خيري منصور
ما ان فرغت من قراءة كتاب ‘الجهل المقدس’ لأولفييه روا حتى أخذتني التداعيات بعيدا عنه، ولكن انطلاقا منه، فالجهل المقدس كمصطلح متعارف عليه في الغرب هو موقف من المعرفة باعتبارها ليست شرطا لوعي الوجود بالمعنى الايديولوجي، وربما كانت عقبة في سبيل هذا الوعي، انه تفكير القلب مقابل انفعال العقل، وفق تراث طويل من ثنائية ما يسمى العقل والعاطفة، وهي ثنائية كانت مصدرا لالهام وراثي اضافة الى المساجلات الفلسفية كما في رواية جين اوستن، حيث يشتبك الحب مع الكراهية وتلتقي النقائض، لكن ليس بجدلية الليل والنهار. وان كان للجهل المقدس او الجهل كمطلب ايديولوجي دلالاته في الفلسفة الغربية، فإن هناك انماطا اخرى من الجهل، توقفنا ذات شهادة نفي عند واحد منها هو الجهل المسلّح كمقابل للجهل البريء، فالجهل المدجج بالزهو وادعاء الحقيقة لا سبيل للحوار مع من يتخندقون فيه بخلاف الجهل البريء او الجهل في درجة الصفر الذي يقبل الحوار وقد يكون مدخلا لانجاز معرفي عندما يعي الجاهل ما هو عليه.
اما النمط الذي يغرينا هذه المرة بالتوقف عند تخومه لأن المجازفة في اختراقه شبه مستحيلة فهو الجهل المدلّل الذي لا يكتفي بالتسلح والأدلجة بل يطالب العارف بالاعتذار عمّا يعرف 5 او عمّا اقترف من وعي. لأن المعرفة هنا هي مرادف الجريمة او القتل الرمزي. الجهل المدلل له شروط باهظة، منها استرضاؤه والتزلف اليه واخيرا الاحتكام الى منظومة المفاهيم التي يجسدها وفي الماضي غير البعيد كان الجهل يقترن الى حدّ ما بالخجل، فيشعر المُبتلى به عندما يرتطم بما يوقظه بالحاجة الى الخروج من المدار المغلق والخانق الذي كان سجينا فيه، وحين قال سقراط اعرف نفسك لم يقصد على الاطلاق إجهل الاخرين، لأن وعي الذات هو الطريق المعبّد لوعي الآخر واذا تحقق هذا الوعي المزدوج يكون الانسان في منجى من حماقات الاقصاء والنّبذ المتبادل كبديل ادنى للإنسان والتكامل رغم الاختلاف، لأن ديناميات الاختلاف ليست كما تصور من اساؤوا تفسيرها هي الطّرح وفق مصطلحات الرياضيات والحواسيب، بل هي جمع بامتياز، بحيث يغتني حاصل جمع المختلفين بعكس ما ينتجه المؤتلفون رغما عنهم، لأنهم عندئذ يتحولون الى مجرد قطيع لا اسماء ولا سمات لافراده لأن اي فرد منهم يحل مكان الآخر كما هو الحال في قطع الغيار.* * * * * * * * * *لا بد للجهل ان يمر بعدة اطوار قبل بلوغ الدّلال، او الزهو ومطالبة العارفين بالاسترضاء والاعتذار، والطور الأول منه تقليدي، قد يحمل اسماء عديدة منها الأميّة بالمعنى الأبجدي، او الجاهلية بمفهوم ديني، فشعراء المعلقات ليسوا حسب التصنيف الديني جهلة من حيث الوعي بالوجود والعالم، لكنهم حسب هذا التصنيف جهلة في الدين وأركانه بدءا من التوحيد، لهذا استخدم عمرو بن كلثوم مصطلح الجهل كمرادف للزهو عندما قال:
الا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهليناوالطور الثاني الذي مرّ به الجهل كان عندما بدأ يتحول الى مطلب، وضرورة لعدم افساد الفطرة، وما يسمى تفكير القلب.
لكن تلك المرحلة التي جاءت بمثابة رد فعل على التشكيك ونظرياته كما تبلور عند ديكارت، وفي المراحل الاولى من الغزالي اضافة الى ما بدأه ابن خلدون عندما قرر ان لا يقرأ روايات التاريخ على عواهنها وكأنها معصومة، فبدأ بمقارنة القرائن لترجيح رواية على أخرى. وقد تكون عبارة اللهم ارزقني ايمانا كإيمان العجائز، بمعزل عن الاشخاص الذين نسبت اليهم ملخصا بالغ الكثافة لاستبدال العقل بالقلب او الاستقراء المنطقي بالحدس، رغم ان كلمة العجائز في تلك العبارة تشير الى زمن لم يكن فيه الطاعنون في السنّ شغوفين بالمعرفة، رغم ان الزمن تبدل واصبح عجائز عصرنا من فلاسفة ومبدعين هم الاكثر نزوعا الى التأمل.* * * * * * * * * *أعلى مراحل الجهل ان كان له مراتب لا يعني أدنى مراحل المعرفة، لأن ما بين الاثنين ليس منطقة لمبو كما سماها دانتي في كوميدياه الالهية بين الجنة والنار، ولا هي منطقة الاعراف في ادبياتنا الدينية، لأن مجرد وعي الكائن لجهله هو شروع في الخروج منه، والجهل المدلل كما هو الحال الآن رغم تعدد مصادر المعرفة وسهولة التواصل معها الكترونيا، تحرر تماما من الخجل، لا بمعناه الاخلاقي المتداول، بل بذلك المعنى الذي كتب عنه ماركس عن هذه الخاصية الآدمية، لهذا فهو جهل مكتفٍ بذاته، ويوشك ان يكون معرفة مضادة، تماما كما ان الوعي السالب هو المضاد للوعي المفار ق للسائد.
الجهل المدلّل يستمد شجاعته وصوته الجهوري واتساع عينيه بدلا من انكسارهما من مناخات مبثوثة بقوة داخل مجتمع ما، فهو يشعر اولا بأنه الاكثرية الساحقة، لهذا له الحق في الاحتكار والإقصاء وفرض نماذجه للقياس، لهذا أصبح العارف هو الخجول مما يعرف، بل الهامشي المنبوذ، وعليه لكي يعيش ان يتأقلم مع هذا السائد المسلّح وذي الشرعية الملفّقة من الكثرة والقوة.
تبدأ المسألة بالتواطؤ مع الجهل المدلل درءا للشر، ثم تتحول الى افتعال الجهل طلبا للقبول في النادي.
وأخيرا تتحول حكاية نهر الجنون الى واقع من لحم ودم ولا يجد العارف من سبيل أمامه ليواصل الحياة الا ان يشرب من هذا النهر، وقد يكون كتاب ‘القرد العاري’ لديزموند موريس أفضل إضاءة لهذه الظاهرة الغائمة، فمن يحاول تقزيم قامته وتخنيث صوته واحناء ظهره امام المسؤول عن لقمة عيشه يفعل ذلك على سبيل الاسترضاء، بل هناك ما هو اكثر من ذلك بحيث يضحك حتى البكاء على نكتة شاحبة وثقيلة الدم لهذا المسؤول استرضاء للجهل المدّلل.
ومن يخفي ثلاثة ارباع ثقافته على الأقل حتى لو كانت تراكمية ومعلوماتية وليست وعيا امام جاهل يملك الحول والقوة هو الآن نموذج شبه سائد بعد ان كان لزمن طويل مجرد استثناء.
هكذا ورطنا التاريخ الغاشم في الفترات التي اصابته بالعمى بثلاثة أنماط على الاقل من الجهل:
اولها البريء الذي لم يعش طويلا ومات بالسّكتة الاخلاقية.
وثانيهما الذي تحوّل الى مطلب لحراسة الايديولوجيا من التأمل وبالتالي الشكوك.
وثالثهما هذا المدلل الذي استبدل الخجل بالزهو والهمس بالصراخ ولا يليق به غير مَثَل عربي شعبي هو( فوق حَقّه دقّه).