عبد الحميد صيام’إذا فاز مرسي فسيقوم الجيش بانقلاب عسكري وإذا فاز شفيق ستنفجر الثورة الشعبية مرة أخرى ولكن بطريقة أعنف’، هذا ما قالته لي زميلة صحافية مصرية تعمل في مجال الصحافة المرئية لأكثر من عقدين. قلت لها أختلف معك في الخيارين وما أراه يجري الآن في مصر شبيه بما كان يجري في تركيا لغاية عام 2002 حيث كان الجيش سيد الموقف. لقد سمح بشيء من الديمقراطية المنضبطة على بوصلته. يراقب العملية بكل دقة وحذر ويتدخل في اللحظة المناسبة لتصحيح الأوضاع كلما أحس بخروج عربات القطار عن السكة المرسومة لمساره. فكيف وصلت الأمور إلى هذا المنعطف التاريخي الخطير؟ الانتخابات الرئاسية- كالمستجير من الرمضاء بالنارنتفق الآن على أن قسما أساسيا من الشعب المصري مقدم على انتخابات رئاسية غير مقتنع بها، إذ إنه يشعر أن الاختيار سيكون بين السيء والأسوأ وأن الطرفين المتنافسين ليسا من صنع ثورة 25 يناير بل من سيقطف ثمارها دون وجه حق. ومن الواضح أيضا أن اللوم كل اللوم يلقى على كاهل المجلس العسكري الذي أدار شؤون البلاد بعد الإطاحة برأس النظام السابق بطريقة خفية توحي بأن صفقة ما تم حبكها بين المجلس وحركة الإخوان المسلمين تضمن مصالح الطرفين.
فبعد صدور الأحكام السياسية الأخيرة بالسجن المؤبد للعجوزين غير المكترثين بالتأبيدة لتقدم السن بهما، حسني مبارك (84 سنة) وحبيب العادلي (74 سنة)، وتبرئة القتلة الحقيقيين والمجرمين الذي نهبوا البلاد وأهانوا الشعب المصري بكل فئاته وما زالوا في عمر الشباب، إتضحت اللعبة تماما وانكشف المجلس العسكري ودوره المشبوه في الالتفاف على الثورة والثوار والعمل على إعادة إنتاج نظام مبارك مع إدخال بعض الأصباغ التجميلية كخيار أول أو تسليم البلاد بكاملها لحركة الإخوان المسليمن الذين سيطروا على المجلسين في الانتخابات التشريعية ولم يبق أمامهم إلا مؤسسة الرئاسة لتكتمل حلقات إجهاض الثورة تماما. إذن لم تعد لعبة المجلس العسكري بحاجة إلى كثير من الذكاء لقراءة خطوطها، بل أصبحت مكشوفة رعناء تثير الأعصاب قبل أن تثير الدهشة. المجلس العسكري يريد أن يبقى سيد الموقف والمتحكم في كل ما يجري في مصر ما بعد الثورة. ولقد إستطاع أن ينسج تحالفا غير معلن مع جماعة الإخوان حول تقاسم السلطة وكي تبقى الأمور منضبطة لخطة محكمة تنكشف فصولها الواحد تلو الآخر.
إن تأخير كتابة الدستور إلى ما بعد الا نتخابات التشريعية والرئاسية أمر غريب ومشبوه. أليس الدستور هو الذي يحدد صلاحيات الرئيس والبرلمان ومجلس الشورى وبقية المؤسسات وفصل السلطات ويحدد نظام المساءلة ويبعد العسكر عن السياسية؟ إلا أن إصرار المجلس العسكري على استعجال الانتخابات تبين لنا فيما بعد أنها خطوة مدروسة تماما لسببين. أولا عدم إعطاء شباب الثورة فرصة تنظيم أنفسهم في حزب واحد أو إثنين كي يشكلو تحديا حقيقيا للمجموعتين القائمتين والأكثر تنظيما وإمكانيات وهما: جماعة الإخوان المسلمين وفلول النظام السابق الذين حافظوا إلى حد كبير على هياكلهم، من جهة، ومن جهة أخرى كي يبقى المجلس العسكري سيد الموقف يقرر كل صغيرة وكبيرة في البلاد ويعزز القناعة لدى الشعب بأنه هو حامي الدولة والثورة معا.
إن عملية ترميم أحمد شفيق أحد رموز نظام الحكم المخلوع لا يمكن أن يتم لولا التفاهم الذي تم نسجه على نار هادئة بين الإخوان والمجلس العسكري وإلا كيف يعقل أن يطبق قرار منع الترشح لرموز النظام السابق في العشر سنوات الأخيرة تحت قرار العزل الذي اعتمده البرلمان والذي شمل أحمد شفيق كما شمل عمر سليمان. لكن أحمد شفيق تم إستثناؤه فورا دون إعتراض من مجلس الشعب الذي يسيطر عليه حزب الحرية والعدالة وحزب النور السلفي، مما يشير بوضوح إلى التفاهم الضمني بين الطرفين.
تركيا أم الجزائر؟
هذه المواقف ليست جديدة على العسكر لا في مصر ولا في غيرها. فبين الديمقراطية والعسكر عداوة تاريخية كتبنا عنها في مقال سابق بالتفصيل. فالعسكر تاريخيا يكرهون النظام الديمقراطي الحقيقي لأنه يخضع العسكر لسلطة القانون بينما يفضلون أن يبقوا فوق القانون، ولأن قرار السلم والحرب يخرج من أيديهم ويوضع في أيدي المدنيين المنتخبين ولأن النظام الديمقراطي يبعد العسكر عن السياسة ويحصر دورهم في الدفاع عن الوطن. وفي كل دول العالم النامي يحاول العسكر أن يلعبوا دورا أساسيا في السياسة مرة بشكل صريح ومكشوف كما هو الحال في معظم الدول العربية ومرات بشكل ملتو ومغطى من قبل شبكات معقدة تختبئ تحت عباءة الديمقراطية لكنها تبقى منضبطة لإرادة العسكر كما كان الحال في كثير من دول أمريكا اللاتينية. ويستحضرني هنا مثلان قريبان منا هما عسكر تركيا منذ قيام الجمهورية عام 1924 ولغاية 2002 وعسكر الجزائر منذ الاستقلال (1962) ولغاية هذا اليوم.
في تركيا بقي الجيش يتحكم في أمور البلاد منصبا نفسه حاميا للدولة العلمانية ومحيطا نفسه بالمحكمة الدستورية العليا التي ظلت في حالة تنسيق دائم مع قيادة الجيش. وقد قام الجيش التركي منذ قيام الجمهورية بأربعة انقلابات في الأعوام 1960 و 1971 و 1980 وأخيرا عام 1997. والشيء المشترك في كل تلك الانقلابات أنها ألغت انتخابات ليس على مقاسها واتهمت القيادة السياسية بأنها خرجت على علمانية الدولة وأطاحت بها حتى ولو كانت منتخبة ومدعومة من الجيش. في انقلاب 1971 تعمد الجيش أن يترك الصراع بين اليمين واليسار يتفاقم كي يخلق المبرر الموضوعي للتدخل ويلقى ذلك التدخل إستحسان الجماهير. وهو ما حدث بالضبط حيث توقف العنف وتنفس الناس الصعداء وظل الجيش يحكم البلاد عن طريق مجلس الأمن القومي لمدة ثلاث سنين. وفي انقلاب 1980 حل الجيش البرلمان وفرض الأحكام العرفية وعطل الدستور وحل جميع الأحزاب السياسية بحجة حماية علمانية الدولة ووقف النعرات الدينية المتطرفة والشيوعية والفاشية. كان آخر تلك الانقلابات موجها ضد حكومة نجم الدين أربكان رئيس حزب الرفاه ذي التوجه الإسلامي الذي انتخب عام 1996 واضطر تحت ضغط العسكر الاستقالة في 18 حزيران (يوينو)1997. ثم أكملت المحكمة الدستورية المهمة بإصدار قرار يمنع السيد أربكان من التعاطي بالسياسة كما قررت حل حزب الرفاه الذي اتهمته بمحاولة أسلمة المجتمع التركي. وبقيت الأمور معلقة لغاية انتخابات 2002 والتي أوصلت حزب العدالة والتنمية المنبثق من رحم حزب الرفاه إلى سدة الرئاسة ورئاسة الوزراء والأغلبية البرلمانية لتشهد تركيا مرحلة جديدة من الديمقراطية المستقرة تم فيها إخضاع المحكمة الدستورية والجيش للسلطة المنتخبة، بل وتم محاكمة ستة من قادة انقلاب 1997 بمن فيهم رؤساء القوات الجوية والأرضية وقائد المخابرات. ولكم أن تتصوروا منظر الشرطة عام 2010 تصطحب كبار الجنرالات مقيدي الأيدي وتودعهم السجن بحجة الانقلاب على الديمقراطية وهو أمر أشبه بالخيال العلمي قبل عقد من الزمان.
أما المثل الثاني فهو الجيش الجزائري الذي بقي يحكم مباشرة لغاية 1989 عندما قام الرئيس الشاذلي بن جديد، وهو عسكري سابق، بتغيير الدستور والسماح بالتعددية السياسية إستجابة للمظاهرات العارمة التي شملت البلاد عام 1988 وسقط ضحيتها أكثر من 1000 قتيل. أجريت انتخابات المجالس المحلية عام 1991 وفازت فيها جبهة الإنقاذ الإسلامي بمعظم المقاعد ثم اكتسحت الانتخابات البرلمانية في كانون الأول (ديسمبر) من نفس العام، فقام الجيش بانقلابه الدموي في شهر كانون الثاني (يناير) 1992 والذي أدخل البلاد أتون الحرب الدموية التي أستمرت أكثر من عشر سنوات حصدت مئات الألوف من خيرة أبناء الشعب الجزائري وتركت بصماتها على المجتمع لغاية هذه اللحظة. منذ ذلك الانقلاب الدموي ولغاية الآن والجيش يتحكم في البلاد لا على الطريقة التركية فحسب بل باستخدام العنف المفرط إذا لزم الأمر. فقد أحضر الجيش السيد محمد بوضياف من منفاه الطوعي في المغرب في 14 كانون الثاني (يناير) 1992 ونصبوه رئيسا وعندما حاول أن يكون رئيسا حقيقيا مستقلا عن إرادة الجيش أردوه قتيلا في 29 حزيران (يونيو) من نفس العام. ومع مقتل بو ضياف أصبحت الرسالة واضحة لكل رئيس قادم: الجيش يحكم والرئيس ‘طرطور’ يحتفظ بمنصبه إذا التزم بالنص المكتوب. وسيقوم الجيش بالاحتفاظ به حتى لو أن الدستور ينص على تجديد ولاية الرئيس مرة واحدة، فلا بأس، يستطيع العسكر تغيير الدستور على هواهم ما دام الرئيس يعرف حجمه وموقعه ودوره كما فعل السيد عبد العزيز بو تفليقة الذي يخدم الآن دورته الثالثة. قلت لمحدثتي: إذا كان لا بد من الاختيار بين النموذجين التركي أو الجزائري، فنتمنى على مؤسسة الجيش المصري أن تبتعد عن النموذج الجزائري. كلاهما سيء لكن النموذج التركي أوصل البلاد إلى الديمقراطية المستقرة صحيح بعد عقود طويلة لكن النموذج الجزائري أوصل البلاد إلى حرب أهلية وسلسة من المجازر لم تتعاف الجزائر بعد من أعراضها.’ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك