معرض للمصور فريد فاضل: احتفاء بالطبيعة البكر وتأثير واسع لتعبيرية الرواد المصريين

حجم الخط
0

القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من محمود قرني: خلال عام واحد تم افتتاح المعرض الثاني للفنان والمصور والطبيب فريد فاضل، وذلك في قاعة الفنون التشكيلية بدار الاوبرا، وهو المعرض الذي ضم اكثر من خمسين عملا لفريد فاضل من مجموعة أعماله الجديدة، التي تحتفي بالطبيعة البكر، حيث الصحراء ورمالها، وحيث البيوت والعمارة الريفية الحميمة التي تشيع الكثير من الدفء عبر العديد من الرحلات والزيارات التي قام بها فاضل لعدد من المناطق المصرية في قلب الواحات والأودية المصرية.

وقد بدت معظم لوحات المعرض وثيقة الصلة بمشاهدات فاضل، لا سيما وأنه ينتمي ـ كابن ـ لمدرسة التصوير المصري، وتبدو نصاعة ألوانه ورهافتها فريدة من نوعها في فن التصوير، كما تبدو تأثراته واضحة وجلية لكل المشاهد التي دونها، فكل الوجوه صحراوية، ومعظم اللوحات لبيوت واطئة، وتظهر الصحراء في خلفية معظم لوحاته، بالإضافة الى ذلك فإن فريد فاضل يعترف بأن المعرض يأتي كرجع صدى لرحلته داخل الصحراوات المصرية. وتحدث عن التجربة مقارنا بين المشاهدات الواقعية واللوحات التي أنجزها، يقول فاضل بصدد الحديث عن معرضه: عندما فكرت في إقامة معرضي هذا في العام الماضي، وضعت له عنوان واحة ووادي باعتبار أن الواحات والأودية هي جواهر الصحراء فهي الوجود وما حولها عدم، ولكن ما إن علمت أن العام 2006 هو العام الدولي للصحراء حتى قررت إضافة الصحراء الى واحتي سيوة والبحرية، واكتشفت ان الصحراء لها نفس سحر وجمال الواحات والأودية بل ربما تفوقها من حيث غني التنوع والقدرة على الإدهاش والإبهار، فالصحراء عالم مستقل بذاته، له قوانينه وأسراره، إنه عالم المتناقضات والمبالغات التي تحث المفكر على التأمل والبحث وتلهم الفنان بإبداعات متجددة فعلي العكس تماما من الظاهر تتميز الصحراء بغنى خاص في جيولوجيا الصخور والمعادن والحياة البرية لعالم الحيوان بالإضافة الى كم هائل من النباتات التي تتصارع من أجل البقاء وسط البيئة الصحراوية الجافة وتباين درجات الحرارة بين النهار والليل.

ويتساءل فريد فاضل في حديثه وتأملاته لعالم الصحراء وعلاقة ذلك بما أنجزه من أعمال، لا سيما أمام تلك النصاعة التي تميزت بها ألوانه، حتى بدت في معظم لوحاته وكأنها صور فوتوغرافية، وهي مهارة عميقة وصلت الى حد التماهي، وإن كان تأثيرها سالبا على طبيعة المضامين الفنية للوحات في بعدها المباشر والمسطح عكس ما بدا في لوحات أخرى لم تعمد الى النقل والمحاكاة.

ويبدو هذا التماهي في المذكرات التي أرفقها ورواها فريد فاضل عن رحلتها الصحراوية، يقول:

لقد عشت في سيوة يومين فقط، ولكنها عاشت ولا تزال تعيش بداخلي الى الآن، سحر وذوبان في شالي، وغروب الشمس على البحيرة، وضحكات الأطفال في الشوارع، وآلاف من النخيل في بستان اخضر ممتد، جبل الدكرور بتكويناته الصخرية الفريدة، ومعبد وحي آمون ذو الشهرة الواسعة، تمر وزيتون وحلي فضية وآنية فخارية، شباب يعشق الحياة والرقص والغناء، كذلك يتحدث فريد فاضل عن لوحته لحن الكثبان الذهبية وهي زيت على قماش، وتبدو فيها تضاعيف الصحراء جاثمة على اللوحة ذات الصمت الطاغي، يقول فاضل عن رحلته لهذه اللوحة:

في يوم لم ينبئ بشيء ما، اختلطت غيومه الرمادية بإشراقة صباح خجولة سرعان ما تبعتها رياح ترابية كئيبة، في قلب صغير يخفق بسرعة لكل جديد، ينخدع ببريق الأشياء، قبعت أحلامه الوردية حبيسة الجدران، الليل كله يشتاق في صمت لرحاب واسعة بين تلال صفراء وصخور رمادية في حضن الصحراء الكبير، ورحل القلب مع الرفقاء في يوم لم ينبىء بشيء، لم تمت أحلامه تماما وإن كانت رياح الصحراء تطرحها أرضا كلما قامت لها قائمة، وما كادت الرحلة تفسد تماما حتى لاحت القافلة من بعيد، والقافلة التي يتحدث عنها فاضل هي قافلة الانقاذ في الصحراء بعد المتاهة التي وجد نفسه فيها والتي كان يمكنها أن تؤدي به في قلب هذا الخلاء.

يقول فاضل: ذكرني ذلك الالتقاء بين الماضي والحاضر ظهور قافلة الجمال أمام الكاميرا الديجيتال بمحاولات الفلاسفة المضنية لتفسير ما بعد الحداثة ووضع تعريفات محددة لها، كما نجد أرضية مشتركة نقف عليها، فقافلة الجمال الصغيرة تشكل مشهدا مألوفا منذ مئات السنين، وهنا تبزغ الملابس الحديثة ملتحمة مع الثياب التقليدية في منظومة تنقلنا الى واقع له مدلول اجتماعي وزمني صارت فيه الاشياء الاكثر تركيبا وتعقيدا، تتصارع معا كيما تحقق في النهاية التصالح في ثقافة الجوار والانفتاح على الحوار.

يعرج فريد فاضل ايضا على لوحته عند جبل الجلالة وهي زيت على قماش كإحدى أهم لوحات معرضه وتبدو فيها قسوة الطبيعة وندرة تكويناتها الصخرية، وهي لوحة ترتبط برحلته الى البرية الشرقية ـ كما يقول ـ وديري الانبا أنطونيوس والأنبا بولا، حيث يصفهما بأنهما يبدوان كجوهرتين مضيئتين في قلب الصحراء الموحشة التي تميزها جبالها الصخرية العاتية والوديان التي حفرتها مياه الأمطار زمن أنهار وبحار ما قبل التاريخ، انها ـ حسب فاضل ـ برية العرب المواجهة للجزيرة العربية لا يفصلهما سوى البحر الاحمر، ولكن في عمق الصحراء بقيت الأديرة شاهدة على ايمان الآباء وحياة النسك والتعبد عبر الأزمنة المتتالية، خرجت عيون المياه الرائقة من جوف الجبل لتروي المتعبدين وضيوفهم من البدو وعابري السبيل.

كذلك يتحدث فريد فاضل عن أبرز لوحاته بالمعرض ذات صباح.. وهي ألوان غواش، قصر اللبخة زيت على قماش، دعاء الست عيشة زيت على قماش، و أطلال أغورمي ـ سيوة زيت على قماش، وكذلك لوحته الرائعة عم بخيت المنقذ، رسم بالأقلام الملونة.

ولد فريد فاضــــل بمدينة اسيوط عام1958 لعائلة تعشق الموسيقى الكلاسيكية وتمتهن الطب والمحاماة، التحق بمعهد الكونســيرفتوار عام 1965 وتتلمذ على يد أدولف منـــــــسة، ليعزف الكمان بالإضافة الى آلة البيانو والغناء، وقد أقام معرضه الأول للتصوير بالالوان المائية عام 1971 بقصر ثقافة قصر النيل وكان عمره آنذاك ثلاثة عشر عاما، وكتب عنه الناقد صبحي الشاروني في ذلك الوقت مؤكدا على موهبته الفريدة، التي تنامت مع الوقت.

وقد تخرج الفنان فريد فاضل في كلية الطب عام 1981، وهو واحد من أساتذة أمراض العيون، في الوقت الذي أقام فيه العديد من المعارض في مصر، وخارجها كذلك حصل على العديد من الجوائز المحلية والعالمية.

يلجأ فاضل في لوحاته الى الطبيعة البكر وكثيرا ما خاض رحلات خاصة مكلفة ومرهقة، قضى فيها شهورا، جريا خلف تلك الطبيعة، ومن هنا فهو يحاول دائما في لوحاته تحقيق قدر أكبر من المحاكاة والنقل المتأثر بالتعبيرية المصرية، التي ميزت مدرسة التصوير المصري المعاصر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية