وقفتان: صباحَ مساءَ بأندلس الأعماق

حجم الخط
0

أحمد بنميمون وقفة على شرفاتها سرُّ سحر ِها يكمن في تحولات ضوء النهار بها مع تتالي الساعات، ففي كل ساعة هناك رقصات آسرة للألوان على حجارة جبالها، و نبت روابيها الخضر، وكذلك على جدران منازلها، فلهذا الأزرق تموجات وكأننا أمام بحار فتنة تأخذ بالألباب، ثم إن للون اخضرارها لغاتٍ وإشارات ٍ أصبحت أخيرا آسرة بحق. لكل من يملك آلة تصوير رقمية، فعند هؤلاء الخبر اليقين، إن للغروب مشاهد ناطقة بالحكمة، وكأن على الشاعر الذي قال عن الأفول إنه محو للكائنات وموت للأشياء، أن يعيد الوقوف على شرفاتنا، ليكتشف أن في غروب الشمس على قممنا، وحتى في أوديتنا انبعاثاً لكائنات مملكة كل سكانها سعداء، ويا للمفارقة!!! ، فإن للنهار على طرقاتنا وقفات إذا استجاب لها الرائي أخذته الجنيات اللواتي لم تعدن تحتجن إلى حجب كما كُنَّ في الماضي: الجنيات اليوم آسرات الجمال يا ويلاه، فليرضين عنا، نحن الشيوخ، وليكن الله في عون الشباب أمام اندياحات الفتنة من عيون لا ينكر بشرية صواحبها حتى من يؤمن بأن الأذن تعشق قبل العين أحياناً، هن أميرات شوارع أول الصباح، وآخر الظهيرة، ولنا الغسق نحن الذين فقدوا حدة البصر مع إكراهات سنوات آخر العمر.

فدعونا نَمُت عشقا على شرفات مدينةٍ الأضواءُ والألوانُ فيها كأنها من طبيعة أخرى خارقة. ومن قبل كانت عيون الشعراء وحدها شاهدة على هذا، أما اليوم فإن لحضارة العصر الرقمية أن تثبت أو تنفي، فهل تستطيع؟ إن الإجابة ما ترون لا ما تسمعون، وكأن الشاعر سركون بولص كان ينظر إليها وهو يهتف في خشوع ( كل ما تراه العين، تراه ويبقى)وكأننا نقف على مصداقية قول الشاعر القديم، اليوم بشكل ملموس:(تصف الربوع على السماع بها؟

أفذو العيان كأنتَ في العلم) أو قول الآخر:( ليس من رأى كمَنْ سمـــِعَ)ـ 2 ـوقفة على طرقاتها لمسة بسيطة من عناية يدٍ مولعةٍ بالبهاء والجمال وسطوع البياض، كانت كافية لتنهمر شلالات فتنة لا تتوقف عن استدعاء وجوه إلى الوقوف على أفياء دروبنا الجميلة، تندهش أفواها متسائلة: أي أرواح تسكن هذه المدينة؟ ومن أي قلب يفيض هذا النقاء؟***فهل يستطيع ليلٌ ما أن يجوس خلال هذه الديار دون أن يحمل قناديل نجوم أو يستدعي قمر كبيرا تهمي جداول فضته الغزيرة ابتساماً وأفراحاً وأغاريد عصافير و دعاء حمام أجنحتها في بياض بهاء جدراننا المزدانة بإيحاءات أندلس لم تنُسَ، ياعبق الفرحة بالعودة إلى طل جدار يسند الروح ويسقيها من عبير حقول مجاورة، لك البقاء فياضا على إنساننا المنبهر في محراب الجمال؟***فاخلع نعليك إنك بالأرض المقدسة، التي لا يجرؤ على العبور إليها إلا من ألقى عنه أدران دنيا اللهاث وراء مكاسب تملأ اليد ولكن تعمي القلوب التي في الصدور.***في أيِّ شارع قصير هنا ترى كيف استُعيرتْ ألوانُه من أجنحة فراشة، وسالت على أرضيته دفقات غيوم لم تصمد أمام صفاء شمس ربيعية، فتشتَّتتْ تحت أقدام أطفالنا الذين عبروا منه هنا إلى أغراضهم البريئة كملائكة لا آثار لأقدامهم الوضيئة، يالوضاءة المكان الذي نسي مؤقتاً، أن يحمل باقات زهر في انتظار محبوب قد يصل في أية لحظة، ما أجملها لحظات الانتظار البيضاء وإن كانت تجلد الروح بأغصان ياسمين……… تهتف فراشة غير تائهة أو هاربة، بل عائدة إلى نبع ضياء: أعِدْ إلَّي ألوان جناحيَّ أيها الشارع البهي، ففي حضور شعرائك ما يغنيك لنسج ما تحب وما ترضى من أزياء الربيع.’ شاعر من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية