نهاد خنفر متزاحمة، ومتناقضة، ومكثفة، وغامضة حتى الجهالة. هذا ما يمكن ان اقوله في وصف اجابات مطلوبة برسم الالحاح على منتجات ‘الربيع العربي’ وخصوصا عندما يتعلق الأمر بالمستقبل. يبدو ان القافلة الممتدة في مسيرة ملتوية الطريق ومتعرجة المسارات لا تمتلك بوصلة واضحة على اجابات بسيطة للمتقافلين فيها، وخصوصا بأن كل المساعي تقريبا لا زالت تائهة في صحراء شاسعة، وبلا دليل يرشدها الى واحة ظليلة تسد رمق الباحثين حتى عن راحة مؤقتة. كان من الواضح بأن الثورات او الانتفاضات العربية الاخيرة قد تفتحت ازهار ربيعها في قلوب الاجيال الشابة الذين لم تبصر عيونهم الا قمعا وسلبا ونهبا لثروات احلامهم بمستقبل يبشرهم بالخير، ويريحهم عناء المعارك النفسية التي يقاتلون فيها لفك الغاز المستقبل المشبع بالاحجيات العصية على الاجابة والعاجزة عن الحل. ولما كان الشباب العربي هو فتيل الثورات، ووقود المعارضات الهرمة العجوزة في حقن حملاتها الدعائية ضد انظمة القمع والتسلط وأنماط الدكتاتورية المسرفة، فإن اول سؤال يتبادر الى ذهني والى اذهان الكثيرين ربما، هو أين الشباب الآن من معادلة مستقبلهم؟ البوادر الاولية التي تتحول رويدا رويدا الى حقائق مرئية بالعين المجردة، وربما دون عناء.
أن جيل الشباب الثوري العربي تم تغييبه بفعل المتطلعين الى السلطة، اولئك الذين وثبوا اليها متجاهلين ان عجزهم عن التغيير او المطالبة به كان فضيحة مدوية أضاعت عشرات السنين من اعمار الشعوب التي رزحت بفعل سلبيتهم في ادنى درجات التخلف وكأن توقهم الى السلطة يتقدم على اي اولوية اخرى. في مصر مثلا، الهوة واسعة جدا بين شباب الاخوان الذين شاركوا في الثورة فكرا وعملا، وبين عواجيزهم الذين استنكفوا عن منابر الميدان، وكلفته الجسدية، نراهم الآن يحرقون الاخضر واليابس منافحة عن مواقعهم في السلطة، بعد أن كتموا اصوات جيلهم الشاب في التعبير عن مكنونه الوطني الثوري بشتى الاشكال. ونزيد على ذلك، بأن الحالة لا تختلف كثيرا في تونس، التي بدأ ربيعها من الشباب وآلت أغصانه الخضراء الى من اختفوا خلف ستائر العتمة، حتى انجلى غبار المعركة، فاستأسدوا في طلب السلطة، ومرة اخرى في قمع الاصوات الشابة وتحييدها عن خوض التجربة التي مهدت الى ولادة قيصرية لتونس الجديدة. في المغرب، حدث ولا حرج، فالصورة تشبه ما قبلها، وان كان هناك فروق في الظروف والملابسات. فاذا كان الجهل يعمنا والغموض يكتنف بوحنا في الاجابة على سؤال الشباب ومستقبلهم، والذين يتشدق الكل بالدفاع عنهم وعن مستقبلهم، دون أثر مادي ملموس، والذي يبدو أنه لن يكون ملموسا في قادم الايام. فأين نحن من سؤال التنمية؟ أدرك تماما بأن سؤال التنمية والاجابة عليه هو سؤال حساس وأجابته بالغة التعقيد، وخصوصا عندما تصل الامور الى التنمية البشرية التي تعتبر قلب وروح كل انواع التنمية الاخرى. لا اشكو من أعراض عسر الفهم لاعترف ببدائية التجربة وحبوها الباحث عن تقوية العظام تمهيدا للخطوة الاولى في هذا السياق. لكن ما ادركه والمسه واتابعه، ربما بشكل يومي، بأن سؤال السلطة والانقضاض عليها بكل الاثمان هو الشغل الشاغل لمعظم القائمين على الثورات، دون التطرق الى برنامج معقول، أومقبول نسبيا، يشفي غليل اسئلتنا عندما يتعلق الامر بالتنمية الاقتصادية الشاملة. تلك التنمية التي تشتمل على مكان ثابت للخطط التي تستشرف المستقبل، وتوطد مكوناته وفق معطيات الواقع ومقدراته. يبدو ان هذا الموضوع لم يؤخذ ولم يأخذ مكانته الجدية اللائقة حتى عندما يتعلق الامر بالاطار النظري. ان محاربة الفقر، وخلق فرص عمل، وتطوير التعليم وتحديث الخدمات الصحية، وعدالة توزيع الثروة، كلها لا تعدو عن كونها التباسا شعاراتيا مارقا يخلو من البرامج العملية التي لم تفلح اي من قوى الثورة وروادها في طرحها على شكل خطط واضحة المعالم وقابلة للتطبيق، او على الاقل للتأطير الذي يسبق ذلك. طبعا هذا يؤدي قطعا الى اثارة السؤال الاكثر تعقيدا، ويحتاج الى اجابة اكثر جرأة وانفتاحا. والسؤال له حظ كبير من الواقعية على ما اعتقد، وهو، اذا لم تقم اي من قوى التغيير ومحركاتها الديمقراطية بطرح ما تملكه من استراتيجيات تنموية على شكل اليات عملية قابلة للهضم والتطبيق؟ فما هي القيمة المضافة لكل هذه القوى؟ وما هو الدور الذي يتوقع منها أن تلعبه في بناء نهضة الشعوب التي حملتها الى السلطة وموقع القرار؟ وإذا تجنبنا الاستخدام العاطفي لأهمية التحول الى الديمقراطية دون النظر الى قيمة هذا التحول وانعكاسه على التنمية، ومن ثم استخدام الديمقراطية لإعادة انتاج ما سبقها من اوضاع ولكن بأدوات ديمقراطية، والتي يظهر انها اختزلت كل مساحاتها الشاسعة في الانتخابات فقط، دون وعي مفاهيمي لمعنى التحول الديمقراطي ومفاعيله العملية في بناء التنمية والمجتمع. فإن ذلك ينذر بارتدادات ذات نتائج صدعية. وإذا ما ذهبنا عميقا في محاولة طرح مزيد من الاسئلة في ذات السياق فإننا سنجد ان العفوية الشعبوية الشعاراتية هي التي تسيطر على أنماط الربيع العربي في سعيه نحو المستقبل. وان كان هذا هو الحال، فإننا في ريب من امرنا في أن يبقى الربيع ربيعا، أو أن تكون القدرة لدى هذا الربيع في الحفاظ على شيء من نضارته. فلمجرد مواجهة انفسنا بإجابات مفككة وضائعة بين المبدأ والقرار فيما يخص الشباب والتنمية، والتعامي جهلا او عمدا- عن العلاقة الجدلية بينهما، فإننا سنكون امام ربيع عربي مأزوم وفاقد للنضارة التي ما قامت الثورات إلا لتحقيقها او لتحقيق جزء منها على الاقل. ففي ظل الغياب الجاد لأي اجابات نشطة عن تنمية ما بعد الربيع، كموضوع التعليم والبحث العلمي وما يرتبط به من مكونات التنمية البشرية وبناء مؤسسات الدولة لتصبح جزءا من مستوعبات الحراك والتحول الديمقراطي، وسقوطنا في فخ اللهاث وراء السلطة باستخدام الديمقراطية كأداة مادية عارية عن مفاهيمها الفلسفية الشاملة في البناء والتنمية، يدفعنا الى الاصطدام بحوائط صد اخشى ان يوقظنا الاصطدام بها على حقائق مفجعة، هذا طبعا ان استمر استخدام عجلة الديمقراطية كأداة في تداول السلطة والوصول الى سدة الحكم. اذا فالمواجهة المباشرة مع الاسئلة الصعبة حول مستقبل الربيع ـ قريبه وبعيده- يفتح اعيننا على حقائق تتفوق في تعقيداتها على مجرد التهليل للهبات الربيعية ونسائمها التي ستتلوث حتما عند اصطدامها بالوقائع المادية البعيدة عن الخيالات الحالمة، تلك المثقلة بغيوم قاتمة تحد من رؤيتنا الواضحة للمستقبل القادم بعد الربيع. ان اسئلة المستقبل التي تتمحور حول التنمية ومحاورها الاساسية، بدءاً من الديمقراطية كفلسفة وكأداة، وانتهاءا بالشباب ودورهم كمنعش وهدف لهذه التنمية، وما يرتبط بذلك من مؤشرات عملية يمكن استقصاءها واستقاءها من التجارب العملية في دول الربيع، يدعونا الى الاستنتاج بأن كل الذين جاؤوا الى السلطة يتجاهلون، أو جاهلون بما يجب عليهم عمله لمستقبل التنمية في بلادهم. فلا الشباب أعطوا أو أخذوا دورهم، ولا خطط التنمية أعطيت أو أخذت مكانها، الا من نغمة مغرقة في الشعاراتية دونما التواصل مع القضايا الجوهرية التي تهم من زرعوا بذور الربيع بالدرجة الاولى. ان ذلك يترك مستقبل دول الربيع وشعوبها في حالة مواجهة صلبة مع الاجابة المستعصية عن الاسئلة الصعبة، مع المزيد من الغموض السباتي الذي يتعمق مع الوقت، أقله على المدى القصير.’ استاذ جامعي ورئيس جمعية اصدقاء جامعة النجاح في بريطانيا