م . معاذ فراج كـنـت أتابـع وبـشـغـف كبير ذلك الحوار الناري الذي أجراه أحد الإعلاميين العرب مع الأسترالي أسانج مؤسس موقع ويكيليكس الشهير، كان المذيع كعادته يريد استباق جميع الأحداث، ويحاول انتزاع تصريح منه ولو كان مقداره نصف كلمة، عما بقي في جعبة أسانج ومعاونيه من فضائح، فضائحٌ ما زال العالم يعيش ضجتها، ويضع قلبه متخوفا مترقبا من البقية الباقية منها .لما انتهى اللقاء قمت فانبطحت على سريري، وصوبت بصري نحو ذلك المصباح الخافت المعلق فوق رأسي، في محاولة يائسة بائسة للنوم، لكن جميع محاولاتي باءت بالفشل، وبدلا من ذلك، بقيت طوال الليل أستعيد مجريات ذلك اللقاء في عقلي، وأقلبه وأطبخه على مهل في ذاكرتي، بعدها توقفت… ثم ضحكت … ضحكت حين تخيلت بأن فضائحي ستنشر يوما ما على موقع: ويكيليكس حياتي .ويكيليكس حياتي يا سادة هي باختصار مجموعة الفضائح التي ستنتج من حولي، حين تتسرب أسرار حياتي في وسطي المحيط، ولكم أن تتخيلوا كمية الأسرار الغير معلنة التي يملكها كل منا، ويخفيها أحيانا حتى عن أقرب الناس إليه، ليس يخفيها فقط، بل يظهر خلاف ما يبطن كذلك، وإن أفصح عن بعضها يوما لأحدهم، حاول أن يقلمها ويشذبها قدر المستطاع، حتى يخفف من وطئة شدتها على النفوس … نفاق أكرهنا على قبوله في قلوبنا بسبب واقع حياتنا. فأنا مثلا أحتفظ بأسرار كثيرة في حياتي وفي واقع عملي، ولا أريد أن يطلع عليها أحد، فأنا أرى بأن جاري شخص ممل مزعج، يتدخل فيما يعنيه ولا يعنيه، أمقته وأمقت تصرفاته، خصوصا حين يحدق بي مطولا كلما ولجت وكلما خرجت، وبسبب هذا كله لم أعد أكن له أي ذرة احترام، وأنـغـاظ لـدرجة الموت المؤبد حين أصادفه في المصعد، أو على باب شقتي، صدقا اقشعر بدني وأنا أكتب عنه في هذه اللحظة، لكنه ولأنه جاري الجنب، تراني أهش له وأبش، كلما لمحت طيف محياه من بعيد، وتجدني إن صادفته يوما، أو رماني حظي العاثر في مجرى طريقه، أسلم عليه بحرارة مستعرة تذيب الفولاذ، وأحيانا آخذه بالأحضان مكرها، حين يعود من سفره إلى حضره، فيا إلهي لكم أن تتخيلوا ماذا سيحدث بعد كل هذا إن قام موقع : ويكيليكسح ياتي، بنشر وثائقي السرية عن مشاعري الحقيقية تجاه جاري الممل هذا ؟ ويا ترى كيف سينظر كل منا للآخر بعدها، والله لا أدري … وعند أسانج الخبر اليقين.خذوا أيضا مثل الحاكم الغشاش مع رعيته ووطنه، والزوج الذي يخفي أسراره عن زوجته، والزوجة التي تخفي أسرارها عن زوجها، الابن يخفي أسراره عن أهله، والبنت كذلك، الأخ يفعل ذات الشيء مع أخيـه وأخـته، والمختار مع قريته، وأهل القرية مع بعضهم، والجارة مع جاراتها، والتاجر مع المشتري، والقاضي مع الضحية، ياه ياه … ما أضخم ويكيليكس حياتنا، سلسلة طويلة ممتدة من الأسرار والفضائح، ولو قدر الله واطلعنا عليها، لانفضح أمرنا، ولتغيرت مجريات حياتنا، وانقلبت رأسا فوق عقب، ولما وجدت أحدا يصافح أحدا أو يسلم عليه، ولما رأيت شخصا يحب آخر، وأظن بأن الناس ستلزم بيوتها حزينة مهمومة، تقبع داخلها طويلا بعد افتضاح أمر أسرارها، وسيختفي الناس من الطرقات والمحلات، ولن يبقى في الشارع سوى الدواب والهوام، لأنها فقط لا تتقن أصلا فن النفاق، أو نسج الأسرار وحياكتها، ولا حتى كتمانها. أخيرا … أخيرا … خلدت للنوم قبل الفجر بلحظات، ولكني قبل أن أغمض عيني، حمدت ربي ألف مرة لأن موقع : ويكيليكس حياتي، ما زال موقعا وهميا لم يؤسس بعد، وآمل أن يبقى كذلك مدى حياتي، وآمل كذلك ألا يقرأ أسانج مقالتي هذه، فمن يدري، فلعل الفكرة تروقه وتستهويه، ويفاجئنا بموقع ويكيليكس جديد، نقرأ فيه فضائح أسرارنا، وطوايا نفوسنا … حينها وحينها فقط، يمكن لي أن أصرخ بأعلى صوتي وأقول : يا خراب بيوتكم يا ناس… ‘ كاتب من الأردن