من ‘ سي بي سي’.. للجزيرة مباشر.. وقائع ما جرى في يوم الفصل

حجم الخط
0

سليم عزوز

فلما كان يوم الخميس الموافق 24 من رجب سنة 1433 هجرية، 14 من شهر يونيو سنة 2012 من مولد السيد المسيح، السابع من بؤونة سنة 1728، وهو يوم ‘الفصل’ كما جاء في عناوين الصحف المصرية الصادرة في هذا اليوم، فقد جلست أمام شاشات التلفاز، أتنقل بينها، ليستقر به المطاف عقب كل جولة فضائية ‘على الجزيرة مباشر مصر’، التي أشاهدها فيستقر في وجداني ان التلفزيون المصري ليس هو الأسوأ على الإطلاق كما كنت اعتقد في سالف العصر والأوان!

في ‘سي بي سي’ كان خيري رمضان في لقاء مع رهط من الخبراء يحاولون التنبؤ بما يمكن ان تقرره المحكمة الدستورية العليا وهي التي حددت على عجلة من أمرها هذا اليوم للنظر في دستورية قانون العزل السياسي، والنظر كذلك في دستورية نص في قانون ممارسة الحقوق السياسية، ولم انتبه الى ما يقال فقد كنت مشغولاً بمحاولة الوصول الى نوعية الصبغة التي يستخدمها مؤخراً، والتي بدت لي أنها مستوردة، ومن النوع الفاخر الذي كان يستخدمه الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، وكان مثار سخرية التونسيين، الذين يتحدثون عن هذا للدلالة الرمزية على المهنة القديمة لزوجته السيدة ليلى الطرابلسي كحلاقة محترفة.

كل التوقعات معادة ومكررة، واستأذن خيري وجاءت لميس الحديدي، وجاءت معها بمجموعة من الخبراء. ‘سي بي سي’ فاقدة للخيال في برامجها وضيوقها، وعمرو حمزاوي ومعتز بالله عبد الفتاح يعملان مذيعين بها، ثم يجلسان على كراسي الضيوف مع عماد أديب ويقومان بالتحليل والتنظير، وقد فقد الأول جزءا كبيرا من لياقته كمنظر استراتيجي، أما الثاني فلا يقول شيئا عليه القيمة تقريباً، ربما لأنهما يريدان ضبط إيقاعهما مع إيقاع مقدم البرنامج وصاحب ‘الليلة’، فيتواضعان في حضرته، على النحو الذي شاهدنا عليه كاتبين كبيرين هما سلامة احمد سلامة وفهمي هويدي وهما يحاوران محمد حسنين هيكل على ‘الجزيرة’، على قاعدة الإعجاب به، فكانا ينظران الى هيكل بإعجاب ويستمعان إليه بإنصات ولا يهتمان بطرح الأسئلة عليه، وربما انتبهت ‘الجزيرة’ لذلك فأرسلت إليه مذيعا محترفا في كل مرة تسعى الى حواره.. وقد أرسلت مرة خديجة بن قنة، وأرسلت محمد كريشان مرات، وفي أول مرة أراد ان يسيطر على كريشان ويحوله الى مستمع لا الى محاور وفشل.

حمزاوي وصحبه يسبحان في فلك عماد أديب، وهما عندما تحولا الى مقدمي برامج لم تكن لهما بصمة فكانا كالمنبت الذي لا أرضاً قطع ولا ظهراً ابقى.

أستاذ للقانون الدستوري شاهدته لأول مرة، وكان الرجل حريصاً على التأكيد بأن الدعوى الخاصة بقانون العزل سيقضى فيها بعدم الاختصاص لرفعها من جهة غير مختصة وهي اللجنة العليا للانتخابات، والاختصاص منعقد للمحاكم والهيئات القانونية التي تفصل بين الخصوم، لكن الرجل لم ينتبه الى ان هناك دعوى محالة من محكمة القضاء الإداري للفصل في دستورية قانون العزل، فقد بدا كل شيء ‘معمولاً حسابه’، والأمين العام للجنة العليا للانتخابات قال قبلنا أوراق احمد شفيق باعتبارنا لجنة إدارية، وأحلنا قانون العزل للدستورية باعتبارنا لجنة قضائية، فهي لجنة متعددة الوجوه، وكما يقال ‘أستك منه فيه’. رفض البث المباشر’سي بي سي’ وان كانت برامجها رتيبة ومقلدة، وضيوفها مكررين، وكأنهم مقرر دراسي مفروض على المشاهد من قبل وزارة التربية والتعليم، إلا أنها تتفوق في عملية البث المباشر، وكنت أظن انه سيتم البث المباشر لوقائع جلسات المحكمة، ان لم يكن عن طريق كاميرات الفضائيات فليكن عن طريق النقل عبر التلفزيون المصري الذي يسمح له بإثبات ريادته، كما حدث في جلسات محاكمة المخلوع، وقد ذهبت الى قنواته ولم أجد على النار هدى!. يبدو ان المحكمة ولدواعي الأمن قد رفضت ان يكون البث على الهواء، وربما بدوافع التعالي، ورئيس راحل لمحكمة الأحزاب كان قبل ان ينتقل من غرفته الى المنصة يسأل: هل حضرت قناة ‘الجزيرة’؟!

وذات مرة سأل عن ‘الجزيرة’ وكان سينظر في أمر ثلاثة عشر حزباً، كان من بينهم حزب تقدمت بأوراقه، وظننا للتأكيد على السؤال أننا سنكون أمام مهرجان لأحكام التأسيس، مما جعلني اتصل هاتفيا بزميل في القناة متعجلاً حضورهم. وحضرت كاميرا ‘الجزيرة’ وخرج سيادته على رأس الأعضاء، واثق الخطوة يمشي ملكاً، وإذا به يرفض طعون كل الأحزاب، وفي المساء كنت على ‘الحرة’ وقلت فيه وفي الحكم ما ظننت انه ‘شفى غليلي’، وهاتف القاضي صديقاً مشتركا شاكياً من حدتي في القول، وكانت المفاجأة ان هذا ‘لم يشف الغليل’، لدرجة انه عندما مات كتبت مقالاً بدأته بهذه العبارة: ‘مات فلان الفلاني وحسناً انه مات’.. كم أنا قاسي القلب، ولأن بي شعرة تصوف تظهر وتختفي فقد انتابني شعور جارف انه مات دون ان يستفيد من أحكامه بمنصب تنفيذي عندما يخرج على التقاعد، لأنه ظلمني. لكم ان تتفرجوا على مصير كل من ظلموني!

تبدو لي ‘الجزيرة مباشر مصر’ كما لو كانت تدار على طريقة ‘محلات البقالة’، وأحيانا أقول ربما تكون هذه الطريقة في الإدارة مستهدفة في حد ذاتها، فلا يمكن ان يكون أصحاب ‘الجزيرة الأم’ التي مثلت لحظة إطلاقها علامة مميزة في مجال الإعلام هم أنفسهم أصحاب ‘الجزيرة مباشر مصر’.. يأتي البقال فيفتح المحل، ويرهق فيعود الى بيته ويغلقه، وعندما يترك المذيع او المذيعة مكانه لا يترك المهمة لغيره وإنما يتم ترك الكاميرا لتنقل مشهدا واحدا، فيبدو ان طاقم التصوير الخارجي ينصب الكاميرا في المكان المحدد ويغادرون للنوم!. كانت القناة تنقل بثاً حياً من أمام المحكمة الدستورية العليا، فتسمع حواراً بين المارة، وبين العاملين في القناة أنفسهم.. اضبط الكاميرا.. وجهها يمينا.. يسارا.. أين فلان.. ثم يصمتون تماما، ولا شئ سوى الصورة، يتحدث الموفد مع اثنين من المارة فلا نشاهده ولا نشاهدهم ثم يختفي صوته، وتظل الأمور هكذا الى أن تأتي مذيعة ومعها ضيوفها الى الأستوديو، ولولا ان ترك الأمور هكذا بات من المعلوم من ‘الجزيرة مباشر مصر’ بالضرورة لقلت ان سيادتها ‘راحت عليها نومة’ وجاءت متأخرة.

طبيعة السؤالاتصلت المذيعة اللوذعية بأحد الصحافيين في قاعة المحكمة والذي زف إلينا بشرى ان هيئة المحكمة استمعت الى المرافعة وغادرت الى المداولة، وسألت المذيعة احد ضيوفها سؤالا لم افهمه ولم يفهمه، فاستفسر منها على طبيعة السؤال: ذكر ام انثى، فأعادت ذكره، وربما فهم ما تقول، وان كنت لم افهم، وانطلق متحدثاً.

سيادتها تلوي لسانها لتبدو مستشرقة، وليتصورها الجاهل أنها جاءت تواً من بلاد الشام، فهي تقلد مذيعة بالجزيرة عندما تقرأ النشرة تظن ان الحرب العالمية الثالثة قد نشبت.

الاستغراق في التقليد يكون سبباً في إزعاج أصحاب الآذان الحساسة، لكن المذيعة اختفت، وظهر الصمت مرة أخرى، الى أن ظهرت مذيعة أخرى، وقد ندمت في هذا اليوم لأنني لم اذهب للمحكمة بنفسي لظني أنني سأشاهد وقائع الجلسة عبر التلفزيون، فإذا بالحال من بعضه وإذا بالبث في عموم الفضائيات المصرية من أمام المحكمة، وفجأة حدثت المفاجأة.

فيما يختص بقانون العزل، فقد تأكد عدم دستوريته، بما يسمح باستمرار الفريق احمد شفيق رئيس الوزراء في آخر عهد مبارك مرشحا للانتخابات الرئاسية، وفيما يختص بمجلس الشعب فقد كان الحكم بعدم دستورية البند الخاص بالمقعد الفردي!. من قبل كتبت ان قانون العزل ليس دستورياً، وكتبت أيضا ان هذا النص في قانون ممارسة الحقوق الدستورية غير دستوري أيضا لكن مع ذلك بدا الحكم كما لو كان مفاجأة لي.

في ‘بي بي سي’ قال قيادي بجماعة الإخوان المسلمين ان الجماعة ليست مسؤولة عن القانون الأول ولم تضع القانون الثاني الذي وضعه المجلس العسكري ليضع البلاد في هذا المأزق.

ووجدت نفسي في مأزق، وأنا الذي لم ارتح لأداء المجلس العسكري البتة، وكتبت أكثر من مرة أقول انه يقود الثورة المضادة، لكني وجدتني في معرض الدفاع عنه فقانون العزل وان كان قد قدمه عصام سلطان عن حزب ‘الوسط’، فان حزب ‘الوسط’ له تسعة نواب في البرلمان وليس بإمكانهم ان يمرروا قانوناً لا توافق عليه الأغلبية ممثلة في الإخوان المسلمين والسلفيين، فجاء قانوناً تفصيلاً كان المفروض أن يكون أكثر لياقة لولا انه جاء يستهدف شخصين لا أكثر، واستبعد منه أعضاء لجنة السياسات وهم من افسدوا الحياة السياسية لأن شيخ الأزهر كان عضواً فيها، كما لم يشمل كل الوزراء الذين شاركوا في نظام مبارك مجاملة للمشير محمد حسين طنطاوي وزير الدفاع ورئيس المجلس الاعلى للقوات المسلحة. النص الذي وضعه المجلس العسكري فيما يختص بالمقعد الفردي في الانتخابات كان يمنع ترشح الحزبين لهذا المقعد ويسقط عضوية من ينجح في البرلمان اذا انضم الى حزب سياسي، لكن الإخوان استغلوا احدى المليونيات وحشدوا القوى السياسية الى سحب هذه الموانع وأكد القيادي الإخواني ونائب رئيس حزب ‘الحرية والعدالة’ عصام العريان أنهم لن ينافسوا على المقاعد الفردية، فلما حذفت الموانع ترشحوا على المقعد الفردي ونافسوا عليه بقوة، ليمثل هذا انتهاكاً لمبدأ دستوري هو الخاص بتكافؤ الفرص.

لقد قيل ان لميس الحديدي كشفت عن وجهها الفلولي وكادت تطلق زغرودة معتبرة، فقد انتصر الفلول، بعد ان كادت ان تعلن بعد تنحي المخلوع انها من فجرت الثورة، وانها كانت في عداء مع النظام الساقط، و لم تجد ما تقوله إلا أن سوزان مبارك كانت تغار منها لأنها الأشيك، وأنها اشترطت لكي توافق على الحوار معها ان تأتيها لميس بملابس بالية و تعصب احدى عينها كما المتسولات.. الى آخر هذا الكلام الغريب الذي قامت بالترويج له.

الذين يتصدرون المشهد الإعلامي في مصر هم فلول بالنشأة والتكوين وقد اختلطوا بالثوار لكنهم منذ أسبوعين وهم يجهرون بالمعصية.. ومؤكد انكم تشاهدون جميل عازر على ‘الجزيرة’ وهو يقول: ‘انتهت النشرة’.. لقد ‘انتهت الثورة’، بسبب طمع الإخوان في ان يهيمنوا على الأرض ومن عليها، فقد كان الثوار امة واحدة فبدد طمع القوم وحدتهم، وقديما ورد في الأثر: ‘ من أحب نفسه كرهه جماعته’. لا تثريب على الثورة المضادة.. فقد أجهض الإخوان ثورتنا وثورتهم.

أرض جوقبل أيام شاهدت منى الشاذلي.. لا تزال ‘حية تسعى’، ولا تزال تتكلم من أمعائها الغليظة.

من أخطاء الثورة المصرية أنها اعتمدت على إعلام النظام البائد فلم يكن لها إعلام خاص بها.

ربما يعلم قادة جماعة الإخوان الآن قيمة الإعلام.. فلم يكن الإعلام يشغلهم من قبل لذا فقد ولدت فضائيتهم ميتةصحافي من مصر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية