مهمة ثقيلة بانتظار الفائز بالانتخابات ايا كانالقاهرة – رويترزر: تراجعت آفاق تشكيل حكومة متجانسة يمكنها إصلاح الاقتصاد المصري المتهاوي بدرجة أكبر بعد أن أحكم المجلس العسكري قبضته على السلطة ما أثار الشكوك حول تعهده بالتحول الديمقراطي.
فقد أعطى مرسوم عسكري صدر مساء الأحد مع انتهاء الانتخابات الرئاسية جنرالات الجيش سلطة سن التشريع وتحديد من سيكتب الدستور الجديد. ويأتي ذلك بعد قرار محكمة الأسبوع الماضي حل فعليا البرلمان وهو المؤسسة الوحيدة من مؤسسات الدولة التي تتمتع بتفويض شعبي. ويتراجع الاقتصاد المصري منذ اندلاع انتفاضة شعبية اطاحت بالرئيس حسني مبارك قبل 16 شهرا ما أثار اضطرابات اجتماعية وسياسية مستمرة منذ شهور.
وسعى المستثمرون للخروج من البلاد بعد الانتفاضة ومازالوا عازفين عن الاستثمار، ولم تشجعهم محاولات الحكومة المدعومة من الجيش لتهدئة مناخ الأعمال وظلوا قلقين من مخاطر انهيار العملة الذي قد يبدد ارباحهم.
وتضخم العجز المصري بما لا يترك مجالا يذكر لإصلاحات هيكلية عاجلة دون دعم مالي بالمليارات من مانحين أجانب مثل صندوق النقد الدولي. لكن قرضا بقيمة 3.2 مليار دولار من الصندوق معلق الآن على التوصل إلى توافق سياسي على الإصلاح الاقتصادي بات تحقيقه أصعب مع اشتداد المواجهة بين الجيش والقوى السياسية.
وقال سعيد الهرش الاقتصادي في كابيتال ايكونوميكس ‘ليسي هناك برلمان متفق عليه لذلك لا يمكن لحكومة عسكرية ولا لرئيس بسلطات محدودة للغاية الالتزام بإصلاحات طويلة الأجل في مصر’. وعملت الحكومة المدعومة من الجيش منذ توليها السلطة على السحب من احتياطي العملة الأجنبية الذي انخفض أكثر من النصف لدعم العملة المحلية وتمويل العجز المتنامي في ميزان المدفوعات. وفي الوقت نفسه قامت بتمويل عجز ضخم في الميزانية باقتراض قصير الأجل من البنوك المحلية ما ضغط على سوق الائتمان ودفع أسعار الفائدة للارتفاع. وفي مزاد أمس الاول بلغ عائد أذون خزانة ذات أجل 91 يوما أعلى مستوياته في 15 عاما على الأقل. والسياسات التي ساعدت الحكومة على عبور المرحلة الانتقالية لم يعد من الممكن استمرارها.
وقالت مؤسسة موديز للتصنيف الائتماني امس الثلاثاء إن الحكم الذي اصدرته المحكمة الدستورية العليا في مصر الأسبوع الماضي بعدم دستورية قانون الانتخابات البرلمانية له أثر سلبي على تصنيف البلاد الائتماني عند B2. ووضعت المؤسسة التصنيف الائتماني لمصر قيد المراجعة مع احتمال الخفض وأبقت على هذا التصنيف في نهاية نيسان/ابريل الماضي.
وكان يعتقد أن الحكومة الجديدة ستتحرك بسرعة للتوصل إلى اتفاق قرض مع صندوق النقد لتتمكن من إصلاح مالياتها. وقبل أن يوافق الصندوق على القرض طالب مصر بتنفيذ إجراءات تقشف للسيطرة على عجز الميزانية وجمع مليارات الدولارات من مانحين من الخارج والتوصل إلى توافق سياسي محلي واسع النطاق على أي اتفاق. وقال غابريال ستيرن من اكسوتيك للسمسرة ‘كيف يمكن اتخاذ مثل هذه القرارات الاقتصادية الضخمة في مثل هذه الظروف؟’. وأضاف ‘لم يتخذ قرار بشأن الصندوق أو بشأن سعر الصرف منذ بداية الثورة ويبدو ان هناك المزيد من التأخير ولفترة طويلة’. وأضرت الانتفاضة المصرية بالاقتصاد عن طريق إبعاد السياح والمستثمرين الأجانب ودفعت موظفي الحكومة لاحتجاحات للمطالبة برفع الأجور. فانكمش الاقتصاد بمعدل 4.3 بالمئة في الربع الأول من عام 2011 واستقر منذ ذلك الحين.
وارتفع عجز ميزان المدفوعات إلى 11 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية 2011-2012 أي أكثر من مثلي مستواه قبل عام إذ نضبت تدفقات الأموال على البلاد تقريبا.
ومع ذلك يقول اقتصاديون إن مصر يمكنها الصمود فيما يبدو بضعة أشهر أخرى قبل الانهيار. وفي أيار/مايو تم جمع مليار دولار من بيع اذون خزانة مقومة بالدولار للبنوك المحلية ما أدى إلى زيادة صافية قدرها 300 مليون دولار بالاحتياطيات الاجنبية. وفي وقت سابق هذا الشهر تلقت الحكومة 1.5 مليار دولار لدعم الميزانية من السعودية. وتتوقع مصر هذا الشهر الحصول على ما بين مليار وملياري دولار من بيع شركة الهاتف المحمول موبينيل لشركة فرانس تليكوم.
وفي الأسبوع الماضي أعلنت مجموعة من المستثمرين انها حصلت على قرض بقيمة 3.7 مليار دولار لبناء مصفاة نفط خارج القاهرة. وسيساعد ذلك الاقتصاد على تغطية سندات أجنبية بقيمة مليار دولار تستحق السداد و700 مليون دولار ديونا لنادي باريس يتعين سدادها في يوليو.
لكن احتمالات الدولرة وزيادة الضرر على السياحة من الاضطرابات السياسية تزيد من الضغوط على ميزان المدفوعات.
ونما الاقتصاد المصري بنسبة 0.3 في المئة فقط في النصف الثاني من 2011، لكن محللين يرون أنه انكمش العام الماضي لأول مرة منذ ستينيات القرن الماضي وسط الأزمة التي دخلت فيها البلاد بعد الثورة.
وتشير التوقعات إلى أن الاقتصاد سينمو بنسبة ثلاثة في المئة تقريبا خلال 2012 أي أقل من المتوسط الذي حققه خلال العقد الماضي وهو خمسة في المئة.
وقال ستيرن إن من المخاطر المحتملة أن يسعى المصريون لتحويل أموالهم من الجنيه المصري إلى الدولار. وأضاف ‘ما يقلقني من الاحتياطيات بالعملة الأجنبية هو أنها تتراجع لأن الثقة في الجنيه المصري تتآكل باطراد’. وقد يأتي الاختبار الأكبر في وقت لاحق هذا العام عندما يحل أجل أذون الخزانة الحكومية المقومة بالدولار ذات الأجل عام التي بدأ إصدارها العام الماضي. سيتعين حينئذ سداد او تمديد إذون تزيد قيمتها على 4.25 مليار دولار في الفترة من 30 تشرين الثاني/نوفمبر إلى 22 شباط/فبراير. وقال اقتصادي إن البنك المركزي يمكنه المناورة بطرح أذون جديدة مقومة بالدولار وضغط الواردات وخفض دعم الوقود بمقدار ضئيل كما ان انخفاض الأسعار العالمية للسلع سيساعد بدرجة كبيرة.
وسيحتاج ايا كان الذي سيسيطر على الحكومة الى الشرعية لاقرار سياسات تقشفية مثل زيادة الضرائب وخفض الدعم على منتجات الطاقة.
وقال يوسف كامل وهو محلل مع رسملة يعمل من القاهرة ‘لا يمكن لحكومة التصدي للتداعيات الاجتماعية والسياسية لاي تقشف او اصلاح هيكلي للميزانية في هذه المرحلة’. وكانت جماعة الاخوان المسلمين قد اعلنت قبل الانتخابات الرئاسية انها ستتحرك سريعا في حال انتخاب مرشحها محمد مرسي للتفاوض على قروض من صندوق النقد والبنك الدوليين واشارت الى انها قد تطلب قرضا من صندوق النقد اكبر من الذي تطلبه الحكومة الحالية ويبلغ 3.2 مليار دولار.
وخلال وجودهم في البرلمان عرقل الاخوان المسلمون الذين يؤيدون نظام السوق بقوة محاولة الحكومة التي يدعمها المجلس العسكري لاقرار الاتفاق مع صندوق النقد قائلين انهم لم يحصلوا على معلومات كافية ويجب الا يتحملوا مسؤولية تسديد اموال لن يتحكموا في صرفها.
وربما يتغير الوضع الان في ظل احتمال سيطرة الجيش على التشريع ومطالبة الاخوان بالرئاسة.
وقال ستيرن ‘ربما يستطيعون فعل شيء بعد هدوء الاوضاع وتقلد مرسي للرئاسة. لكن ينبغي انتخاب برلمان ايضا وهذا سيستغرق وقتا’. وتشكو غالبية المصريين من ان أسعار الكثير من السلع الاستهلاكية فوق قدرة معظم الناس على الشراء. وعمت الشكوى من ارتفاع الأسعار حتى من التجار.
وقال تاجر في أحد أسواق الخضر والفاكهة بالقاهرة يدعى أبو دومة ان كثيرا من المواطنين اصبحوا غير قادرين على شراء الخضار والفواكه الا في ادنى الحدود لان دخولهم المالية لا تكفي لتغطية حتى احتياجاتهم الاساسية.
وقالت ربة منزل تدعى عايدة واصف ‘الأسعار غالية طبعا.. الأسعار غالية جدا لدرجة مش قادرين. نشوف الفاكهة قدامنا ما نقدرش نشتريها وبنمشي. ح نعمل أيه. بندور على الحاجة الرخيصة. أهم حاجة هي لقمة العيش طبعا والخضر. وسعر الخضر عالي حتى’. وأدت الانتفاضة التي أطاحت بنظام الحكم السابق العام الماضي إلى عزوف السياح والمستثمرين الأجانب وهما مصدران رئيسيان للعملة الصعبة. ويرى اقتصاديون أن مصر ستحتاج إلى 11 مليار دولار على الأقل خلال العام المقبل لتفادي كارثة بميزان المدفوعات وتراجعا محتملا في قيمة العملة.
وتراجع الاحتياطي المصري من النقد الأجنبي إلى أقل من النصف. واقترضت الحكومة لتمويل عجز الميزانية بأسعار فائدة مرتفعة بعد أن وصلت البتوك المحلية إلى طاقتها القصوى في الإقراض. وتراجع الجنيه المصري 3.8 في المئة منذ الانتفاضة.
وتراجع المؤشر الرئيسي للبورصة المصرية امس الاول بنسبة 3.4 في المئة، وواصل هبوطه اليوم وتراجع امس بنسبة 4.2′. لكن أمير يوسف الوسيط في البورصة ذكر أن العملة ستتعافى بعد استقرار الوضع السياسي، وقال ‘بالنسبة للمستثمرين المصريين عندهم حالة ترقب حذر إلى حد ما. كل واحد.. السيولة موجودة بس للأسف هي برة (خارج) السوق.. ننتظر فقط بعض الاستقرار عشان السيولة تضخ في السوق وترجع ثاني تدور بين القطاعات زي ما كنا في السابق. بالنسبة للمستثمرين الأجانب هم متخذين نهج بيعي منذ أكثر من ثلاثة شهور نظرا لتردي الأوضاع الاقتصادية وتردي الأوضاع الأمنية وعدم الاستقرار. فأعتقد أن الفترة القادمة السوق ح يفضل على ما هو عليه من تحقيق حسائر فادحة كل يوم لغاية استقرار الوضع السياسي’. والأمن عنصر بالغ الأهمية لتنشيط السياحة التي خسرت ثلث معدلاتها العام الماضي.
وقال ابراهيم محمد المدير العام لشركة برفكت المصرية للسياحة إن أعداد السائحين تراجعت بعد الانتفاضة إلى 4.7 مليون مقابل 10 ملايين سائح في عام 2010. وأضاف انه رغم وجود حجوزات الا انها ليست بالقدر المتوقع أو المستهدف.