سمير جبور تحل الذكرى الخامسة وألأربعون لـ ‘حرب/نكسة/ نكبة /هزيمة- كارثة’ (سمّها ما شئت) حزيران 1967، وحال الأمة العربية شعوبا وحكومات وقادة وانظمة اسوأ بكثير من حالها عشية تلك الحرب. اربعة عقود ونصف مرت على وقوع الهزة الثانية عام 1967 بعد الزلزال الأول الكبير في سنة 1948، وكأن شيئا لم يحدث. في هذه السنة ضاع القسم الأكبر من فلسطين بعد هزيمة الجيوش العربية المهترئة والتي كان دخولها فلسطين باحوالها المزرية قد وفرّ ذريعة استخدمتها الصهيونية لتبريرإغتصاب فلسطين وتطهيرها العرقي، زاعمة أن جحافل سبعة جيوش عربية زحفت الى فلسطين للقضاء على ‘اليهود وقذفهم في البحر’. وبعد مضي ثماني سنوات على النكبة الكبرى، وجدت اسرائيل ان حال العرب لم يتغيّر (كانت ثورة عبد الناصر في بدايتها نسبيا، ولم تكد تحدث اي تغيير مهم لا في مصر نفسها، ولا على الصعيد العربي عامة) وجدت الصهيونية ان المجال مفتوح أمامها لشن حرب اخرى على قوة مصر المتنامية ونفوذها المتصاعد، فاشتركت في العدوان الثلاثي(مع انجلترا الحاقدة ومع فرنسا المنتقمة) عام 1956 ساعية الى المزيد من التوسّع في ألأراضي المصرية وقطاع غزة. ولكنها أخفقت في ذلك وارغمت على الإنسحاب هي وشركاؤها المعتدون، ولم تستطع تحقيق حلمها في المزيد من التمدد، ولم يستطع المعتدون إسقاط عبد الناصر (على حد قول ضابط كبير في الجيش الإسرائيلي ‘الحرب حققت اهدافها بإستثناء إسقاط عبد الناصر’). ومرة اخرى، وبعد مرور عقد آخر من الزمن، لم تتخل الصهيونية عن أهدافها التوسعية وتحطيم القوة العربية، فوجدت أن ألأمة العربية بصورة عامة ما زالت غارقة في الخلافات والإنقسام والتخلّف والضعف وعدم إدراك حجم الخطر الصهيوني، على الرغم من تنامي القوة العسكرية لمصر وسوريا. فراحت إسرائيل تعد العدة لجولتها التالية ‘متمتعة’ بعشر سنوات من الإستكانة والوهن العربيين، وعدم مواجهة اية قوة مضادة، إذ وجدت ان ميزان القوى ما زال في صالحها. فإستغلت نقاط الضعف لدى الجيوش والمجتمعات العربية، التي لم تستفد شيئا من دروس الماضي، علاوة على الفساد الذي كان يستشري داخل تلك الجيوش، فوجهّت لها ضربة قاضية في غضون ساعات قليلة اطلقت عليها اسرائيل ‘حرب الأيام الستة’. وهكذا كان الخامس من حزيران /يونيو1967 نقطة تحول كبيرة في مسيرة النزاع العربي الصهيوني. فقد شكلّت فرصة ذهبية لكي يتأكد العرب من أطماع اسرائيل في اراضيهم وثرواتهم وتهديدها لأمنهم القومي ويكتشفوا نقاط الضعف في جميع مجالات حياتهم لكي يتصدوا للخطر ولكنهم لم يفعلوا. . كانت نتائج تلك الحرب كارثية بالنسبة الى مستقبل النزاع العربي ضد الصهيونية. ولا حاجة للتذكير بتفاصيل هذه النتائج، لاننا لا نزال نعاني من إرهاصاتها المستمرة حتى يومنا هذا. علاوة على ذلك، شكلت تلك النتائج حافزا للكيان الصهيوني لكي يواصل المزيد من الحروب وإلإعتداءات والمذابح حتى هذه اللحظة. إذ توهم قادة الصهيونية ان إسرائيل هي ‘دولة عظمى شرق أوسطية’ قادرة على التحكّم بمصائر الشعوب، علما أن الحروب التي شنتها لاحقا وتلك التي بادر اليها العرب اثبتت زيف هذا الوهم.
دروس منسيّةقليلة هي الدروس المستفادة من كارثة حزيران، وقليلون جدا هم الذين حاولوا تطبيق هذه الدروس التي اصبحت في طي النسيان. وعلى الرغم من هذا القليل، إلاّ أنه كان له تاثير مهم لجهة تصحيح الخلل في ميزان القوى بعض الشيْْء. فعلى سبيل المثال أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر حاول إستخلاص العبر من الهزيمة، فخاض حرب استنزاف ناجحة (1969 -1970) الى حد كبير قال عنها عقيد في الجيش الإسرائيلي ‘كلما طال امد الحرب ـ وكثرت خسائرها ـ تضعضعت الجاهزية التي هي عنصر رئيسي في معادلة ألأمن القومي’. واهم درس طبّقه عبد الناصر هو إستغلال نقطة ضعف خطيرة في استراتيجية اسرائيل العسكرية تمثّلت في عدم قدرة الجيش الإسرائيلي على الصمود في ما يسمىّ في القاموس العسكري ‘حرب مواقع’STATIC WAR.(مقابل الحرب الديناميكية /المتحركّة التي إعتمدت عليها عقيدة اسرائيل العسكرية) فإستخدم المدفعية الثقيلة لدك ألإستحكامات والتحصينات التي اقامتها اسرائيل على إمتداد قناة السويس (خط بارليف) بصورة يومية وعلى إمتداد سنة تقريبا. وعندما حاول الجيش الإسرائيلي استخدام سلاح الجو لمهاجمة مصادر إطلاق النار المصرية تصدت له صواريخ سام الروسية واخذت تسقط الطائرات الإسرائيلية المغيرة فتدخلت أميركا بخداعها المعروف فوافق عبد الناصر على وقف حرب الإستنزاف ولم يتم إستكمال تطبيق هذا الدرس. ولكن المنية لم تسعفه لمواصة تحسين ميزان القوى وألإنتقال من حرب الإستنزاف الى حرب تحرير الأراضي المصرية. وما حققه من إصلاحات على صعيد إداء الجيش المصري، استغله سلفه أنور السادات ليشن في سنة 1973 حرب اكتوبر، على قوات الإحتلال حيث حقق فيها الجيش المصري إنتصارات مهمة في البداية. الا ان الرئيس السادات لم يكن معنيا بتحقيق أي نصر حاسم، بل كان كل همّه استغلال اي أنتصار عسكري كغطاء لتحقيق ما اتفق عليه مع الأميركيين والصهيونيين على ‘حرب تحريك’ قادت الى ‘معاهدة السلام’ الكارثية، والتي اسفرت عن إخراج مصر من دائرة النزاع ليخلو الجو للكيان الصهيوني لمواصلة حروبه العدوانية ضد الشعب الفلسطـــيني خاصة وضد ألأمة العربية عامة.
دروس وعبر غير مستفادة لو لجأ العرب، واقصد هنا ألأنظمة العربية بجيوشها وقدراتها العسكرية والإقتصادية، إلى استخلاص العبر والدروس من هزيمة حزيران لإستطاعوا تحرير الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة ولجم شهية التوسع لدى الكيان الصهيوني، وتجنيب شعوبهم المعاناة والثكل. فما هي هذه الدروس غير المستفادة؟ اولا- تبيّن بالدليل الواضح عبر مسيرة النزاع العربي الصهيوني أن إسرائيل غير قادرة على شن حرب ضد جيرانها مجتمعين، او القتال على اكثر من جبهة. ولهذا السبب كان الهاجس الأكبر الذي كان يقض مضاجع الجيش الإسرائيلي هو الخوف من قيام ما كان يطلق عيه ‘الجبهة الشرقية’ (دول الطوق: سوريا، الأردن، لبنان، العراق). ولهذا حرصت اسرائيل على تفتيت هذه الجبهة بكل الوسائل والحؤول دون قيامها. ثانيا – لم تستغل الدول العربية ما تتمتع به من عمق استراتيجي لتجر اليه تشكيلات الجيش ألإسرائيلي لتشتبك معها تشكيلات الجيوش العربية في عدة محاور، كما طبقت هذه الإستراتيجية خلال معركة الكرامة (21 /3/1968) حيث فوجيء جيش ألإحتلال بهذه الإستراتيجية فتكبّد خسائر فادحة في الأرواح والعتاد. ثالثا لم تضع الجيوش العربية النظامية إستراتيجية قتالية مشتركة بينها وبين المقاومة التي كان في مقدورها التوغل في الجبهة الداخلية الإسرائيلية وتدمير اهداف استراتيجية خلال إشتباك الجيوش النظامية. وخلال معركة ‘الكرامة’ إشتبكت المقاومة الفلسطينية بكل فصائلها مع وحدات العدو واستطاعت تحييد سلاح الجو الإسرائيلي. رابعا عدم لجوء الدول العربية إلى تنويع مصادر السلاح وهي التي تملك ألأموال الطائلة لشرائه من كل مصدر. وهذا ما جعل اسلحة الجيوش العربية في حالة تدنّي بالنسبة لأحدث الأسلحة ألأميركية التي يحصل عليها الجيش الإسرائيلي منذ إنشائه. ولم تستخدم الدول العربية مصادر ثرواتها لإرغام أمريكا على الحد من تزويد اسرائيل باكثر ألألحة فتكا وتدميرا. خامسا – عدم اعتراف الدول العربية بأن ألإحتلال الصهيوني للارض الفلسطينية هو تهديد للأمن القومي العربي وأن حمايته تتطلب تحقيق العمل العربي المشترك الجاد سواء في إطار الجامعة العربية او تحقيق التنسيق العسكري بين بعض الدول العربية المعنية بالنزاع.
وبغياب العمل العربي الموحد استطاعت اسرائيل مثلا تحويل مياه نهر ألأردن عشية حرب حزيران، من دون مقاومة تقريبا. وهذا ما شجعها على شن الحرب.
كثيرة هي العبر والدروس التي لم تستخلص من نتائج هزيمة حزيران وهذا ما ادى الى استمرار الأحتلال والى مواصلة الكيان الصهيوني في إستغلال الوهن العربي من اجل المضي في تحقيق مخططاته التوسعية على حساب مصالح الشعوب العربية.
وفي الذكرى الخامسة والأربعين على هزيمة حزيران (يونيو)، لم يتحقق أي عمل إيجابي من أجل تبديد المخاوف على مصير الوطن العربي باسره، وليس الأرض الفلسطينية وحسب. ومرة اخرى وفي غياب إستراتيجية عربية موحّدة لمواجهة المشاريع الإستعمارية الصهيونية، فإن مخطط تقسيم الوطن العربي وتفتيته يسير بخطى راسخة. المشروع الوطني في خطر، ومصائر الشعوب العربية مهددة، وما نشهده اليوم بعد أوهام ‘الربيع العربي’ يشكل العنوان الرئيسي لهذه المرحلة: حروب أهلية وصراعات طائفية ونزاعات دينية من شأنها أن تاتي على البقية الباقية من هذا الوطن بعد تدمير العراق وبعد عزل مصر وتسخيرها في خدمة المشروع الصهيوني في عهدي السادات ومبارك. ويجري إغراقها الآن في غياهب صراع ديني وطائفي.
وكلنا امل بأن هذا هو بعيـــد المنال لأن الشعوب العربية بأغلبيتها الساحقة لن ترضخ للقوى الظلامية وإلإستعمارية والصهيونية. شعوبنا تنفسّت نسيم الحرية في بداية إنتفاضاتها وهي عائدة لا محالة الى الميادين، ليس لكي تستنشق الحرية مرة اخرى، بل لتحقيقها كاملا.
هذا هو منطق التاريخ ولا عودة إلى الوراء.’ كاتب فلسطيني مقيم في كندا