مهند النابلسي في الفيلم الرائع ‘أجواء في الغسق’ (الذي ترشح للسعفة الذهبية في مهرجان كان / 2006) للمخرج الفنلندي ‘أكي كيروسماكي ‘، يراهن رجل الأعمال الشرير على سذاجة وبراءة الحارس الليلي المسكين ‘كويستينين’، وانجذابه العاطفي لشقراء ماكرة لكي ينفذ جريمة سرقة كبيرة لمحل مجوهرات . فعندما تسأله الفتاة ( المأجورة ) فيما اذا كانت ستنجو من تهمة المشاركة بالسرقة، يجيبها بثقة لافتة:’ تكمن عبقريتي بمعرفتي لشخصية الحارس المخلصة والرومانسية، لذا فهو لن يشي بك أبدا وسيتحمل كامل المسؤولية ! ‘، وهذه النقطة تحديدا التي ترسم سينايو الحبكة السينمائية . تغافل عنها معظم نقاد الفيلم، وهي باعتقادي النقطة المحورية في هذا الشريط السينمائي المميز، لأن مسار الأحداث كله كان سيأخذ منحى آخر لو قام الحارس الليلي بالوشاية وقول الحقيقة ( كما يتوقع المشاهد )، حتى انه لم يخبر الشرطة عندما شاهدها (من خلال المرآة )وهي تدس المفاتيح وعينة من المجوهرات تحت الوسادة في أريكة منزله، وذلك امعانا في توجيه تهمة السرقة له ! في الخلاصة فالتركيز والانصات يقودنا هنا لاكتشاف تيمة الفيلم الحقيقية، التي تركز على عنصر ‘الاخلاص’، فأيلا البائعة المتجولة (التي تبيع النقانق المشوية وتعاني من الوحدة والتهميش أيضا ) مخلصة في حبها الاحادي لكويستينين، وهذا الأخير بدوره مخلص في حبه الاحادي ايضا للماكرة الشقراء ميرجا ( بالرغم من كشفه لها )، وهو كذلك والفتى الافريقي البائس مخلصان في تعاطفهما مع الكلب المشرد ( مغزى وجود الكلب كحيوان معروف باخلاصه الشديد لصاحبه ! )، وقد لاقى كويستينين الضرب والسجن لسنتين اخلاصا لحبه وسمو اخلاقه، لقد برع بالحق كيروسماكي بكتابة واخراج وتصوير هذا الشريط المميز، وكاد ان يتماهى مع عبقرية المخرج البريطاني الشهير الراحل ألفريد هيتشكوك، الذي برع بهذا النوع من السرد : عندما يدان البريء المخلص وينجو الفاعل، بل تجاوزه برسمه لأجواء الوحدة والعزلة والتهميش والاقصاء التي عانى منها الحارس الليلي، ومع ذلك فقد شدنا بالتصوير الآخاذ والموسيقى والأغاني الرومانسية الحزينة لكي ندخل في حياته ونتعاطف مع رغباته وكفاحه وحبه للحياة بالرغم من معاكسة القدر له وسؤ طالعه ! ناقد سينمائي