تحديات ومستقبل العدالة الانتقالية في اليمن

حجم الخط
0

تحديات ومستقبل العدالة الانتقالية في اليمن علي محسن حميد اعتدنا في اليمن أن لا يخلو أي تطور جديد من مقاومة ورفض من قبل قوى معروفة لاتغير مواقفها وتستسلم لحركة التاريخ إلا بعد أن نكون قد دفعنا ثمنا باهظا وأضعنا زمنا غاليا من عمرنا لتقبل الجديد. لذلك نتوقع حدوث مقاومة شرسة للعدالة الانتقالية من قبل من كانت ممارساتهم خارج القانون أو أخذ العدالة بأيديهم رياضة يومية وتمتلك القوة أوالعصبية أوتعيش حالة تخلف ثقافي. لقد حوربت الجمهورية عام 1962 باسم الدين والوحدة ودستورها حوربا عام 1990 وبعده باسم الله وباسم الدين وتحارب حقوق المرأة باسم الدين والان تحارب العدالة الانتقالية والفيدرالية وحل القضية الجنوبية والدولة المدنية باسم الدين. وهؤلاء لايختلف موقفهم رغم الفارق الزمني وما حدث من تطورات في المجتمع اليمني عن موقف الإمام أحمد من دستور حركة 1948. وفي مجتمع تتعقد فيه قضية العدالة قد يرى البعض أن وصول العدالة إلى عتبات داره مساس بمكانته وهيبته. إن قوى عديدة ستعمل على إفشال العدالة الانتقالية عن طريق الابتزاز والتخويف وإخفاء الحقائق وتزوير الوثائق والوقائع وتقديم شهود زور ورشوة أسر الضحايا. في مصر سعى بعض السلفيين لإقناع بعض أسر الشهداء لقبول الدية من مرتكبي جرائم قتل أثناء ثورة 25 يناير بحجة صعوبة إثبات أن القاتل هو بالفعل من توجه له الأسرة أصابع الاتهام. ويزيد من تعقيد وضع العدالة الانتقالية وجود قضاياغيّبت عن عين العدالة وميزانها ولم يجرؤ لا الضحايا ولا أسرهم على إثارتها لأنهم كانوا يخشون إرهاب نظام صالح وسطوة القوى المتنفذة فيه ولا يثقون بعدالة نظامه وقضائه الأكثر فسادا في تاريخ اليمن كله. لقد حملت ثورة فبراير معها من ضمن ما حملت أحلاما بتحقيق العدالة والمساواة أمام القانون وإنهاء التمييز في المواطنة وجعل القانون فوق القوة. وتتميز العدالة الانتقالية بإخراج قضية الانتهاكات وجرائم الحرب من إطارها الضيق إلى المجتمع كله ليعرف المجتمع الفاعل ويدرك آخرون أن الإفلات من العقاب لم يعد ممكنا وبذلك يتحقق هدف العدالة بعدم تكرار الانتهاكات والجرائم مستقبلا.

في اليمن دخل مصطلح العدالة الانتقالية حياتنا وأصبح جزءا من همّنا لبناء يمن الغد، ونصت عليه المبادرة الخليجية وقرار مجلس الأمن رقم 2014 وما تبعه من بيانات رئاسية مما يعد نصرا واضحا لثورة الشباب السلمية الديمقراطية التي بدون تضحيات شبابها ماكان لنا أن نسقط صالح ونتعامل معه كمتهم فار من العدالة حتى ولو تمتع بحصانة مخالفة للقانون الدولي الإنساني وترفضها غالبية الشعب. إن من تلاعب بقيم العدالة السامية سيحاول العبث بالعدالة الانتقالية في المرحلة الانتقالية وسيقاوم كل تغيير يسعى لتحقيقها لأنه يخشاها الان كما كان يخشاها وأفسدها وهو يحكم لكي لا تكون حجة عليه.

مقاومة العدالة الانتقالية: تقف شلة معروفة في المؤتمر الشعبي العام على رأس القوى المقاومة للعدالة الانتقالية والتغيير عموما وكان من نذر هذه المقاومة تقديم عضو في اللجنة الدستورية للمؤتمر لورقة عبر فيها عن رفض كامل للمشروع الأول لقانون العدالة الانتقالية الذي عدل مرتين لكي يلبي الحد الأدنى من المعايير الدولية للعدالة الانتقالية في ندوة نظمها المعهد الديمقراطي الأمريكي في 27 28 مارس 2012 بصنعاء بحجج دستورية تجازوتها المبادرة الخليجية وقرار مجلس الأمن رقم 2014. وقد تضمنت ورقة الرفض ما يلي: 1- إن قانون العدالة الانتقالية غير دستوري لتعارضه مع المادة 51 من الدستور التي تنص على أن ‘لكل مواطن الحق في أن يلجأ إلى القضاء لحماية حقوقه ومصالحه المشروعة’. وهو يقصد أن القضاء المحلي والدستور اللذين لم ينصفا مظلوما ويعيدا أرضا منهوبة وخاصة في الجنوب وتمت تحت سمعهما وبصرهما جرائم إبادة جماعية كافيان للإنصاف.2- إن منح اختصاص لـ’هيئة الإنصاف والمصالحة الوطنية’ التي ستشكل بقرار جمهوري وفقا للمشروع ولتجارب دولية عديدة في تجارب العدالة الانتقالية اعتداء على اختصاص السلطة القضائية لأن المادة 128 من الدستور قد بينت الإجراءات الواجب اتباعها عند ارتكاب رئيس الجمهورية أو نائبه جرائم تخضع لنظام القضاء السياسي. وهو هنا يتهم رئيس الجمهورية الحالي بنية التعدي على الدستور عند تشكيله الهيئة. ويضيف أن القانون رقم 6 لسنة 1995 قد بين إجراءات اتهام ومحاكمة شاغلي وظائف السلطة التنفيذية العليا في الدولة، بما يعني أننا في غنى عن العدالة الانتقالية ومن ثم عن المصالحة الوطنية.3- إن معظم ما منح لهيئة الإنصاف والمصالحة من سلطات لتطبيق العدالة الانتقالية، ضد الفقرة 1 من المادة 139 من الدستور التي نصت على إحالة رئيس الوزراء ونوابه والوزراء إلى التحقيق والمحاكمة عما يقع منهم أثناء تأدية أعمالهم. وهنا تعمدت الورقة الخلط بين المخالفات الإدارية والمالية وبين إرهاب الدولة بالعنف المسلح والقتل العمد لشباب الثورة في عدة محافظات والوفاة بالاختناق بغازات سامة محرمة دوليا والإصابات التي تسببت في إحداث عاهات وغضت البصر عن جرائم حرب ارتكبتها قوات مسلحة وأمنية حكومية لخدمة أهداف سياسية وتنفيذا لسياسة مرسومة ضد مدنيين عزّل وتلقت أوامرها من صالح وأسرته. ويضاف إلى ذلك ما سبقها من اغتيالات قبل وصوله إلى السلطة وفيما بعد. وقد لايجادل كاتب الورقة أن سلطات وصلاحيات الحكومة في عهد صالح كانت ثانوية وأنها لم تكن صانعة قرار أو مشاركة فيه ولم يكن لها أدنى سلطة على القوات المسلحة والأمن. ثم يثور سؤال وهو لماذا لم يفعّل رئيس الجمهورية أو البرلمان أو رؤساء الحكومات السابقون أوالسلطة القضائية الدستور الذين تجاهلوه لعقود وتذكره كاتب الورقة ومن يمثله عندما بدأ ت ساعة الحساب تدق أجراسها.4- تبلغ حدود التدليس على الدستور والعدالة ذروتها لدى الذين لايريدون تطبيق العدالة الانتقالية القول بأن الفقرة (هاء) من المادة 153منه قد أناطت بالمحكمة العليا – الدائرة الدستورية- محاكمة رئيس الجمهورية ونائبه ورئيس الوزراء ونوابه والوزراء ونوابهم وفقا للقانون. وحقيقة لو تم تفعيل هذه المادة والمحكمة العليا الغائب دورها الجليل لحوكم الرئيس السابق وأسرته قبل ثورة الشباب بسنوات على كل ما اقترفوه من جرائم حرب في الجنوب وصعدة ومن اغتيالات وخلق صراعات قبلية وانتهاك للدستور. 5- تكرر الورقة القول في أكثر من مكان بأن مشروع القانون طبقا لمبدأ السمو الدستوري معيب دستوريا بمخالفته للمواد 51، 128، 139، و153. الإصلاح المؤسسي: يزعم كاتب الورقة بأن كل شيئ كان يسير في الاتجاه الصحيح. لذلك لاغرابة أن يرفض الإصلاح المؤسسي الذي حدد المشروع نطاق اختصاصه بالمادة -7- الفقرة (ز) من المشروع المعدل للمرة الثالثة التي تنص على ضرورة ‘إصلاح الأجهزة التي ارتكبت أو ساهمت في ارتكاب الانتهاكات بما فيها الأجهزة العسكرية والأمنية ووضع آليات للمساءلة والمراقبة تخضع لها هذه الأجهزة لضمان احترام حقوق الإنسان أثناء تأديتها لعملها، بما يحقق الإصلاح المؤسسي’. تقول ورقة المؤتمر في اعتراضها على الإصلاح المؤسسي ‘وبالنسبة للموظفين العموميين فإن الفقرة (و) من المادة 137 من الدستور قررت أن من اختصاص مجلس الوزراء توجيه وتنسيق ومراجعة أعمال الوزارات والأجهزة الإدارية والمؤسسات والهيئات العامة والقطاعين العام والمختلط وفقا للقانون’ وتضيف أن المادتين 94 و95 من الدستور أعطتا مجلس النواب حق تكوين لجنة خاصة أو تكليف لجنة من لجانه لتقصي الحقائق في موضوع يتعارض مع المصلحة العامة. هذه المواد الثلاث حشرتها الورقة تعسفا في موضوع بعيد عن مقاصدها لتوظيفها للتهرب من الإصلاح المؤسسي وهي تتعامل مع المخالفات الإدارية والمالية البحتة وليس مع جرائم حرب التي تخلو منها التشريعات اليمنية وهو ما أطلق يد السلطة السابقة في قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق. وهذا يفسر لنا سر سحب قانون محكمة الجنايات الدولية بعد يومين من التصويت عليه في مجلس النواب عام 2006 وحينها أحس صالح بخطورة أن يقف هو ورجاله أمام القضاء المحلي أو الدولي كمنتهكين لحقوق الإنسان وظن أنه يستطيع دفن رأسه في رمال الغي إلى الأبد. إن كل الاستشهادات بالدستور خارج سياق العدالة الانتقالية وتتعارض مع قرار مجلس الأمن رقم 2014 والمبادرة الخليجية الملزمة دستوريا للأطراف الموقعة عليه ولحكومة الوفاق بطرفيها وهو ما ينسف كليا الاستشهادات بالدستور الذي حلت محله المبادرة في بعض أجزائها. تنص المادة الرابعة من الجزء الأول من المبادرة على أن ‘يحل الاتفاق على المبادرة الخليجية وآلية تنفيذها محل أي ترتيبات دستورية أو قانونية ولايجوز الطعن فيها أمام مؤسسات الدولة’. إن الورقة لا تعبر عن موقف شخصي أو أكاديمي لأستاذ القانون العام في جامعة صنعاء بل تعبر عن عقلية سلطة حكمت البلاد لثلث قرن تقف ضد العدالة الانتقالية التي هي في الأساس عدالة منقوصة وضد المبادرة وتقوم بعملية تضليل باسم الدستور لأنها سلمت أمر استخدام الدين لغيرها استكمالا لمسيرة قديمة وطويلة في هذا المضمار. لقد كشفت هذه الورقة أن لدينا دستورا جيدا نسبيا وذخيرة من القوانين يكفيان لتصحيح أي إعوجاج تمارسه السلطة التنفيذية من الرئيس وحتى نائب الوزير ولكن كل ذلك لاقيمة له بدون تطبيق ولو تم ذلك لما وصل وضع اليمن إلى ماوصل إليه من تدهور شامل وانتشار نظام الفساد وتغول لنظام المحسوبية العائلية والمناطقية ولما ثار الشباب على نظام كان خارج التاريخ وفاقدا للشرعية. ولاننسى في هذا الصدد أن النظام كان يجعل من الدستور رأس الحربه في تصفية حساباته وحروبه تحت ماأسماه بالشرعية الدستورية التي حارب بها حتى المغتربين الذين كان لهم رأي مخالف للرأي الرسمي. بعد تكرار التأكيد على عدم دستورية المشروع لجأت الورقة إلى التخويف من العدالة الانتقالية وتنبأت بحدوث اضطرابات بسببها، وكأنها تحذر الناس منها وتقول لهم لابديل لكم عن قبول الظلم والاستكانة له وأن غياب العدالة قدركم الذي لامفر منه. بكلمة أخرى لايريد المؤتمر للثورة أن تفتح صفحة جديدة في حياة اليمنيين تسمى صفحة العدالة وأن تطوى صفحة الظلم والاستبداد وخيانة الدستور والقوانين وظلم الناس نهاراجهارا. تقول الورقة في نبوءتها ‘إن المشروع سوف يؤدي إلى اضطرابات وفتح نزاعات وقضايا إجرائية معظمها سقط بالتقادم’. لقد تجاهلت الورقة عمدا عدة نصوص واضحة في المبادرة الخليجية تدحض ماذهبت إليه منها ما يلي:

في الإصلاح المؤسسي: نصت الفقرة ج من المادة 21 من المبادرة على ‘اتخاذ خطوات للمضي قدما نحو بناء نظام ديمقراطي كامل، بما في ذلك إصلاح الخدمة المدنية والقضاء والإدارة المحلية’. في العدالة الانتقالية: نصت الفقرة (ح) من نفس المادة على ‘اتخاذ خطوات ترمي إلى تحقيق المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، والتدابير اللازمة لضمان عدم حدوث انتهاكات لحقوق الإنسان والقانون الإنساني مستقبلا’.3 عن الاستقرار عبرت المبادرة عن اولويته بالنص التالي ‘تلتزم كافة الأطراف بإزالة عناصر التوتر سياسيا وأمنيا’. و’بوقف كل أشكال الانتقام والمتابعة والملاحقة من خلال ضمانات وتعهدات تعطى لهذا الغرض’. إن الورقة لا تعبر عن موقف بعض بقايا نظام رافض للجديد وللعدالة وللمبادرة لأن هناك قوى أخرى ستصطف بجانبها لإفشال العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية والحوارالوطني والمرحلة الانتقالية بكل استحقاقاتها. وبناء عليه فالتحديات المرئية وغير المرئية جد خطيرة ولن تتوقف عند سقف معين لأن عائلة صالح تعمل بدون كلل على إفشال المرحلة الانتقالية والمصالحة الوطنية لكي تعود إلى السلطة عام 2014 وإلى نفس بيئتها ومناخها وقواها.’ منسق المركز اليمني للعدالة الانتقالية في صنعاء

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية