لقد ثبتوا السلم، الكل صعد على السطح، وتركوا الصراخ يصدح بالحرية، أعقبه دوي انفجار، هكذا تكتم الأصوات من قبل النظام، حينما تخرج للعلن.
هذه الزاوية التي اختارها المخرج السوري محمد ملص، لنرى الحياة من خلالها، الحياة التي كانت على الرغم من العتمة يتسلل إليها بعض النور. في فيلمه الأخير»سلم إلى دمشق» والذي عرض مؤخراً في العاصمة الفرنسية باريس، حرص ملص على عرض الحياة الخصبة التي كانت تجمع الشعب السوري قبل الثورة، اللحظة الأكثر قداسةً والجامعة لأكثر من 12 شاباً وشابة من تنوع الجغرافيا والثقافة السورية، يجمعهم بيت دمشقي قديم.
في هذا البيت حيث الأصوات المتعددة تروي حكايات قاطنيه، كان الحدث الشاهد على سردية الصراع بين الحرية والاستبداد، وهي السردية البصرية نفسها التي ما انفك ملص يحرص عليها كمشروع لاشتغالاته البصرية منذ عمله الأول «أحلام المدينة». آنذاك روى ملص بصرياً التغيرات والتقلبات التي عاشتها دمشق في الخمسينيات من القرن المنصرم، ولكن هذه المرة الحكايات لا تروي تاريخاً بل تروي واقعاً لشخوص يسكنون مدينة يحاول أن يكسرها الاستبداد، ويحاول قاطنوها مقاومة الإستبداد ومعانقة الحرية.
فؤاد الشاب الذي يعشق الصورة يلاحق القاتل عبر اشتغاله على فيلم يحاول أن يظهر للعلن قصة أحد المناضلين، هنا الكاميرا تتوسط بين عالم الصورة ومحاولة قتل الصورة، بين تألق الصورة ومحاولة إطفاء تألقها، المخرج الذي يشارف على دخول العقد السابع يحاول أن يقول عبر الشريط: ما تزال الحياة ممكنة الإستمرار على الرغم من كل هذا الخراب، وإن الحياة كامنة في هذه الحكايات.
يلاحظ الجمهور حالة التشويش في النهاية الموهومة التي ختم بها ملص فيلمه الأخير، حيث حلقات العنف الممارسة من قبل النظام، تجعل الناس تبحث عن حلقات عنف مضادة مع مراعاة عدم المساواة بين الضحية والجلاد، مما يجعل الإجابة عن صورة حياتنا وإلى أين تسير غير ممكنة حسب رؤية الشريط البصري.
ببساطة منذ بداية الفيلم، الذي يبدأ بزيارة لقبر المخرج عمر أميرلاي، مروراً بظهور المعارض السوري غسان الجباعي، المعتقل السابق في أقبية وسجون النظام لسنوات طويلة، وسيكولوجيا الإذلال التي يحاول النظام إعطاء جرعاتها بانتظام وثبات، تشعر أنكَ أمام شاعر قلق مشوش الرؤى يسرد بصرياً وبرهافة، ويطلق صرخته بلا مهادنة أو تنازل.
استنبت ملص صورا لقصص لا يضيق بها السيناريو، ولكن أحاسيس الجمهور لا بد أن تضيق بالقصص التي خلفتها آلة حرب النظام عن الموت والحقد والكراهية والدم وشهوة الانتقام، والحواس تتلقى كل هذه القصص بلا أي مشاهدة لأي كادر عنف في الشريط البصري، وعبر تثقيف للحواس تصل باللغة البصرية إلى شكل من أشكال الهيبة رفيعة المستوى، تمزج بين الواقع والخيال، الروائي والتسجيلي، الصورة والرسم.
تلك السينما التي يقدمها ملص في مقاربة الثورة السورية، سينما دهشة تحاور الذات عبر فلسفة خاصة، حيث يستبعد التتابع الكرونولوجي لشخوص تولد وتعيش وتموت، لصالح حضور شخوص تعيش لحظات من الوعي والعاطفة والعقل والتحرر في حوارات شاعرية فلسفية خالصة، يتسلل إليها المسرح عفواً في مغامرة يحسب لها هذه الجرأة.
إذاً ذلك البيت المغلق، المفتوح على الثورة السورية ما انفك يروي لنا حكايات لا تحصى عن الثورة، حكايات تلاحقها كاميرا ملص، وأدى أدوارها شباب غالبيتهم في ظهورهم الأول، ظهور حرص الشباب على تجسيده وعي سينمائي لم يرق إلى مصاف الوعي الخارق ولكنه لا يقبل التواضع في الوقت ذاته.
مساحات التأويل تتسع في فيلم «سلم إلى دمشق» مقابل ضيق مساحات المباشرة، حيث الذات تحاور الثورة السورية، حوار ذات متمردة تحاول الخروج من أزمة الاستبداد والتخلص من كل إشكالياته.
٭ صحافي سوري يقيم في باريس
أحمد صلال