‘الحرفيون والتجار بالقاهرة’: كتاب حول الدراسات الاجتماعية والاستشراقية لأندريه بريمون

حجم الخط
0

القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من محمود قرني: بمناسبة صدور كتابه ‘الحرفيون والتجار بالقاهرة في القرن الثامن عشر’ في جزأيه العظيمين عن المشروع القومي للترجمة بالمجلس الأعلى للثقافة، صدرت في كتاب جديد أعمال الندوة التي كانت قد أقامتها الجمعية التاريخية بالاشتراك مع المجلس احتفالية موسعة بالمستشرق الفرنسي أندريه ريمون أحد أهم المستشرقين المحدثين والأستاذ الفخري بجامعة بروفانس والنائب الأسبق لمدير معهد العالم العربي بباريس. ويعد ريمون أحد المهتمين بالمدينة الاسلامية لا سيما بمدينة القاهرة العثمانية، ويأتي ذلك استكمالاً لمشروعات استشراقية لا تقل اهمية للاستشراق الفرنسي والعربي مثل جون كلودجارسن، سيلفي جينوا، بولا رافيس، جورج سالمون، بو كازانوفا، وغاستون فييت.

و قد ولد أندريه ريمون في فرنسا في السابع من آب (أغسطس) عام 1925، حصل على درجة الليسانس في الآداب من جامعة السربون عام 1944، ثم دبلوم الدراسات العليا في التاريخ عن السوربون عام 1945، ثم دكتوراة الفلسفة من جامعة اوكسفورد عام 1954 برسالة موضوعها السياسة البريطانية تجاه تونس 1830 ـ 1881 ثم دكتوراة الدولة من جامعة السوربون عام 1972 برسالة موضوعها الحرفيون والتجار في القاهرة في القرن الثامن عشر.

قام ريمون بالتدريس بالكلية الصادقية بتونس وبكلية سان أنتوني بجامعة اكسفورد وجامعة بوردو وهارفارد وبرنستون، كذلك أسس معهد بحوث العالم العربي والاسلامي وترأسه بين اعوام 1987 ـ 1991. أصدر اندريه ريمون عدداً من المؤلفات أهمها، تونس، باريس 1961، الحرفيون والتجار بالقاهرة في القرن الثامن عشر 1974، أسواق القاهرة بالاشتراك مع جاستون فييت، المدن العربية الكبري ـ نيويوك 1984، المدن العربي الكبري في العصر العثماني.. باريس 1985، القاهرة باريس 1993، أبن أبي ضياف حوليات ملوك تونس 1994، قاهرة الانكشارية 1995، المصريون والفرنسيون في القاهرة (1798 ـ 1901)، المدينة العربية حلب في العصر العثماني، ديوان القاهرة 1800 ـ 1801 نشر وتحقيق بالاشتراك مع عفيفي كذلك نشر أندريه ريمون ما يربو على المئة بحث بالدوريات الفرنسية والانكليزية، ترجم العديد منها الى العربية ونشر بالمجلات المختلفة بالقاهرة ودمشق وبيروت. يقدم كتاب الاحتفالية أكثر من عشرة باحثين قدمواعدة اوراق عن التاريخ المعاصر في تجلياته المختلفة.’هز القحوف في قصيدة أبي شادوف’هذا هو عنوان اطرف الدواوين الساخرة التي صدرت في مصر خلال العصر العثماني، وكان موضوع ورقة مقدمة من الدكتور عوض الغباري أستاذ ادب مصر الاسلامية بآداب القاهرة حيث يتناول المفارقة كمصدر لتوليد السخرية في أشكالها المختلفة.

والديوان لمؤلفه الشيخ الشربيني يوسف بن محمد بن عبد الجواد بن خضر ويعتبره الغباري حلقة من حلقات تعبير الأدب المصري عن ركن من أركان الشخصية المصرية. يبدو ذلك في الرغبة في الحياة والاقبال عليها رغم احباطاتها وانكساراتها وكأن السخرية احد أسلحة المقاومة.

يتناول الغباري الديوان من منظور يفيد من المعطيات اللغوية والنقدية والأدبية الحديثة خاصة ما يتعلق منها بمفهوم المفارقة وما يتجلى من تطبيقه على الكتاب من وسائل وغايات علمية للحوار مع النص المكتوب في العصر العثماني بهدف ابراز جمالياته التعبيرية في تلاحمها مع المعطيات الأدبية والثقافية والسياسية والاجتماعية والتاريخية في مصر خلال عصر الحكم العثماني.

ويثير البحث سؤالاً مهما هو: هل كان تردي العامية في الديوان وجهاً آخر لتردي حال المصريين في هذا العصر أم أن المؤلف تعمد هذا التردي لتحقيق المبالغة في وصف الحال السيئ للفلاح المصري مصوراً بطريقة فنية.

ويتناول ديوان هز القحوف لهجة الفلاحين وأسماء نسائهم ووصفهم لصلاة الجمعة في المدينة، وأحوالهم فيها كما يسرد نوادرهم خاصة حكايات الجهل الديني متمثلاً في الصلاة في الريف، وحكايات فقهاء الريف، والتصوف في مفهوم الريف وأشعاره وحكايات أصحابه، كما يورد أشعارالفلاحين، أما في الجزء الثاني فيتناول شرح القصيدة بشكل هزلي أيضاً.

أما فن الموشحات في العصر المملوكي فكان موضوع البحث المقدم من الدكتور شعبان محمد مرسي، حيث يشير الى ان الموشح انتقل الى المستشرق الاسلامي في القرن السادس الهجري ووضع نظرية ابن سناء الملك المصري في العصر الأيوبي، وكان انتقاله الى المشرق على أيدي المغنين الأندلسيين والحجاج وطلاب العلم القادمين من تلك البلاد والي مصر والشام لتلقي العلوم المختلفة والي مكة والمدينة للحج.

ويشير الدكتور مرسي الى أن أقدم نص من نصوص الموشحات المشرقية وصل الى مصر كان علي بن عياد الاسكندري المتوفى في عام 526 هجرية، وموشحة ـ ظافر الحداد ـ الشاعر السكندري المتوفى عام 529 هجرية، ويرى الباحث أن تشابه البيئة المصرية مع البيئة الأندلسية ساعد على نمو الموشح بمصر وكذلك بلاد الشام وكان ميل الشعبين المصري والشامي للغناء عاملاً مساعداً على ازدهارها، ثم بعد سقوط الأندلس هاجر الكثير من شعرائها وأدبائها ووشاحيها وعلمائها الى المشرق، ويذكر الباحث من بين أشهر الوشاحين صلاح الدين الصفدي وسراج الدين المعار، ونصير الدين الحمامي والتواجي.

أما الدكتور ذكاء الأنصاري فقد قدم بحثاً بعنوان المجتمع المصري في الحكاية الشعبية في عصر سلاطين المماليك.. القرن التاسع عشر نموذجاً وقد اختار الباحث هذا التاريخ بالتحديد لاتمام مدونات هذا القرن متمثلة في بدائع الزهور في وقائع الدهور و الخطط المقريزية و نزهة النفوس لابن سودون.. والبحث يتناول أهم خصوصيات المجتمع المصري في هذا القرن، سواء كانت خصوصيات لغوية أو خصوصيات اجتماعية مثل عادات الزواج والوفاة والميلاد والاحتفالات الدينية والاجتماعية، وكذلك يتناول أهم فرق هذا القرن مثل المتصوفة والدراويش، وكذلك الخصوصيات السياسية مثل طبيعة العلاقة بين الحاكم والشعب وكذلك دراسة الحكاية الشعبية في هذه الحقبة التاريخية.

طوائف وحرف، عبيد وجوار وعوامأيضاً قدم الكتاب عدداً من الأوراق حول الطوائف والحرف والعبيد والجواري في العصرين المملوكي والعثماني. فقد قدم الدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن أستاذ التاريخ الحديث بجامعة الكويت ورقة تحت عنوان طوائف الحرف ودورهم الاقتصادي والاجتماعي في المجتمع المصري في العصر العثماني.. (1517 ـ 1798) وتشير الورقة الى أن تنظيمات الحرف كانت ابرز التنظيمات في العصر العثماني سواء كان ذلك في الريف أو المدينة على السواء، ويشير الباحث الى أن اسم الطائفة هو الذي ساد على تقسيم الحرف لكنه غير معروف بالضبط متى ساد الاسم لكن الثابت ان هذه التسمية جاءت من نظام الفتوة الذي كان سائداً في الدولة العثمانية لوجود رابطة بين نظام الفتوة والطرق الصوفية ونظام الحرف.

يناقش البحث ايضاً الطوئف الصناعية وطوئف الخدمات التي كانت تعرف في فترت سابقة من العصر العثماني باسم الأصناف وكان للطائفة جهازها الاداري الذي يقوم على اختيار معلمي الطائفة وكان الجهاز يتكون من شيخ الطائفة ويختاره معلمو الطائفة من بين المعلمين المشهود لهم بالأهلية والدراية بأصول الحرفة والاستقامة وحسن السيرة، ويشترطون عليه أن يعاملهم بالعدل والانصاف والا يحدث عليهم حادثة أو مظلمة جديدة وألا يدخل عليهم في حرفتهم احداً من غير أبنائها وان يحافظ على شرف الحرفة واتقانها.

أما موضوع الرعاية الاجتماعية للجواري والعبيد السود في العصر المملوكي، فكان موضوعا للورقة المقدمة من الدكتور علي السيد. وتتناول الورقة موضوع تدفق أعداد كبيرة من الرقيق على سلطنة المماليك بسبب المماليك أنفسهم والثروات التي تدفقت على سلطنتهم بسبب ازدهار العلاقات التجارية بين الشرق والغرب بحيث قل ان تجد داراً الا وبها عدد من هؤلاء الرقيق وكذلك أوجه الرعاية الاجتماعية ومنها القيود التي فرضها الاسلام للحد من الرق بالتدريج والاعتراف بحقوق الجواري والعبيد المدنية، وكذلك عملية الولاء ومكانة الجواري والعبيد المستمدة من أسيادهم، الجواري او العبيد جزء أساسي من أسرة مواليهم، الوقف عليهم، اختيار الزوج المناسب للجواري والزوجات للعبيد، مشاركتهم في حياة أسر مواليهم الاجتماعية، مسؤولية السيد الاجتماعية لجواريه وعبيده، صداق الجواري، توفير رزق ثابت لمن يتم عتقه منهم وتخصيص بعض الوظائف لهم، اتاحة الفرصة لمن لهم ميول صوفية بالنزول في بيوت الصوفية والامتيازات التي خصصت لهم، تشكيل فرقة من الجيش المملوكي من العبيد السود، وهم فرقة البارودية أو النفطية ومرتباتهم وامتيازاتهم. الخدمة في البيوت السلطانية، ثم الرعاية الصحية لهم في البيمارستانات وكذلك الرعاية الثقافية في اتاحة فرص التعليم أمام الكثير منهم.

أما الدكتور سيد عشماوي فقدم ورقة بعنوان الحركات الاجتماعية لعوام مدينة القاهرة والورقة عبارة عن دراسة تاريخية مقارنة للعصرين المملوكي والعثماني.

يرى الباحث أن عبارة الحركات الاجتماعية لعوام مصر تشير الى عمليات اكثر تنوعاً وتعبر احياناً عن بعض المعاني الوضعية لجوانب ديناميكية من الحياة الاجتماعية، وتمتاز بقدرة على التعبئة والتجميع، وقدر من التنظيم ومحاولة التوحيد والغالب على هذه الحركات الاجتماعية ـ حسب الباحث ـ صفة الفرض والاحتجاج، وهي التي حاولت أن تكتسب شرعية لها من خلال تعبئة وتجميع مؤيديها، وهذه الحرمات رغم تزايدها في العصرين المملوكي والعثماني ـ حسبما يرى الباحث ـ الا انها اتسمت بالتشتت وطابع رد الفعل الوقتي للتمرد وعفوية الرفض، ومع تدهور مستوى القوى المنتجة، ازدادت هذه الحركات التي مثلت ضغطاً على الحاكمين، ويرصد الباحث أن التعبئة والتجميع آنذاك اتسما بتزايد حركة جغرافية مثل الهجرة الى المدينة من الريف خاصة ابان الأزمات والكوارث الاقتصادية، وتحاول الورقة تقديم قراءة لكتابات بعض المؤرخين المصريين في العصرين المملوكي والعثماني وأن ترصد الثابت والمتغير لطبيعة هذه الحركات الاجتماعية في علاقتها بسلطة الدولة في مدينة القاهرة.

العمارة المملوكية الاسلاميةأما موضوع العمارة الاسلامية في العصر المملوكي فكان له نصيب كبير من الدراسات التي شهدتها الاحتفالية، حيث قدمت الدكتورة منى محمد بدر رئيس قسم الآثار الاسلامية بكلية الآثار بالفيوم ورقة تحت عنوان تخطيط ايوان القبلة في العمائر الدينية المملوكية بالقاهرة يشير البحث الى أنه كما تنوعت الأغراض الوظيفية في العمائر الاسلامية المملوكية التي وصلتنا في القاهرة تنوعت ايضاً المخططات المعمارية لكل غرض وظيفي على حده حتى اذهل المعمار المسلم بمثل هذا التنوع الفائق الذي ان دل على شيء فانما يدل على مدى تطور العمارة الاسلامية، ومهارة وذكاء المعمار المسلم في مصر، وثراء الحياة الاقتصادية التي لولاها ما كانت تسمح بمثل هذا التنوع الفائق. وتضيف منى أنه اذا كان الحال كذلك بالنسبة لمخططات العمائر المملوكية بصفة عامة فان الأمر يكون أكثر ابهاراً اذا ما رأينا ان ايوان القبلة نفسه، جاء على عدة أنماط مختلفة في مخططات العمائر الدينية المملوكية بالقاهرة.

وترى الباحثة أنه على الرغم من اهمية ايوان القبلة بسبب وجود زاوية القبلة التي يحددها المحراب، الا أنه قلما اهتم الباحثون بدراسة أنماط هذا الايوان من ناحية التخطيط المعماري، وتقول بدر أن جل الدراسات التي وصلتنا في هذا الاتجاه قد اهتمت بدور الفقه على العمارة الاسلامية أو بأهمية اتجاه القبلة وخط تنظيم الطريق على مخططات العمائر الاسلامية الدينية ككل.

أما الدكتور خالد عزب فقدم دراسة بعنوان العمارة الاسلامية.. البنية والمستويات تتناول الورقة ثلاثة مستويات يفسر من خلالها الباحث العلاقة بين العمارة والسياسة، المستوى الأول: العمارة كشاهد سياسي، وفي هذا المستوى تكون العمارة سجلاً للعديد من الأحداث السياسية التي مرت عليها، أو حدثت بها او تركت أثرها عليها. المستوى الثاني: الرمزية السياسية للعمارة وفي هذا المستوى تجسد العمارة قوة الدولة وتوجهاتها ومثل هذا النوع من العمائر شاع في العمارة الاسلامية. ويرى الباحث أن هذه الرمزية تتمثل في عدد من المدلولات المعمارية، يحمل بعضها مضموناً حضارياً وبعضها الآخر مضموناً سلطوياً سياسياً، ويجمع بينهما احياناً بعض العمائر ذات الدلالات المتعددة. أما المستوى الثالث والأخير فيرى خالد عزب أنه يتمثل في العلاقة الفكرية بين السياسة والعمارة، هذ العلاقة هي التي تحكم طبيعة العمارة وموضعاتها وحركتها وتخطيطها، وهي تنبع من التوجه السياسي للسلطة، هذا التوجه يكون أيديولوجياً ينعكس على العمارة في صور متعددة وهو لا يحدث دفعة واحدة بل يطل على العمارة القائمة على مراحل حتى يكسبها عند التحول من نمط الى نمط الى نمط بتغير السلطة.

هذا وقد تضمنت الاحتفالية بعض البحوث الأخري حول التأثيرات الفنية المملوكية على الخزف الايطالي خلال القرنين الثامن والتاسع الهجري، وعمارة القاهرة الخيرية خلال العصر العثماني، دراسة تحليلة مقارنة، والمتجر السلطاني في العصر المملوكي، وأثر الفكر الصوفي على الفن الاسلامي في العصرين المملوكي والعثماني.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية