لماذا تؤيد ابنة جمال عبد الناصر مرشح الثورة المضادة؟

حجم الخط
0

شحاتة عوضأثار الموقف اللافت الذي اتخذته الدكتورة هدى عبد الناصر الأبنة الكبرى للزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر مؤخرا بإعلان تأييدها للمرشح أحمد شفيق في انتخابات الرئاسة في مواجهة مرشح الاخوان المسلمين الدكتور محمد مرسي، الكثير من علامات الدهشة والاستفهام في الاوساط السياسية والرأي العام في مصر. بل إن البعض اعتبره خيانة لمبادئ وفكر عبد الناصر الثوري واصطفافا في معسكر الرجعية وفق مفردات هذا الفكر ذاته، إذ ما الذي، دفع أبنة عبد الناصر لتأييد مرشح الثورة المضادة في مصرفي هذه اللحظة الفارقة؟. لكن أسباب هذه الدهشة وربما تتراجع قليلا إذا ما تبين أن هدى عبد الناصر استاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، ليست وحدها من أبناء النخبة المصرية التي ترى أن شفيق المرشح الأفضل لرئاسة مصر إذا كان لابد من الاختيار بينه وبين مرشح الإخوان. وقد سمعت هذا الرأي من عدد لا بأس به من الكتاب والمثقفين الذين التقيتهم خلال زيارتي للقاهرة مؤخرا لمتابعة الجولة الاولى من الانتخابات الرئاسية وما أسفرت عنه من نتائج محبطة وضعت المصريين أمام خيارين أحلاهما مر. وبعيدا عن الأتباع المخلصين لكل مرشح فإن عموم المصريين ومعهم النخبة السياسية انقسموا إزاء نتائج الجولة الأولى من الانتخابات إلى عدة تيارات وفرق:- الفريق الأول يرى أن كلا المرشحين يشكلان خطرا على الوطن وهويته ومستقبله وثورته وأن المصريين ليسوا مضطرين للاختيار بين السيء والأسوأ، وهو ما دفع أحد الاصدقاء إلى القول إن المصريين ليسوا مجبرين على الإختيار بين الكوليرا والطاعون.

موقف صديقي هذا يمثل شريحة كبيرة من المواطنين الذين قرروا مقاطعة جولة الإعادة تماما بين قرر أخرون إبطال أصواتهم.- الفريق الثاني يقدم دعما مشروطا لمرشح الإخوان المسلمين، وهو دعم مرهون بقدرة الإخوان على تبني مطالب وأهداف الثورة وأن يكونوا جزءا من الجماعة الوطنية. ويرى المنتمون لهذا الفريق أن مرشح الإخوان بكل عيوبه وما يحمله من مخاوف، يبقى أخف ضررا من احتمال فوز الفريق أحمد شفيق لأن ذلك هو الخطر الأكبر الذي يهدد ثورة المصريين لأن فوزه في الانتخابات يعني نهاية الثورة تماما وعودة النظام القديم بشكل كامل.- الفريق الثالث يرى أن مصر تواجه لحظة الاختيار بين الدولة الدينية التي يمثلها الإخوان والدولة المدنية التي يمثلها الفريق أحمد شفيق، فالأخير حتى وإن كان امتدادا لنظام مبارك بكل خطاياه، فإنه سيكون الضمانة للحفاظ على الدولة المدنية في مواجهة الزحف الكاسح للتيار الإسلامي نحو السيطرة والهيمنة على كل مفاصل الدولة، وأن فوز شفيق بكل عيوبه سيبقى أقل كلفة على الوطن وهويته، بل يمكن التعايش معه ومناطحته سياسيا بل والضغط عليه لانتزاع كل حقوق المصريين واستكمال أهداف الثورة.

بينما يرى هذا الفريق أن محمد مرسى أشد خطرا على مصر لأنه يمهد الطريق أمام استبداد جديد أشد خطورة لأنه سيقوم على أساس ديني وهذا هو أخطر أنواع الاستبداد.

ووفقا لهذا التصنيف فإن هدى عبد الناصر تنتمي للفريق الثالث الذي يرى أن أحمد شفيق هو المرشح الافضل إذا كنا نريد الحفاظ على هوية مصر دولة مدنية، وهي لاترى في ذلك أي خيانة أو تنكر لمبادىء وفكر عبد الناصر الذي كان مخلصا لفكرة الدولة المدنية. وإذا كان مفيدا التوقف قليلا عند موقف هدى عبد الناصر بما له من رمزية تاريخية، فإن الأهم في ظني هو التوقف كثيرا عند موقف هذا التيار الذي تنتمي اليه وهو تيار كبير في أوساط القوى المدنية الليبرالية واليسارية والقومية والذي يختصر المشهد الراهن في مصر باعتباره إختيارا بين الدولة المدنية والدولة الدينية. وإذا كانت الموضوعية تقتضى الإقرار بأن ثمة أسبابا حقيقية تبررهذا الموقف يأتي على رأسها فشل الإخوان في تبديد مخاوف هذا القطاع المهم والمؤثر، فإن ذلك لا ينفي حقيقة أن موقف هذا التيار يعاني من نقاط ضعف واضحة ويقفز على حقائق كثيرة ربما لأنه ينطلق في موقفه هذا من عداء سافر لتيار الإسلام السياسي ومن مخاوف وهواجس أكثر من أي شيء آخر وهو ما أوقعه في الكثير من التناقضات.. في هذا الإطار يمكن رصد النقاط التالية:

أولا: أن تقديم المشهد الانتخابي المصري الراهن باعتباره اختيارا بين الدولة الدينية والدولة المدنية، فيه الكثير من التبسيط الواضح، فإذا كان مرشح الإخوان لإنتخابات الرئاسية يثير الكثير من المخاوف المشروعة لدى قطاع واسع من المصريين حول هوية الوطن او مدنية الدولة المصرية، فإن ذلك لايعني أن أحمد شفيق هو مرشح الدولة المدنية.

ولا بد أن نتذكر جيدا أن أحمد شفيق رجل عسكري برتبة الفريق، صحيح أنه متقاعد لكنه جزء لا يتجزأ من المؤسسة العسكرية التي حكمت مصر على مدى ستين عاما وهيمنت على الكثير من المواقع والمناصب وساهمت في عسكرة الدولة المصرية. وبالتالي فان الأدق هنا هو أنه إذا كان مرسي مرشح الدولة الدينية فإن شفيق هو مرشح الدولة العسكرية، ولا ينبغي أن يكون الهروب من شبح الفاشية الدينية الذي يطل برأسه، هو بالإرتماء في حضن الفاشية العسكرية.

ثانيا: كيف تجمع هذه القوى المدنية والليبرالية بين دعمها لإستكمال أهداف ثورة الخامس والعشرين من يناير وبين مساندتها لإنتخاب الفريق أحمد شفيق؟ وإذا كانت ترى أنه الضمانة للتصدي لهيمنة التيار الإسلامي، فانها لم تقل لنا ما هو موقف الفريق شفيق من هذه الثورة وهو كان أخر رئيس وزراء في عهد مبارك. ربما لا يمكن توجيه اللوم للرجل فهو لم يعترف يوما بأن ما جرى في مصر كان ثورة شعبية ضد نظام الفساد والإستبداد، بل مثله مثل كل قادة المؤسسة العسكرية والامنية الذين يعتقدون أن ما جرى لم يكن سوى إنتفاضة شعبية إستغلتها جهات خارجية لتنفيذ مؤامرة على الوطن. من هنا فان على هذه القوى أن تعيد النظر في مواقفها وأن تختار ما بين شفيق والثورة، أما الجمع بينهما فانه يصبح من قبل التلفيق أو الدجل السياسي.

ثالثا: على ضوء ما سبق فان التصنيف الأكثر دقة للمرشحين ينبغي أن يكون مرشح الثورة في مواجهة مرشح الثورة المضادة، أو مرشح المستقبل ضد مرشح الماضي، ولما كان كلا المرشحين لا يعبر عن الثورة وليس أحد عناوينها الحقيقيين، فإن المعيار يبقى مدى إقتراب أي من هذين المرشحين من روح وأهداف ثورة يناير، وإذا ما طبقنا هذا المعيار فإن كلا المرشحين لا يمثلان الثورة ولا أهدافها وبالتالي فإن الموقف الأكثر مصداقية في هذا الصدد هو رفض المرشحين كما فعلت القوى الثورية المخلصة لثورتها، وليس الإنحياز لأحمد شفيق.

رابعا: غالبية هذا التيار تنطلق في مواقفها من العداء التاريخي أو الخوف المرضي أوحتى الخوف المشروع من تيار الإسلام السياسي وما إرتكبه من أخطاء وخطايا سواء في الماضي أو في حق ثورة يناير وفشله في طمأنة الشركاء، لكن ذلك كله لا يكفي لان يكون مبررا لتأييد ومساندة إعادة إنتاج نظام مبارك من جديد بكل قبحه وفساده. وينبغي على هذه القوى إن تستذكر جيدا دروس التاريخ القريب لا البعيد وأن تستفيد منها حتى لا تكرر أخطاء الماضي، فكثير من هذه القوى في ظل نظام مبارك الساقط لعبت دورا ديكوريا في أضفاء الشرعية على هذا النظام وتجميل وجهه القبيح وإنحازت له وبررت له كل ما قام به من تنكيل وملاحقة وتصفية لخصومه من التيار الإسلامي بدعوى الحفاظ على الدولة المدنية، لكن النتيجة أن مصر إنتهت في أواخر عهد مبارك دولة إستبدادية فاسدة فاشلة وكانت في طريقها لتتحول إلى نظام ملكي يرث فيه الأبن أباه على حكم مصر.. فهل هذه هي الدولة المدنية التي يدافع عنها من يدعمون ترشيح شفيق؟

خامسا: لا ينبغي أن يعمي العداء للاسلاميين أو الخوف منهم ومن سلوكهم السياسي، بصائر بعض القوى السياسية المدنية، عن رؤية الحقائق والإنتصار للموضوعية والنزول على إرادتها.. فهذه القوى في موقفها المؤيد لشفيق تضع المخاوف الهواجس الظنية في كفة واحدة مع الحقائق اليقينية بل أنها تنحاز في مواقفها لصالح حقيقة أن نظام مبارك أفسد الوطن وخرب مصر وأهان شعبها، في مواجهة مخاوف التي لاتزال في نطاق الظنون، مع كامل التفهم لها ولأسبابها المشروعة، من الإنقلاب على هوية مصرو تحويلها دولة دينية إذا ما فاز مرشح الإخوان.

سادسا: إذا كان بعض القوى المدنية يرى أن أكبر ضمانة لمنع تحول أحمد شفيق إلى ديكتاتور جديد على غرار مبارك، هو الشعب المصري الذي إسترد إرادته بعد ثورة يناير ولن يسمح بانتاج نظام مبارك من جديد حتى لو فاز أحد اقرب أصدقائه بالرئاسة، فلماذا لا ينطبق ذلك أيضا على مرشح الإخوان المسلمين وبأن هذا الشعب ذاته سيتصدى للاخوان إذا ما فكروا في الإنقلاب على ثوابت الوطن والدولة وسعوا لتحويلها دولة دينية؟ أم أن ما يمكن أن يحدث مع شفيق يبدو مستحيلا مع محمد مرسي؟

إن نظرة إلى القوى المؤيدة لأحمد شفيق نجدها تتمثل في بقايا نظام مبارك وبعض أجهزة الدولة التي لم تصلها الثورة، ورموز الحزب الوطني المنحل ورجال الأعمال الذي جمعوا المليارات من الحرام ووجهاء العائلات في الريف الذي أفقدتهم ثورة يناير المقعد البرلماني الذي كانوا يتوارثونه كنوع من الوجاهة الإجتماعية لا أكثر. فهل هؤلاء ومرشحهم الرئاسي هم من سيحافظون على الدولة المدنية ويسهرون على تحقيق أهداف الثورة؟’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية