بعد الخيار العسكري هيغ يحذر من القاعدة والعسكريون البريطانيون مندهشون ويقولون ما زلنا نتعلم من دروس العراقلندن ـ ‘القدس العربي’: القاعدة اوجدت موطئ قدم لها في سورية، القاعدة موجودة ولكن لا تشكل خطرا والقاعدة ليست موجودة قطعا لان الغالبية المسلمة في سورية من السنة المعتدلين ولن يسمحوا بدخولها.
هذه تحليلات ظلت تطرح كلما نوقش موضوع التدخل العسكري في سورية وتسليح المعارضة، خشية ان تقع الاسلحة في ايدي القاعدة، ومن خلالها بررت السعودية منع دعاة سعوديين من جمع اموال لمساعدة السوريين اسوة بما قامت به السعودية ودول الخليج الاخرى اثناء الجهاد الافغاني في ثمانينات القرن.
ومع تطور الوضع فان الاخبار ‘السيئة’ للغرب ان القاعدة فعلا موجودة حسب تصريحات وزير الخارجية البريطاني ويليام هيغ الذي تحدث فيها عن خطر القاعدة وبنفس الوقت شجب افعال النظام الذي يستخدم الطائرات والاطفال دروعا بشرية حسب مسؤولي الامم المتحدة.
موجودةفبحسب التقييمات الامنية التي قامت بها الاجهزة الاستخباراتية البريطانية فقد اظهرت وجودا لتنظيم القاعدة، واخبر هيغ مجلس العموم ان الحكومة البريطانية تعتقد ان القاعدة او تنظيمات مرتبطة بها قد ارتكبت افعال عنف ولم يقدم الوزير البريطاني اية ادلة، وتؤكد تصريحاته ما سبق وتحدث الامريكيون عن اشارات لدخول تنظيم القاعدة خاصة ان زعيم التنظيم، ايمن الظواهري دعا اتباعه في كل انحاء العالم لمساعدة ‘اخوانهم’ السوريين. وتأتي تصريحات هيغ هذه بعد ان وصف الوضع في سورية انه بات يشبه البوسنة ولم يستبعد حلا عسكريا للازمة.
وقد اثارت تصريحاته دهشة العسكريين البريطانيين الذين تعجبوا من توقيتها خاصة ان بريطانيا ما زالت تتعلم من دروس الحرب الكارثية في العراق والمهمة التي لم تنجز في افغانستان. ويرى محللون ان وضع جنود على الارض في منطقة متفجرة فيه الكثير من المخاطر وسيؤدي الى مقتل الكثيرين، فالعملية ان قام بها الناتو او غيره ستكون مكلفة بشريا. وعندما يتحدث ويليام هيغ عن الخيار العسكري فانه ينسى الكلفة المادية للمهمة، ففي حالة ليبيا تكفلت دول عربية بدفع الجزء الاكبر من الميزانية، لكن في الحالة السورية فقدرة بريطانيا على دفع الفاتورة ستكون متأثرة بخفض ميزانيات الدفاع. ويضاف الى هذا قوة الدفاع الجوي السوري، فقد ظل الناتو يقصف الدفاعات الجوية الليبية الفقيرة لمدة اشهر قبل ان ينهي النظام، وفي حالة سورية ستكون المهمة اصعب. واشارت صحيفة ‘اندبندنت’ الى اجتماع عقد في معهد الخدمات المتحدة ـ روسي – الذي ناقش فيه عسكريون مستقبل الحروب البرية وقدرة الجيش البريطاني على التعامل معها، وناقش المجتمعون الدرس العراقي والافغاني حيث قالوا ان الوقت الآن وقت التفكير وليس وقت ارسال فرق حربية الى بلاد بعيدة. ولم يشر اي من المجتمعين الى ضرورة ارسال بريطانيا قواتها الى سورية. وقال التقرير ان الكثير من القادة العسكريين عبروا عن دهشتهم عندما لم يستبعد هيغ الخيار العسكري في سورية في وقت ينتظر اكثر من اربعة الاف جندي ابلاغ انهاء الخدمة. ففي الوقت الذي ارسلت فيه بريطانيا 12 الف جندي للبوسنة التي يقول هيغ ان الحرب التي حدثت فيها باتت تشبه ما يحدث في سورية، فيما لا يزال 9500 جندي في افغانستان فان التزام بريطانيا في حرب جديدة امر مستبعد. وبعيدا عن الاعتبارات العسكرية يقول جنرال بريطاني شارك في حرب العراق ان ما يمنع حدوث التدخل هو غياب الارادة السياسية كما حدث في العراق وافغانستان وليبيا التي صدر بشأنها قرار من مجلس الامن. ويضيف ان الجيش البريطاني لا يزال في افغانستان ولا يعرف احد ما ستؤول اليه الاوضاع في ليبيا، وتساءل هل من الحكمة الدخول في حملة عسكرية جديدة.
ونقل عن القائد السابق للبحرية البريطانية الادميرال سير آلان ويست قوله ان ارسال قوات لسورية سيكون الخيار الاسوأ لان دخول قوات غربية الى سورية التي تعاني من حرب اهلية طائفية الطابع لن يؤدي الا لاشعال النار في الحرب المستعرة. وربط التدخل ان حصل وان استطاع الاوروبيون تنفيذه بالمساعدة الامريكية التي يقول انها لن تأتي لان امريكا لا تريد ان تضع قدمها في حرب جديدة. وعلق الجنرال سير مايك جاكسون الذي قاد قوات الناتو في كوسوفو ان اصوات التدخل العسكري هي ذات طابع سياسي لممارسة الضغط كلما حدثت مجزرة.
ولكنه دعا للحذر حيث قال ان بريطانيا ليست قادرة على التدخل وحدها وان حصل فيجب ان يتم ضمن قوة دولية. ونقل عن العميد بن باري الذي عمل في البوسنة ولديه خبرة واسعة هناك قوله ان هناك ملامح الشبه اقل من الفروق ففي البلقان قامت الاطراف الثلاثة في الحرب بانشاء جيوش من الجيش اليوغسلافي القديم وهذا ليس موجودا في سورية، كما حذر من امكانية قيام اسرائيل بضرب المنشآت النووية الايرانية مما يعني ان الوقت ليس وقت التدخل العسكري. ولا يستبعد الكثير من العسكريين خسائر كبيرة ان حدث التدخل، فالنظام الجوي السوري قوي ومتقدم، ففي حالة ارسال طائرات تورنيدو فهناك امكانية اسقاط بعضها الا في حالة استخدام الطائرات العسكرية الامريكية.
اهمية المنطقة الامنة لكن ‘التايمز’ ترى في افتتاحيتها الرئيسية ‘اشباح البلقان’ قائلة ان قوات الاسد لا تزال تواجه المعارضة بالمعدات الثقيلة من اجل سحقها وترجيح ميزان الكفة لصالح النظام، واشارت الى ان تلكؤ الغرب في التعامل مع الازمة البوسنوية، وترى الصحيفة ان الضغط كي يرحل الاسد ليست دعوة مفتوحة لتغيير النظام، ولكنها نابعة من حاجة انسانية كي يتوقف القتل. كما ان السوريين يبحثون عن الوسائل للدفاع عن انفسهم ومن خلال تزويدهم بالاسلحة الثقيلة، وانشاء منطقة آمنة على الحدود وعزل نظام الاسد فسيكون الغرب قادرا على منع انتشار العنف وخروجه من سورية الى الجيران.
وفي غياب الحل العسكري فالسؤال المطروح منذ الازمة هو كيف نتخلص من الاسد على الرغم من الدعم الروسي والايراني له، هل هناك طريقة ما لاخراجه من السلطة؟
استراتيجية الاسدوفي مشاركة في النقاش كتب المحلل المعروف في مجلة ‘تايم’ الامريكية فريد زكريا مقالا طرح فيه سؤالا عن استراتيجية الرئيس السوري بشار الاسد، حيث قال هل يقوم نظام الاسد الشرس بتطبيق فكرة ان القمع يعمل من اجل سحق المعارضة، مشيرا الى ان مجزرة الحولة هي مثال اخر على استخدام هذه الاستراتيجية التي لا تقدم تنازلا. وبحسب تفكير النظام السوري فان ينظر ويتعلم مما حدث في كل من ليبيا ومصر، حيث ابدى كل من حسني مبارك ومعمر القذافي ترددا ادى لزرع الشك في نفوس مؤيديهم وتقوية معارضيه. وفي ضوء فشل خطة عنان المحتوم والتي تقوم على التفاوض حول رحيله اي الاسد، يدعو زكريا امريكا واوروبا والمجتمع المتحضر للعمل على تنحية الاسد، ولكن كيف؟ هل هناك طريقة ذكية للتخلص منه. ويرى ان التدخل العسكري ولاسباب عدة مستبعد، لان سورية ليست مثل ليبيا كبيرة المساحة والتي تمنح المقاتلين الفرصة للتراجع والتزود بالسلاح، فمساحة سورية لا تساوي الا عشر مساحة ليبيا، ومع ذلك فكثافتها السكانية اكبر من ليبيا بأضعاف. اضافة الى ذلك فالمقاومة السورية لم تستطع لحد الآن السيطرة على مناطق كما فعلت المعارضة الليبية التي سيطرت على منطقة الشرق ومناطق الجبال في الغرب. ويضيف الكاتب اسبابا اخرى وهي ان غالبية السكان في سورية يعيشون في المدن مثل العاصمة دمشق وحلب وغالبية هذه المدن لا تزال تحت سيطرة النظام مع ان المعارضة تؤكد انها ستنقل المعركة لدمشق وتقول انها تسيطر على مناطق خارج دمشق وتتحدث عن احتجاجات واسعة في احياء العاصمة، لكن هذه النشاطات ليست كافية لاسقاط النظام.
واهم معضلة تواجهها الازمة السورية هي معضلة المعارضة التي اتفقت اخيرا على تعيين معارض كردي رئيسا للمجلس الوطني السوري الذي ظل اعضاؤه يتقاتلون اكثر مما يعملون وهذا الوضع ادى الى تجاذبات وانشقاقات واستقالات داخل المجلس، لاسباب كثيرة، منها سيطرة هذا التيار او ذاك وغياب الشفافية. غياب الاجماعوما يجعل التدخل العسكري خيارا غير جذاب هو غياب الاجماع الدولي في حالة ليبيا نظرا لعلاقة روسيا وايران مع النظام، وهذا يعني كما يقول زكريا والبيت الابيض حربا بالوكالة بين ايران وحلفاء امريكا في المنطقة يدعم ويسلح كل طرف طرفا في الازمة السورية وهذا يعني حربا اهلية. فالحرب في سورية ستكون نسخة عن الحرب اللبنانية التي حصدت 150 الف قتيل خلال 15 عاما، اكثر من الحرب على ليبيا. والعامل الاهم هو غياب الانشقاق الكامل في الحالة السورية، فلا انشقاقات واسعة من داخل الحكومة، الجيش، الامن، الاستخبارات او طبقة رجال الاعمال. اضافة لنجاح النظام لابقاء الاقليات الى جانبه اما بالتهديد او الترغيب والرشوة، وبالنسبة للاقلية العلوية فانها تعرف انها ستتعرض للذبح حالة انهيار النظام. وفي غياب كل الخيارات فما هي الطريقة الذكية التي يقترحها زكريا، يرى ان العامل الاقتصادي هو كعب اخيل للنظام، فاستمرار الحظر والعقوبات الدولية المشددة سيفقد النظام قدرته على المواصلة وسيؤدي لانهيار النظام خاصة ان سورية دولة ليست نفطية ونقص المال والموارد سيؤدي اما الى انهيار كامل للنظام، او تفاوض لخروج آمن لرأس النظام.
ومن هنا يرى ان استراتيجية باراك اوباما في التعامل مع الازمة السورية هي في الاتجاه الصحيح وان العمل المشترك مع عدد كبير من الحلفاء كفيل بنجاح الاستراتيجية، وحتى وان لم تنجح الادارة بجلب روسيا الى التحالف ضد الاسد فعلى الادارة مواصلة الضغط على موسكو ان تخفف من معارضتها من العقوبات وفي النهاية فان روسيا ستتخلى عن حليفها الاستراتيجي الاسد في اللحظة الذي تراه فيها انه راحل لا محالة.