الربيع يُجفّفُ المنبر أم يزيده اخضراراً ؟

حجم الخط
0

علي الزهيري’حاصر حصارك لا مفرُّ..’، ‘تقدّموا تقدّموا فكلُّ أرض تحتكم جهنّمُ..’، ‘إنّي اخترتكَ يا وطني حبّاً وطواعية’، ‘أمتي هل لك بين الأمم.. منبرٌ للسيف أو للقلم؟’، ‘ما للعروبـةِ تبدو مثل أرملةٍ؟ أليسَ في كتبِ التاريخِ أفراحُ؟’… عشرات السنوات مرّت وصدى هذه الكلمات لا يزال عالقاً في عقولنا وقلوبنا، لازلنا نسمعها مغنّاةً، أو بصوتِ شاعرها في وسائل الإعلام، ولايزال أطفالنا يتعلّمونها في كتبهم المدرسية، ويحفظونها ويردّدونها في الإذاعة المدرسية، حيثُ ترسّختْ هذه العبارات وتراكمت إلى أن أصبحت دليلاً على الشعر وتعريفاً واضحاً له، نحفظُ مناسباتها، وأحاسيسها وأحاسيس المرحلة التي وثّقتها بطريقتها، هذه في حصار بيروت وتلك في الانتفاضة وأخرى في دمشق وما أكثر ما قيل على شاكلتها وردّدها الناس ومنها ما صار نشيداً وطنياً أو شعبياً يُذكّرُ سامعها بتاريخ بلاده وأمّته.

بعيداً عن الصراعات الطويلة التي دارت في الأوساط الثقافية بين النقاد والشعراء حول التقليد والحداثة وإيجابيات وسلبيات كلّ منهما من حيث التصنيف والشكل الخارجي والداخلي والايقاع والسرد والايجاز واللغة ومقتضياتها وما إلى ذلك، فالقصيدة الحديثة وجدت لنفسها مكاناً الآن بين أشكال الشعر وما زالت تناضل كي تحصل على حصة أكبر ابتداءً بعصر النهضة وتأثّر الشعراء العرب بأقرانهم الغربيين وانتهاءً بأيامنا هذه مروراً بشعر التفعيلة والشعر المرسل، حيث اتخذت القصيدة أنماطاً ومواضيع أخرى لم يكن متعارفاً عليها من قبل في الشعر العربي وأخذ صوت القصيدة المباشرة يخفت كلّما اقتربنا من زماننا هذا وشيئاً فشيئاً أخذت القصيدة الايحائية والرمزية تحلّ محلّها واخذت الذائقة الخاصة والعامة بدورهما تتأقلمان مع هذا التغير.

لا نستطيعُ أن ننكر أنَّ الرغبة في التجديد، والطبيعة البشرية التوّاقة إلى الانفلات من طوق الروتين والتبعية لها دورها في كلّ مستجدٍّ يطرأ، إلا أنّ للمرحلة والبيئة المحيطة دورهما أيضاً، وما دفع هؤلاء الشعراء وغيرهم الكثير إلى التوجّه نحو المنبر والقصيدة الصارخة والصاخبة بالرصاص والطائرات والمدافع هو ما يحدث حولهم، وما يعايشونه في حياتهم اليومية. وعلى الرغم من استمرار الصراع والحروب في بعض البقاع العربية إلا أنّ القصيدة لم تتوقّف عند ذلك واستمرّت عملية التبلور وازداد الغموض والرمز واتضحتْ بصمة الأسطورة أكثر، وهنا يظهر دور الرغبة بالتجديد وكسر الروتين ولكنّ السؤال الذي يقفز إلى أذهاننا الآن وخاصةً في ظلّ ما تعيشه الشعوب العربية مؤخراً في ربيعها العربي.. هل ستعود القصيدة إلى المنبر كما كانت؟ أم أنَّ وسيلة التعبير وأدواته ستختلف الآن؟

الشارع يغلي هذه الأيام، والشعوبُ تلقي بما تراكم في دواخلها، تطرّزه على اللافتات، والهتاف يتعالى، والمشهدُ ليس خالياً من اللون الأحمر بكلّ دلالاته، والحرية مقصد تحج الشعوب إليه، كما أنَّ انتشار وسائل الاعلام وسهولة الوصول إليها ساعد في انتشار حمّى الحرية بين هذه الشعوب وحين لا ننسى أنّ الشاعر ابن الشارع ووليده ننتبه إلى ما قد يصيبه من هذه الثورة من تغيرات وما يترتب عليها وبالتالي يصيبُ قصيدته ويجنحُ بها عن الغموض والهدوء إلى الوضوح والصخب. إذاً ربّما تعودُ القصيدة الصارخة إلى الساحة مرّة أخرى، وربّما يجدُ الشاعرُ طريقة ما ليصرخَ في وجه الأحداث دون أن يرفع صوته، وبدلاً من أن يزرعَ الشاعرُ الألغام في بطن قصيدته، قد يبني سوراً حولها أو متاهة تجعلُ الوصول إليها أمراً شاقاً يحتاجُ إلى لياقةٍ من القارئ.

إنّ اختلاف الذائقة الشعرية وتعدّدها قد يجعل الخوض في هذا الأمر شائكاً وخاصةً أنَّ القصيدة لا تزال مخضرمةً، أو أنَّ القرّاء مخضرمون، أيّ لا يزال على قيد الحياة جيلٌ ممن عاشر القصيدتين الكلاسيكية والحديثة وشهدَ ما مرّت به القصيدة الحديثة من أطوار. فلو بحثنا بحثاً بسيطاً سنجد أنّ جمهور الشعر في العالم العربي ينقسمُ إلى ثلاث فئات، الفئة الأولى: الذين يتمسّكون بالقصيدة الأصيلة ولا يرون بديلاً عنها بوضوحها وشعبيتها ويرون أنّ الشعر لابدّ أن يكون مفهوماً للجميع كما اعتادوا عليه لدى المتنبي وشوقي وغيرهما. والفئة الثانية: الذين يرون أنَّ القصيدة الكلاسيكية ولّى زمانها ولم يعد لها مكانٌ الآن وبما أنّ العالم يتطوّر وجب على الشعر أن يتطوّر أيضاً شكلاً ومضموناً. أمّا الفئة الثالثة: فهم بين بين، لا يُلقون بالاً لشكل القصيدة وأسلوبها بل ما يهمهم هو الجميل من الشعر فقط.

ومن هنا نستطيعُ القول انّ الشعراء ينتمون إلى إحدى هذه الفئات بلا شك، وستتغيّر ميولهم وقصائدهم طبقاً للمتغيرات التي تضع يديها على جمهور الشعر، وبناءً على هذا يُصبح التحوّلُ أمراً عاماً لا خاصاً ولو حاول الشاعرُ أن يَخرجَ فجأة عن السائد فإنّه سيصطدم بالواقع أو على الأقل سيصطدم بنفسه، وسيجدُ نفسه غريباً عن المألوف ونظرةٌ واحدة عبر التاريخ كفيلةٌ بأن تكشف نسبة الذين استطاعوا البقاء على مواقفهم الشعرية واستمروا في طريقهم رغم العقبات التي تصنعها بيئتهم، وربما يكونون هم الذين بنوا القصيدة لبنة تلو الأخرى ببطء شديد حتى استطاعت أن تأخذ شكلها الحالي. فمثلاً لو أنّ’بشار بن برد -الذي كان آخر القدماء وأول المحدثين- أو أبو نواس – الذي تمرد على نهج القصيدة – أو أبو تمام – صاحب الثورة الفعلية على عمود الشعر – توقّفوا عند قصيدة عصرهم لما وصلت إلينا بهذه الحُلة، ومن خلال هذه النظرة نستطيعُ أن نرى أيضاً أنَّ تطوّر القصيدة ليس تخاذلاً أو هروباً، ولا بقاؤها استسلاما للماضي وتوقّفا عند رغبة شعرائه وأنصاره فكما أنَّ اللون الأحمر الذي يدلُّ على الدمّ هو ذاته الذي يدلُّ على الحبّ أيضاً، فإنّ القصيدة الحديثة امتدادٌ وثباتٌ للجذر وحياة للغصن فهي نص ظهر ليعبّر عن حالة ثورة وابداع وحرية، فيها يتصارع الدال مع المدلول عليه ويتحرك الخيال بجوهر الايحاء.

والأيام القادمة ستكون الفيصل بالتأكيد، فقد نعود إلى المنبر والوضوح وقد نوغلُ أكثر في الغموض والرمز، وربما سيظهرُ فيها نوعٌ جديد من الشِّعر لم يسبق لنا كتابته تماشياً مع ما هو جديد في الشارع العربي من ثورات وأحداث تنبىء بمستقبلٍ أفضل.*شاعر فلسطيني مقيم في عمّان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية