في مجتمعاتنا الشرقية نجد القليل حاليا من الذين يربون أطفالهم تربية يمكن ان نسميها بتربية مميزة، وإذا جئنا لنعرّف التربية المميزة يمكن إجمالها بكلمات بسيطة مثل الإيجابية، التحليل، القدرة على اتخاذ القرارات، الكرم، التواصل البناء مع الناس، حب المعرفة، التسامح والمحبة. وان كانت هذه الكلمات تبدو كبيرة على الأهل لحقنها في عقول وقلوب أطفالهم من الصغر بحجة أن ‘الولد ما زال صغيرا على هذا’، فهذا مرجعه أن المجتمع ‘الشرقي’ لم يزرع اصلاً في اعضائه ( ومن بينهم الأهل) هذه المبادئ ما أدى إلى وصول مجتمعاتنا حالة الانحطاط التي نعاني منها، فكيف للأهل أن يربوا أولادهم على هذه المبادئ، وفاقد الشئ -كما قالت العرب- لا يعطيه.
و عندما تسأل الأهل عن اسباب سعيهم للحصول على اطفال، تجد معظم الإجابات تنحصر في ‘حتى لا ينقطع نسلي’ او ‘ليحمل اسمي وورثي’ او ‘هذه سنة الحياة’ او ‘لأن الأطفال متعة الحياة’ او ‘ الحياة لا تطاق لوحدها بدون الطفال’ واللافت ان كل هذه الأسباب تتعلق بالأهل وليس بالطفل القادم وحياته وشخصيته، بمعنى انها تحقيق لأحلام الأهل دون أي اعتبار لكينونة الوافدالجديد على هذه الدنيا. ولا خطأ أو عيب في هذه الأحلام ولكن دعونا من الأنانية التي ملأت حياتنا ولنفكر قليلا أيضاً في تربية سليمة لأبنائنا وان نحلم بالاضافة إلى ما ذكر أعلاه بأن يكون طفلنا عالماً كبيرا أو اديباً ناجحا او قائدا للامة أو بالملخص نجعل منه شخصية مميزة، والأهم ان نعمل على تحقيق ذلك حتى من قبل ان يرى الطفل النور. فالتربية مسؤولية عظيمة وتحتاج إلى جهد ووقت وإخلاص جادين من الأهل لتربية شخصية مميزة.
للأسف مع تطور التكنولوجيا و-تبعاً- وسائل الترفيه، ومع ازدياد مشاق الحياة المالية، اصبح للأهل وقت أقل للتفرغ لتربية الاطفال (ناهيك اصلاً إن كان هناك وقت لتقضيه معهم) وبالتالي تم تعويض هذا الوقت بجعل الأطفال يقضون وقت اطولاً في مشاهدة التلفاز بالبرامج التي قد يكون ضررها أكثر من عدم فائدتها، وفي ممارسة الألعاب الاكترونية التي لا نتيجة منها سوى واحد أو أكثر من التالي: قتل مخيلة الطفل، الانعزال الاجتماعي، الميل إلى العنف والجنس. وعلى الرغم من صعوبة الحياة وضيق الوقت للأهل، فإن ترك الأولاد بدون تربية فعالة ورقابة ايجابية في مجتمع اصبح مفتوحاً اكثر على مبادئ ومعتقدات كثيرة وبعيدة كل البعد (بسلبياتها وايجابياتها) عن مبادئنا ومعتقداتنا، يعتبر جريمة وظلم بحق هذا الطفل الذي يعتبر الأهل في حياته هم أهم ركيزة له للتربية والتعليم خصوصاً في سنون حياته الستة الأولى. من قال أن التربية عملية بسيطة، ولكن في المقابل هل تستحق حياة طفلك وان تجعل منه شخصية تفتخر بها في المستقبل وتفاخر المجتمع بها وأن تجعله في المستقبل ينظر إليك (أيها الأب وأيتها الأم) بعين من الشكر والامتنان لعملك اقصى ما يمكن عمله معه، كل هذا، الا يستحق منك ان تضحي بوقتك الخاص سواء في مشاهدة التلفاز او قضائه مع الأصدقاء او مع الجارات لاعطائه وقتاً اكثر. أتمنى ان تعطي طفلك حقه.
المهم لزرع المبادئ التي ذكرناها بداية، علينا كأهل أن نقرأ ونطالع ونشاهد كيف لنا ان ننشئ هذه المبادئ فيهم، وما أكثر المراجع المتوفرة لو اننا فقط نبحث عنها. وأهم مبادئ التربية هو ما يسمى القيادة بالمثال، بمعنى لجعل طفلي يحب القراءة علي ان اظهر له أني أقرأ واستمتع بالكتب، ولجعله يحب الصلاة عليه أن أن يرى أولاً مدى التزامي بأداء الصلاة في أوقاتها، وهكذا. علينا ان نحترم كينونة هذا الطفل ونعطيه الاحترام والثقة اللازمين لخلق هذه الصفات فيه في المستقبل. علينا ان نتجنب الكذب والعنف وأن نلجأ للاقناع والذكاء في شرح وجهات نظرنا لرفع القدرة التحليلية عند الطفل والابتعاد عن الكذب والخوف لحل مشاكله.
أخيراً إن تربية الاطفال بهدف جعل منهم شخصية مميزة هي مهمة عظيمة وشرف كبير وقد تكون أسمى ما قد نصنعه في حياتنا ونكافء عليه حتى بعد مماتنا. وهي وإن كانت تبدو صعبة، فثمارها سوف تعود ليس فقط على الطفل نفسه في المستقبل، ولكن على الأهل والمجتمع ككل، سواء اخلاقياً أم اجتماعيا أم حتى مادياً. وعليه دعونا لا نجعل طفلنا القادم مجرد نسخة عن باقي اطفال مجتمعنا، ونعاهد بعضنا (كأهل) بأن يكون هذا الطفل شخصية قيادية مميزة نهديه لأنفسنا ولمجتمعنا والأهم نهديه لربنا ونفاخر به امام الله.
محمد سعيد – الجزائر[email protected]