‘تقرير المعرفة العربي للعام 2010/ 2011’: الرباط ـ ‘القدس العربي’ ـ من الطاهر الطويل: يتجه ‘تقرير المعرفة العربي للعام 2010/ 2011’، الذي جرى تقديمه الأربعاء في الرباط، إلى مرحلة التحرك نحو إرساء الحجر الأساس في بناء مجتمع المعرفة في الوطن العربي، من خلال وضع أسس التعامل مع منهجيات وآليات إعداد الأجيال القادمة لتأهيلها للمشاركة الفاعلة في ولوج مجالات المعرفة الرحبة كمدخل من مداخل تحقيق التنمية الإنسانية المستدامة، دعما لعزة الإنسان العربي وكرامته.
ويأتي صدور هذا التقرير الضخم الواقع في حوالي 550 صفحة من الحجم الكبير، استكمالا لمسيرة الشراكة بين ‘مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم’ الإماراتية و’المكتب الإقليمي للدول العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي’. وكانت هذه الشراكة انطلقت بتقرير المعرفة العربي الأول للعام 2009، والذي أظهر العديد من النواقص والثغرات في المشهد المعرفي العربي، كما أرسى أسس التعامل مع هذه الثغرات، وفي مقدمتها توافر الإرادة السياسية وحشد الطاقات والموارد اللازمة. وتم الاعتماد بشكل كبير، على إحدى أهم التوصيات المتمثلة في بناء ‘القدرة الضرورية’ من رأسمال المال البشري المؤهل والقادر معرفيا على قيادة عمليات بناء مجتمع واقتصاد المعرفة.
وبناء على عملية التشخيص هذه، وانطلاقا من ثلاثية المعرفة والتنمية والحرية، المعتمدة في التقرير السابق، ينتقل ‘تقرير المعرفة العربي 2010/ 2011: إعداد الأجيال الناشئة لمجتمع المعرفة’ إلى مرحلة التحرك ليضعنا في لب عمليات بناء مجتمع المعرفة، من خلال التعامل مع عمليات إعداد الإنسان العربي بما يعزز فرص مشاركته الفاعلة في هذا المضمار. ويرى واضعو التقرير أن تأهيل النشء لمجتمع المعرفة يستلزم تزويده بمنظومة متكاملة من المهارات المتماشية مع متطلبات العصر، بما فيها المهارات المعرفية والوجدانية والاجتماعية. ويؤكد التقرير على أن هذه المهارات وحدها لا تكفي ما لم تقترن بمنظومة من القيم المؤطرة والضابطة التي توجه النشء إلى العمل لما فيه خير الإنسان والمجتمع. ويستكمل التقرير رؤيته للأمر بالتأكيد على ضرورة توفير البيئات التمكينية المحفزة والداعمة، بما في ذلك توفير الحريات بمفهومها الواسع، لرعاية المنظومة القيمية والمحافظة عليها ولاحتضان مهارات الأجيال الناشئة وتنميتها بما يتيح استثمارها الأمثل في عمليات بناء مجتمع المعرفة.
يتميز التقرير باشتماله على دراسات ميدانية لحالة تأهيل النشء في أربع دول عربية هي: الإمارات العربية المتحدة، الأردن، المغرب، اليمن. ويسلط الضوء في الجزء الأول على أهم المفاهيم والممارسات في إعداد النشء لمجتمع المعرفة في المنطقة العربية ككل بما في ذلك النظرة المعمقة لوضعية النظم التعليمية باعتبارها من أهم المداخل لعمليات إعداد الأجيال الناشئة، إلى جانب الأوضاع الأسرية والمجتمعية العامة. كما يقدم التقرير تحليلا موضوعيا لأوضاع البيئات التمكينية، مؤكدا الحاجة الملحة للتدخل الفاعل لقيام بيئات تمكينية محفزة للنشء ولعمليات إعداده لمجتمع المعرفة. أما الجزء الثاني من التقرير فيتضمن تقييما شاملا ومعمقا لأوضاع تأهيل النشء في كل دولة من تلك الدول، بالاستناد على الدراسات والمعلومات المتوافرة وعلى المسوحات والنشاطات الميدانية التي قام بها فريق التقرير، والمشتملة على استبيانات الطلبة والمعلمين وورش العمل التي عُقدت بمشاركة المختصين وذوي العلاقة في كل من تلك البلدان وعلى نتائج اختبارات وأدوات مبتكرة صممت خصيصا لقياس مهارات وتوجهات الطلاب، وطُبّقت لأول مرة على أسس ريادية في المنطقة العربية.
ومثلما جاء في كلمة التقديم التي تحمل توقيع الشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوب، رئيس مجلس إدارة مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، فإن هذا التقرير ـ المتفائل بطبعه ـ يقدم حلولا عملية مستنبطة من الواقع العربي، ولكنها مستندة إلى نظريات ومنهجيات التنمية الإنسانية المستدامة، موفراً لمتخذ القرار بذلك مرجعية يمكن الاستعانة بها لبناء مجتمع المعرفة. وفي السياق ذاته، جاء في كلمة أمة العليم السوسوة، الأمين العام المساعد للأمم المتحدة المدير الإقليمي لمكتب الدول العربية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أن النتائج الميدانية لأوضاع النشء وجاهزيته لولوج مجتمع المعرفة، أظهرت العديد من الثغرات التي يجب التعامل معها إن أردنا فعلا التقدم نحو مجتمع المعرفة. إن التحدي كبير وعلينا مجابهته ـ تضيف الجهة الشريكة في المشروع، معربة عن أملها في أن تعين نتائج هذا التقرير صانع القرير وذوي العلاقة في الدول الأربع موضوع الدراسة وفي المنطقة العربية بشكل عام على تلمس واعتماد السياسات والحلول المطلوبة، من أجل بناء مجتمع المعرفة كخطوة أولى في سبيل تحقيق النهضة العربية المنشودة.
حالة المغربخلال الجلسة الافتتاحية المخصصة لعرض التقرير ‘حالة المغرب’، أثنى محمد الوفا، وزير التربية الوطنية المغربي، على الدور الذي تقوم به مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم في تشجيع المعرفة، معتبرا أن العملية التربوية الرامية إلى الارتقاء بالنشء هي منظومة متكاملة تشمل بجانب المدرسة البيت والمجتمع. كما أكد على عدد من المرتكزات الضرورية لإشاعة المعرفة وتنمية القدرات العقلية الخلاقة في الوطن العربي، ومن بينها الديمقراطية والحرية والعدالة وجودة التعليم. وفي الإطار نفسه، تحدث الدكتور غيث حمدي فريز، مدير تقرير المعرفة العربي، على أهمية تقوية الرأسمال البشري في مجال التعليم ودعم ثقافة المشاركة وتطوير ظروف تلقي المعرفة. ومن جهته، أوضح عادل راشد الشارد، نائب رئيس مجلس إدارة مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، أن أهمية ‘تقرير المعرفة العربي’ تنبع من كونه أداة قابلة للتطبيق وتحمل العديد من الأرقام والإحصائيات الدقيقة حول حال التعليم في الوطن العربي، والتي تم الحصول عليها بعد عقد العديد من ورش العمل، والدراسات الميدانية المكثفة وباستخدام أساليب وآليات حديثة’ في العديد من المدارس في دول الحالة الأربع: الإمارات، المغرب، اليمن، الأردن، وذلك للوصول إلى أدق المعلومات عن مدى جاهزية النشء في دول الحالة للولوج لمجتمعات اقتصاد المعرفة. بعد الجلسة الافتتاحية، أقيمت حلقات نقاش واسعة بمشاركة نخبة واسعة من أبرز الشخصيات وقادة الفكر في المغرب، انصبت على ملامسة قضايا المهارات المطلوبة لولوج مجتمع المعرفة ومدى توافرها لدى النشء المغربي، ومقارنة نتائج التلاميذ في مجال القيم ونتائجهم في المهارات ومستقبل النشء المغربي والولوج إلى مجتمع المعرفة. وقد التقى عدد من المشاركين في إعداد التقرير ‘حالة المغرب’ في خلاصة أساسية مؤداها أن التحديات التي يواجهها هذا البلد في العديد من المستويات تستلزم منه بلورة رؤية جديدة على مستوى السياسة العامة، مؤكدين على أن ‘التحرك الإيجابي نحو بناء الأجيال القادمة وإعدادها لعمليات بناء مجتمع المعرفة وولوج أبوابه الرحبة يقتضي رصد السياسات والتوجهات القائمة ومراجعتها وتحليلها بمنهجية علمية، قصد تقويمها وتوجيهها الوجهة الإيجابية’، مضيفين أن ‘التأخر التاريخي الذي يعاني منه المغرب في مجالات متعددة قابل للتدارك إذا توافرت الإرادة السياسية المدعومة برصد الموارد اللازمة لبناء البنيات التمكينية والمؤسسات الكفيلة برعاية التطور المعرفي وجعل مكاسبه عناصر مساعدة في تحقيق التنمية الشاملة للمجتمع وضرورة وضع مشروع مجتمعي دقيق وهادف.’ ‘