعنا أن نجر هذا الحزب، ليس فقط إلى العمل داخل المؤسسات كما هو الشأن اليوم من موقع المسؤولية، لكن إلى اعتناق بعض التصورات العامة المرتبطة بالمنطلقات التي كانت دائما بالنسبة لنا منطلقات اجتماعية وعدالة اجتماعية، محاربة فساد ورشوة، إصلاحات اقتصادية. يبقى أن نجد صيغا متقاربة على المستوى القيمي، على مستوى طبيعة المجتمع، على الحريات الفردية والجماعية، على مستوى المساواة بين الرجل والمرأة. وتجربتنا اليوم معهم في الحكومة تدل على أن هذا أمر ممكن، وهو ما يفسر استمرارنا في هذه التجربة. قد تكون هناك آراء مخالفة، أعلم ذلك، لكن سيظهر المستقبل من كان على صواب ومن كان على خطأ.
محمود معروف