المعارضة التونسيّة.. هل تجني على الثورة؟

حجم الخط
0

د. علي الص

الح مُـولَـى ننطلق من مسلّمة وهي أنّ الاستبداد أشدُّ النظم السياسيّة فَتكا بالحرّيّات والنتيجة المباشرة إمّا انسحاب في صمت طلبا للسلامة، وإمّا وقوف في وجه الظلم فانسحاق أو تهجير، وإمّا مُمَالأة للظالم ودخول تحت جبّته. وليس الواقع السياسيّ التونسيّ ببعيد عن هذا التوصيف السريع. فقد تمدّد فيه أخطبوط الاستبداد وشلّ كلّ إمكانيّة للتغيير وأُفرِغَتْ البلاد من الأحلام الكبرى وسُدّت مسالك الإبداع وانتشرت ثقافة هزيلة تقهقر بها الذوق وتيبّستْ بها العقول وانتشرت مفارخ الفساد في أرجاء الوطن كما انفسحتْ السبل أمام تُجّار القيم والفنون والإعلام في ورشة ضخمة لإغراق الاستبداد في مستنقع من المساحيق التجميليّة ولكنّ قوانين العمران البشريّ فَعَلتْ فعْلها فتفجّرتْ أوجاع المنكوبين في احتجاجات عارمة انهار بسببها نظام الاستبداد وبدأت ملامح ثورة تتشكّل في الأفق عبر الشعارات والزعامات والمشاريع. واختزالا للأحداث والوقائع نشير إلْماعا إلى حكومة مشبوهة انقضّتْ على الفراغ انتسب إليها معارضون في عمليّة مُريبة ثمّ جيء بالسبسي زعيما من زمن سحيق ما هو قطعا زمن الثورة جيء به مختلط الألوان إنْ أردتَه دستوريّا كان وإنْ أردتَه تجمّعيّا كان وأحيط بجوقة من التُبَّع الذين لا يحيَون إلاّ في ظلال الأسياد وكانت انتخابات المجلس التأسيسيّ الشرعيّةَ الشعبيّة الأولى للثورة وكانت حكومة الجبالي الشرعيّةَ السياسيّة الأولى في تاريخ تونس.

وتشكّلتْ في رحاب المجلس التأسيسيّ قوّتان متواجهتان: أغلبيّة وأقلّيّة وهذا من المبشّرات بتغيّرٍ نوعيّ في السلوك السياسيّ وانطلقت الحكومة في رسم برامجها وأهدافها وهذا أيضا مُريحٌ سياسيّا وكان يُتَوقَّع أنْ تتجمّع الجهود لتحقيق هدفيْن: مرحليّ واستراتيجيّ أمّا المرحليّ فتأمين مستلزمات الحياة اليوميّة وعلى رأسها الأمن بأبعاده المختلفة وأمّا الاستراتيجيّ فبناء مجتمع الثورة، والهدفان لا ينفكّ أحدهما عن الآخَر.

ولكنّ الأمور لم تسِرْ سيرا سلسا فقد كان ثمّة باستمرار توتّراتٌ اجتماعيّة وأمنيّة وسلوكيّة وما هذا بمستغرب فكثير من الناس يذهب في ظنّهم أنّ الثورة فتحت ‘باب العرش’ وأنّ الزمن الآن هو زمن ‘كُنْ فيكون’ ولعلّ بعضهم إذْ يرى السيّد حمّادي الجبالي يراه في صورة ‘علاء الدين’ يفرك مصباحه السحريّ ويَرُدّ على ‘شبّيك لبّيك’ بقائمة من المطالب كلّ هذا لا يدعو إلى الانزعاج لأنّ دهرا مديدا من الظلم والحرمان والإهانة حين تتوقّف عجلته فجأة، تتحرّر النفوس من كبتها وترغب في تعويضٍ عاجل خشيةَ أنْ يكون القادم من الأيّام سرابا.

مَكْمَن المشكلة كما نرى قطاعٌ من العقل السياسيّ الذي يمارس اليوم دور المعارضة ولسنا في حاجة إلى التذكير بأنّ طيفا واسعا من ‘معارضي’ اليوم كانوا إلى عهد قريب إمّا جزءا من آلة الاستبداد وإمّا شهودَ زور لصالحه ولا يملك المرء وهو يرصد نشاطهم إلاّ أنْ يَبْهَتَ كنّا نتوقّع أنْ يكون هذا العقل خارجا من رحم الثورة ومنصهرا في نسيجها يدفع إلى الأمام إرادة البناء ويدخل شريكا جدّيّا في منع كلّ نزعة تروم تهميش القضايا الكبرى. رأيناه مع الأسف الشديد مولعا باللّعب في السفاسف والصغائر ينفخ في بالونات الوهم ويضخّم كلّ أمر يصرف الأنظار عن عظيم الأمور وليس المجال ههنا لاستعراض الموضوعات التي يتلهّى بها ولكنْ، نقول إنّ المعارضة التي تَحْرم نفسَها من الاصطفاف في مسيرة الثورة تُفقِد نفسَها كثيرا من أَلَقِها ومصداقيّتها. أعتقد بأنّ طيفا من المعارضة التونسيّة اليوم ينحدر انحدارا خطيرا لأنّ العقل الذي يفكّر به عقلٌ غير ديمقراطيّ وغير مدنيّ وبالمناسبة، لا يَغرّنّ أحدا التزيّنُ بالمصطلحات فأيّ معنى للديمقراطيّة إنْ ظهر علينا أصحابُها وهم يُنكرون على غيرهم أنْ يكونوا كما هم؟ وأيّ معنى للمدنيّة أو الحداثة أو التقدّم أو العقلانيّة إنْ لم تكن ثقافة وسلوكا؟ إنّي أرى جماعاتٍ من الذين يهتفون بهذه التسميات بين جاهل بمعانيها حتّى البسيطة والمباشرة منها، ومُدَّعٍ بهتانا أنّه في رحابها يحيا يكفي أنْ نشاهدهم في التلفزات فنرى أنّهم إمّا يلتقون وحدَهم لِسَبِّ طرف قصدوا إلى تغييبه عمدا، وإنْ منّوا على مختلف عنهم في الرأي فأحضروه جاؤوا به فردا وتزاحموا على الهجوم عليه ويكفي أن تُلقيَ بالا إلى بعض التلفزات أو الإذاعات أو الجرائد فترى كَمَّ الكراهية الذي يفوح منها للمختلف عنهم وتَلمسُ سعادة وغبطة وهم ينهشون لَحم طرفٍ سياسيّ تشويها وكذبا وتأليبا للناس عليه. المعارضة التي تُحَوِّل خسارتها في انتخابات المجلس التأسيسيّ إلى معاركَ ثأريّةٍ فتخرج من فضاءات الحوار والتشاور والمناظرة إلى عالَم الانتقام والتشفّي والإرباك لا يمكن أنْ تكون سليلة عقل ديمقراطيّ والذين يصنعون نجوميّتهم بالتحريض على حكومة الثورة والترويج لفشلها والتبشير بسقوطها لا يمكن أن يكونوا في المستقبل رجال دولة إنّ أيّ مجموعة حزبيّة تفهم الخسارة في الانتخابات اعتداءً عليها وتُشرّعُ لنفسها تجنيد مَنْ تقدر على تجنيده من المنهكين والمحطّمين بإثارتهم وإقحامهم في عمليّة سياسويّة قذرة للابتزاز والتعطيل لا يمكن قطعا أنْ تكون جزءا من مشروع الثورة وإنّ أيّ وسيلة إعلاميّة تنبسط أساريرها لخطاب يُبَثُّ منها ويلتقطه الألوف من التونسيّين فيه تيئييس وتخويف وترويج للافتراءات لا يمكن أنْ يكون القائمون عليها مُقدّرين لمعنى الفشل ولا لوظيفة الإعلام الثوريّ ولا للحريّة متى تكون صِنْوًا للأخلاق ومتى تكون مرتعا للفوضى.

تُجّار خطاب الفشل من سياسيّين وإعلاميّين ونقابيّين وأكاديميّين بائسون يستحقّون الشفقة بائسون لأنّهم يعتقدون بأنّهم حين يُفشِلون الحكومة تَفشَل ‘النهضة’ في الانتخابات القادمة وبئْسَ العقلُ عقلا إنْ هو قاد زعماءَنا السياسيّين إلى حسابات كهذه وما أنْكدَ حظّ الثورة التونسيّة لو انفسح فيها مجال لهؤلاء. لستُ نهضويّا ومع ذلك، فأنا أزعم أنّ هؤلاء يفكّرون خارج زمن الثورة هذه ثورة تمدّ خطوتها الأولى والحكومة مساحة في تلك الخطوة والعقل السياسيّ المتّزن والنظيف والناضج لا يكون إلاّ مُعزِّزا نجاحَ الخطوة الأولى ومُخطئ مَن يظنّ أنّ أوّل حكومة بعد جفاف سياسيّ طويل وفي ظلّ مأزق اجتماعيّ واقتصاديّ حادّ لن ترتكب أخطاء ولن ترتبك أو تتعثّر. هذا متوقَّع ودور المعارضة في زمن الثورة أنْ تسرع حين الخطأ أو التعثّر إلى المساعدة ولذلك ما أحببتُ أنْ تخرج الأقلّيّة ‘الثوريّة’ في أوّل تجربةٍ لبناء وطن جديد إلى لعب دور المعارضة كنتُ أتمنّى أن تُشكّل أقلّيّةُ الثورة وأكثريّتُها معا معارضةً من نوع آخَر: معارضةً لكلّ متآمر على الثورة والمتآمرون كُثُرٌ بمنطق نظريّة المؤامرة وبغير منطقها ولذلك قلتُ أيضا إنّ عقل الأقليّة وقد اختار أنْ يكون معارضا للأغلبيّة سلك السبيل الخطأ. ولا شكّ عندي في أنّ حكومة السيّد الجبالي ما هي إلاّ أداة إجرائيّة وتنفيذيّة والصواب الأخلاقيّ والسياسيّ هو أنْ يتنادى الجميع للتحذير من وقوع الفشل، لأنّ المعركة الحقيقيّة التي ينبغي أنْ تخاض هي تلك التي تتوجّه فيها السهام ضدّ كلّ عائق أمام الأهداف الكبرى.’ كاتب تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية