د. يوسف نور عوض
عندما بدأت ثورات الربيع في العالم العربي تساءل الكثيرون في السودان هل من الممكن أن يحدث مثل هذا في بلدهم من أجل إسقاط النظام؟ الرأي الرسمي كان يميل إلى أن السودان سبق الدول العربية في هذا الاتجاه منذ عام 1964 عندما قام بثورة شعبية أسقطت نظام الفريق ابراهيم عبود العسكري وهو ليس بحاجة إلى ثورة جديدة لإسقاط النظام، وكنت قد تبنيت رأيا يقول إنه على الرغم من أن السودان يخضع لنظام عسكري فإن عسكر السودان من نوع خاص إذ أنهم لا يرتكبون الجرائم التي ترتكبها الأنظمة العسكرية في بعض بلدان العالم العربي، وقد قلت من زاوية أخرى إن السودان بلد محكوم عليه بالوحدة الجغرافية وإن جميع الحركات الجهوية التي تطل برأسها في الوقت الحاضر والتي حققت نجاحات من قبل، سوف تدرك عاجلا أم آجلا أن ما تدعو إليه لا يتناسب مع حاجات السودان، ولكن ما ذهبت إليه لا ينفي حقيقة أن هناك قوى معارضة للنظام القائم في السودان ولها رؤى مختلفة، ولكن ليس بالضرورة أنها رؤى سوف تحدث تغييرا جوهريا في البلاد، وذلك ما سأناقشه في مجموعة من الآراء المهمة.
في البداية أتوقف عند حوار أجراه طارق عثمان مع الأمين السياسي لحزب المؤتمر الشعبي المعارض كمال عمر.
وكان السؤال الأول يدور حول الرفض المتكرر من قبل المعارضة للحوار حول وضع دستور جديد للسودان، وعندها قال كمال عمر إن الدستور هو عملية شاملة ولا تهم فقط طرفين متعارضين، وأشار بذلك إلى نقطة جوهرية، وهي أن الدستور لا يمكن أن يتم الأخذ به إلا في إطار وضع شامل يكون مرضيا لجميع الناس، وذلك من وجهة نظره ليس الوضع القائم في السودان في الوقت الحاضر وعندما سئل إن كانت العقبة الحقيقية هي أن المعارضة تريد دستورا علمانيا قال إن مجرد طرح هذه القضية في الوقت الحاضر سيشق الصف السوداني، وذلك بالطبع لأن أنصار النظام يقبلون طرحه في التوجه الإسلامي الخالص.
على الرغم من أن النظام من وجهة نظره قدم أسوأ نموذج في تطبيق ما يريد تطبيقه في نظام الحكم.
وأما بالنسبة للفترة الانتقالية في حال سقوط الحكم فقال كمال عمر إن الجبهة الثورية تريد أن تكون الفترة الانتقالية أربع سنوات بينما تريدها المعارضة ثلاث سنوات، ولكنه يرى أن بحث مثل هذه المسائل لم يحن وقته بعد. أما لماذا فشلت المعارضة في تحريك الشارع من أجل تحقيق أهدافها فيرجع سببه في نظره لسياسة القمع التي تمارسها الحكومة والتي لا تسمح بالتجمعات المعارضة، ويخلص كمال عمر إلى أن أي محاولة لحل مشاكل الحكم بصورة ثنائية ستبوء بالفشل وأن الحل من وجهة نظره يكمن في إزالة النظام ثم يبدأ ابعد ذلك التفكير في النظام الذي ستكون عليه البلاد.
والغريب أن رئيس هيئة تحالف المعارضة فاروق أبوعيسى يرى أن أيام النظام باتت معدودة ولكنه يقر في الوقت ذاته بوهن المعارضة، دون أن يحدد الكيفية التي يمكن أن يزول بها النظام إذا كانت المعارضة تعاني من الوهن ولا تستطيع تحقيق ما تريد. ولكنه يرى أن الأزمات الاقتصادية والتضخم ونهب الأموال ربما تكون من الأسباب التي تسرع في هذه الإزالة، وهذه أسباب عامة تحدث في كل البلدان دون أن تكون لها تداعيات سياسية.
وعلى الرغم من دعاواها السلمية فقد كشفت المعارضة أنها على وشك أن توقع اتفاقا مع الجبهة الثورية الحاملة للسلاح وذلك من أجل وضع الترتيبات اللازمة لفترة ما بعد إزالة النظام، وفي الوقت الذي يدعو فيه حزب المؤتمر الشعبي بقيادة الشيخ حسن الترابي بالمنهج السلمي للتغيير فإن الأمين السياسي للحزب كمال عمر يؤكد أن حزبه يواصل عملية الحوار مع الجبهة الثورية، وتظهر من ذلك أساليب التخبط التي تعانيها المعارضة السودانية التي تقول من جانب أنها تتبع الأسلوب السلمي وتؤكد من جانب آخر أنها تجري حوارات مع الجبهة الثورية التي تحمل السلاح ولم تعلن اتجاهات وحدوية تسعى لتحقيقها.
ويقودنا ذلك إلى التوقف عند الدراسة المهمة التي كتبها عبدالله علي ابراهيم حول موقف المعارضة من نظام الحكم.
ويبدأ عبدالله هذه الدراسة بقوله إن توقيع المعارضة السودانية لميثاق الفجر الجديد مع الجبهة الثورية في كمبالا يكشف الأمراض الحقيقية التي تعاني منها المعارضة. ويلفت عبدالله علي ابراهيم في مناسبة هذا التوقيع الأنظار إلى قول مادلين أولبرايت وزيرة خارجية بيل كلنتون للأحزاب إنه من الصعب تسليمكم السلطة وأنتم على هذه الدرجة من الفرقة. وكأثر لذلك هاجمت الحكومة الموقعين على وثيقة الفجر الجديد بأنهم خالفوا مبدأ العمل السلمي واتفقوا مع تنظيمات تدعو إلى إسقاط النظام بالقوة، وذلك ما جعل أحزاب المعارضة تتبرأ من هذا التوقيع وتقول إن الذين وقعوا على الوثيقة لم يكونوا مفوضين من قبلها وإن الأمر كان يستدعي عرض الوثيقة على قيادات أحزاب المعارضة قبل تحديد موقف منها. ويخلص عبدالله علي ابراهيم إلى أن التوقيع على وثيقة الفجر الجديد هو انتهازية سياسية من قبل أحزاب المعارضة.
وإذا نظرنا إلى المشهد السوداني برمته وجدنا أنه لا يختلف كثيرا عما يحدث في بعض بلدان العالم العربي الأخرى، ذلك أن الهدف الأساسي هو إسقاط نظام حكم قائم، ولكن من أجل ماذا؟ هذه هي العقبة التي تقف عندها أحزاب المعارضة و كما حدث في بلدان عربية أخرى يتضح أن نتيجة إسقاط النظام هي إقامة سلطة جديدة ليس من الضروري أن تكون أفضل من النظام القائم بكون الهدف في آخر الأمر هو استبدال سلطة بسلطة، ولكن هل ستغير السلطة الجديدة الوضع في البلاد؟ لوكان هذا ممكنا لحدث في تونس وليبيا ومصر واليمن، ولكنه لم يحدث لأن ما تسعى إليه الشعوب ليس فقط تغيير حكامها بل تغيير نظم وأسلوب عمل الدولة لتلحق البلاد العربية بركب الدول المتقدمة، لكن كثيرا من حركات التغيير في الدول العربية تعتقد ان الانتقال إلى مرحلة التقدم يحتاج إلى فترة زمنية وهذا قول يبدو مقبولا من الناحية النظرية ولكنه غير مقبول من الناحية الواقعية لأن الدول العربية لا تسير في طريق التقدم بل هي مغلقة في داخل الشعارات الطائفية والقبلية والأيديولوجية، ولا تنظر إلى الدول المتقدمة التي لا توجد بينها دولة واحدة تؤسس سلطتها على أساس طائفي أو قبلي. وبالطبع نحن لا نتوقع أن يتحول السودان في هذه المرحلة إلى نموذج الدول المتقدمة لأن الصراع مركز الآن بين سلطة قائمة وأحزاب جربت نفسها في الحكم وكانت النتيجة ظهور عدة أنظمة عسكرية، وليس هناك ما يؤكد أن هذه الأحزاب تسعى في الوقت الحاضر لتأسيس نظام دولة يعمل بصورة حديثة من أجل تغيير صورة المجتمع إذ كل ما تسعى إليه الأحزاب هو استبدال سلطة بسلطة وتلك هي المشكلة التي تجعل التغيير صعبا ليس في السودان وحده بل في كثير من دول العالم العربي.’ كاتب من السودان