على هامش المؤتمرالدّولي للمدن التاريخية للتراث العالمية: مسجد قرطبة الأعظم: عبقريّة المكان

حجم الخط
0

غرناطة- من محمّد محمّد الخطابي: إنعقد أواخر شهر نيسان/أبريل المنصرم بمدينة قرطبة الإسبانية المؤتمرالدولي الثاني حول المدن التاريخية المسجّلة في التراث العالمي للبشرية جمعاء، بمشاركة العديد من بلدان العالم. وأوصى المؤتمر البلدان المشاركة، وبقية بلدان العالم بضرورة الحفاظ على المباني الأثرية والتاريخية، والمعالم العمرانية والحضارية القديمة التي أعلنت اليونسكو أنها تراث للإنسانية جمعاء، ترى هل يحدث هذا في نفس المدينة التي استضافت هذا المؤتمر وهي قرطبة مع أحد أعظم المعالم الحضارية والعمرانية للإنسانية بها وهو مسجد قرطبة الاعظم؟ هذا المقال يحاول الإجابة عن هذا التساؤل: قبل أن يفتتح مسجد قرطبة الأعظم أبوابه في وجه السياح ليلا باستعمال الصوت والضوء، والتكنولوجيات المتطوّرة الحديثة لأول مرّة، كانت زيارة هذا المعلم الاسلامي العظيم تتمّ من قبل نهارا فقط. وتستغرق الزيارة الليلية الآن حوالى الساعة باستعمال ثماني لغات حيّة بما فيها اللّغة العربية. (أهلا بكم في كاتدرائية قرطبة) هكذا تفتتح المسؤولة عن تقديم الشروح والتفاسيرالتي تقدّم للزائر. ثم يبثّ فيديو لمدّة عشر دقائق حول المراحل التاريخية التي عرفتها قرطبة ومسجدها الذائع الصيت.

أوّل صورة وآخر صورة تظهر في هذا الفيديوعند إفتتاحه وعند إختتامه هي صورة الصليب على أنغام موسيقية ذات طابع كنسي غريغورياني.

تراث للإنسانية جمعاء وخلال التفاسير التي تقدّم للزوّار يشار الى المسجد باسم الكاتدرائية. وكانت المستعربة الاسبانية ‘فرخينيا لوكي’ قد أكّدت أنّ هذا يتنافى مع المبادئ التي صادقت عليها ‘اليونسكو’ التي تقرّ بالطابع الاسلامي المحض لهذا المسجد الفريد، حيث كانت هذه المنظّمة العالمية قد أعلنت عام 1984 بأنه ‘تراث ثقافي عالمي للإنسانية جمعاء’. كما عبّر المستشرق الاسباني ‘أنطونيو شافيس’ من جامعة إشبيلية من جانبه عن استغرابه ودهشته حيث أنه تحت ذريعة إبراز الطابع الإسباني للمسجد تتمّ الإشارة في هذا الفيديو الى التأثيرات الهلينية والبيزنطية، ولا تتمّ الاشارة الى الطابع الاسلامي لهذه المعلمة التاريخية الشهيرة.

كما أنه خلال الجولات الليلية داخل المسجد، كل التفاسيروالشروح تبرز الطابع الكاثوليكي الذي أقحم على المسجد، بل حتّى على تذاكر الدخول (18أورو) تتكرّر كلمة الكاتدرائية أو كاتدرائية قرطبة عدّة مرّات. ويأسف هذا المستعرب كذلك كيف أن قرطبة ومسجدها كانا دائما رمزا ومثالا للتسامح والتعايش بين الثقافات والديانات في أبهى صورهما على امتداد التاريخ، ولا يظهر ذلك خلال هذه الجولات الليلية لهذا المشروع الثقافي، والتاريخي، والسياحي الضخم الذي أطلق عليه إسم (روح قرطبة) حيث يتمّ التركيز فقط خلال هذه التفاسيرعلى كلّ ما هو معماري ومادي ملموس، دون استغوار أو إستبطان أو استكناه أو إبراز روح هذه المعلمة الخالدة والدور الحضاري، والثقافي، والعلمي، والديني الذي اضطلع به هذا المسجد العظيم الذي طبّقت شهرته الآفاق، منذ تأسيسه عام 785 م ( 92 هجرية) على يد الأمير عبد الرحمن الأوّل الداخل الملقب بصقر قريش، والذي تمّ تجديده وتوسيعه في عدّة تواريخ لاحقة من طرف الأمراء والخلفاء الذين تعاقبوا بعده، أي انّ هذا المسجد الجامع قائم ومعروف بهذه الصفة منذ ما ينيف على ثلاثة عشر قرنا. وكان أسقف قرطبة الحالي المسمّى ‘مونسنيور ديميتريو فيرنانديس غونساليس’ قد طالب قبل انطلاق تدشين هذا المشروع السياحي التاريخي استبدال إسم ‘المسجد’ ب ‘الكاتدرائية’، وقد أثار هذا التصريح ردود فعل عديدة من لدن مواطنين عاديين إسبان من سكان قرطبة على وجه الخصوص، وكذلك من مختلف شرائح المجتمع الاسباني من سياسيّين، ومثقفين، وكتّاب، وشعراء، ومؤرّخين، ومستعربين وسواهم الذين استنكروا برمّتهم هذه التصريحات الموغلة في التزمّت، وانكماش في التفكير، بل إنّها تصريحات لا تنتمي الى عصرنا بقدر ما تؤوب الى عصور غابرة ولّت وانقضت، إذ كيف يمكن تغيير إسم معلمة تاريخية ذائعة الصيت تحمل اسم (مسجد) منذ القرن الثامن الميلادي الى اسم آخر.

؟ حاضرة فاقت كلّ الأمصارقرطبة مدينة الجمال والظلال، والألوان والأحلام، والشوارع الفسيحة، والأزقّة الضيقة الناصعة البياض، أشهر المعاقل والحواضرالإسلامية في شبه الجزيرة الإيبرية على امتداد العصور.

عنها قال شاعر أندلسي مشيدا بفضلها على باقي الأمصار الأندلسية الأخرى أيام عزّها:

بأربع فاقت الأمصار قرطبة هي قنطرة الوادي وجامعها هاتان ثنتان والزهراء ثالثة والعلم أعظم شيء وهو رابعهاذه المدينة التي كانت تحفل بالمكتبات وأروقة العلم وبيوت الحكمة، كانت تزيّن خزانة ‘الحكم المستنصر’ بها (861-976 م) أزيد من أربعمائة ألف مخطوط.

شوارعها، أزقتها الضيقة الصامتة المرصوفة بالحجارة تنبض بالحركة والحياة، كل ركن من أركانها يعانق التاريخ. صمتها يشيع السكينة والطمأنينة في النفوس، ويبعث على التأمل وإعمال النظر، نافوراتها التي تقذف المياه العذبة البلّورية الصافية التي تـتـفجّر من الينابيع القديمة، وتنشر السعادة والحبور والرذاذ المنعش في كل مكان، هذه المدينة الساحرة عنها يقـول شاعرها الكبير’ لويس دي غُونْغُورا'( 1561-1627( : آه أيها الجدار الشامخ….. آه أيتها الأبراج المتوّجةبالشرف والجلال والشهامة… أيّها الوادي الكبيرإرث الأندلس العظيم… ذو الرمال النبيلةالتي لم تعد ذهبية! … أيها السهل الخصبأيتها الجبال الشاهقة… التي جلّلتها السماءوأكسبها المساء لون الذهب.. آه يا بلدي المجيدبالأقلام والسيوف.. بين تلك المعالم والمآثر التي يزيّنها نهر شنيل.. ويغسلها نهر الدارّوذاكرتك ليست غذائي.. وعيناي الغائرتان ليستا جديرتينبرؤية جمالك، وجدارك، وأبراجك.. وأنهارك وسهولك وجبالك آه يا بلدي يا زهرة الأندلس*. إنّ الشاعرعندما يتحدّث عن الجدران والأبراج، لابدّ أنه رآها بأمّ عينيه في هذه المدينة التي هي مسقط رأسه، إلا أنه لم يعد لها وجود، ومن شأن ذلك ان يضاعف من مقدار شعوره بالألم والحسرة والمرارة.

، وهوعندما يتحدّث عن السيوف لابد أنه كان يفكر في أبطال هذه المدينة ذات الروح والجسد العربيين. وعندما يتحدّث عن الأقلام، فلابدّ أنه كان يفكربعلماء هذه المدينة وشعرائها، وفقهائها، وحكمائها، وفلاسفتها بدءا بالعهد الإسلامي المجيد حتى العهد الروماني القديم للمدينة أي وصولا إلى فيلسوفها وحكيمها’ سنيكا.’قرطبة بيزنطة الغربكل شيء في هذه المدينة يذكّرنا بعصر الخلافة إبّان مجدها في القرن العاشر حيث كانت قرطبة تعتبر بيزنطة الغـرب في ذلك العصر، وكانت اللغة العربية في ذلك الوقت تعتبر بمثابة اللغة الانجليزية في عصرنا، ولا شك أن عظمة هذه المدينة تأتي من عظمة مسجدها الأعظم.

وعبقرية المكان الذي بنيت فيه هذه المعلمة الخالدة، يقول ‘ميشيل بوطور’: ‘إنه من سخف الأقدار أن يعمل الإنسان على إضفاء الطابع المسيحي على المسجد وهو ذو طابع إسلامي محض، إن ذلك في نظره بمثابة اختراق رمح أو خنجر لقلب مؤمن تقيّ ورع، إن الإضافات التي ألحقت بالمسجد كانت من السخف حتى أمست أضحوكة في أعين كل من زار هذه التحفة المعمارية الفريدة، فقد أقحمت كاتدرائية في قلب المسجد التي تبدو وكأنها غارقة في غابة من الأقواس والأعمدة ذات الرونق العجيب التي شيّدت بأشكال هندسية بديعة تحيّر الناظرين، وقد أصبحت هذه الكاتدرائية الدخيلة كحجرة وقد رمي بها وسط غدير جميل فغطتها المياه! إنها تحول دون رؤية جمالية البناء، والاستمتاع بسحره وروعته وجلاله، إنها تبدو كفقاعة من ملل تفسد هيبة المكان’. إنّ الندم والتأسّف لابد أنهما قد صاحبا العديد من سكان المدينة من القرطبيين على إمتداد التاريخ حكّاما كانوا أم مواطنين عاديين، من جراء محاولات إفساد أجمل معلمة حضارية في مدينتهم، بل أجمل المعالم التي شيّدتها يد شريفة في التاريخ. الملك الاسباني ‘كارلوس الخامس’ (1500-1558) هوالذي سمح من بعيد ورخّص ببناء هذه الكاتدرائية وسط المسجد الجامع، ولكنه عندما حضر إلى قرطبة وقام بزيارة المسجد لأوّل مرّة ورأى النتيجة، نتيجة الصراع. إستشاط غضبا ولم يكن في وسعه إلا أن يعلن هـزيمة الحزب الذي ساند وأيّد، سجّل له ذلك التاريخ في كلمات مأثورة ومشهورة في هذا المقام، قال: ‘ويحكم ماذا فعلتم؟! والله لو كنت علمت بما كنتم تنوون القيام به ما سمحت لكم بذلك، لأنّ الذي شيّدتم هنا يوجد في كل مكان، وأمّا الذي كان موجودا هنا، فهو فريد وليس له نظير في أيّ مكان’!. أبيات ‘غونغورا’ من ترجمة كاتب هذه السطور عن الاسبانية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية