التقتها فاطمة عطفة: إعلامية سعودية تقارب تجربتها في مهنة المتاعب عشرين سنة، لكن ثقتها بنفسها ومحبتها للحرية واعتدادها بإرادتها الحرة دفعتها للتخلي عن الإعلام ‘لأسباب خاصة’ كما تقول. واتخاذ مثل هذا القرار الصعب لا يتم إلا بشجاعة كبيرة وانسجام مع المبادئ والأفكار العميقة وقراءة متأنية في الظروف وأعماق النفس. إنها الإعلامية سارة عبد العزيز التي عملت مذيعة في إذاعة الرياض نحو عشر سنوات بدءا من سنة 1994، ثم انتقلت لتعمل مذيعة في بانوراما التابعة لمجموعة إم بي سي في دبي لمدة سنة، ثم معدة ريبورتاجات في ‘نيوزهوم’ العربية ما بين 2005 و200،. وكان لنا معها هذا اللقاء في دبي، وقد تفضلت مشكورة فخصتنا بساعة من وقتها لهذا الحديث.
ـ من خلال مسيرتك الإعلامية، كيف ترين مزايا التجربة الإعلامية بين الإم بي سي وبين الإعلام العربي في المؤسسات الأخرى؟ وما مدى التطور الذي لاحظته في إعلامنا العربي خلال هذه الفترة؟* ‘إم بي سي هي مؤسسة سعودية لها نفس التعامل والإيديولوجية والإدارة، إلا أنها تختلف فقط بالتقنيات المستخدمة في كل مؤسسة وما بين الوزارة. لكن الأمور المتميزة فيها هي الكوادر التي كانت موجودة سابقا من أيام لندن، والتنوع في الجنسيات المختلفة التي تعمل بها، فهي تثري العمل الإعلامي. صحيح أنه نفس نظام الإذاعة ونفس السياسة المتبعة في تقديم الأخبار والبرامج، ولكن هذا التنوع والاحتكاك مع خبرة الجنسيات المتنوعة يضيف للشخص شيئا جديدا بالإضافة للتقنيات المتطورة’. ـ نلاحظ في مجال الإعلام والفنون العربية بشكل عام أن كوادرنا، بعد أن تنتهي من دراستها الأكاديمية، نرسلها للخارج كي تحصل على تدريب عملي في الخبرة المهنية بمختلف الاختصاصات، ولكي نتجاوز هذا هل يجب برأيك أن ننشئ معاهد خاصة لتدريب هذه الكوادر بدل من إرسالها للخارج كي ينالوا نفس التقنية التي يتمتع بها الأجانب؟* ‘نحن وبسبب ضعف المؤسسات التعليمية لدينا، نرى أن الدولة تجبر على إرسال هذه الكوادر إلى الخارج للتدريب على أساس أن يحصلوا على احتكاك جديد وممارسة جديدة في دولة غريبة، فهذا يعطيهم إحساس بالثقة. سأضرب لك مثلا: لدينا في السعودية معهد للتدريب المهني لكنهم أغلقوه، هذا المعهد بعد المرحلة المتوسطة كان يدخل له الطالب فيتدرب ويبدأ بالتخصص ولكن تم إغلاقه. نحن لدينا مخرجات التعليم غير متناسبة تماما مع احتياجات المجتمع أو الدولة والمؤسسات، سواء في القطاع العام أو الخاص، فبالتالي يجب أن يواكبوا هذا الشيء ويحدوا من مسألة التكاليف الكبيرة الناتجة عن السفر للخارج، فكل هذه التكاليف هي عبء على الدولة خاصة أن هناك أعدادا كبيرة من الخريجين الذين يسافرون للتخصص ولنيل الدراسات العليا أو للتدريب. هذا كله يسبب نوعا من الخلل في ميزانية الدولة بين الداخل والخارج. هناك أيضا مؤسسات قطاع خاص تشجعها الدولة، ولكنها غير ناجحة وليست بالمستوى المطلوب بالنسبة لأي متخرج أو متدرب أو باحث عن تدريب. وأنا دخلت في إحدى هذه المعاهد فلم تكن بالمستوى المطلوب، وكل الذي درسته وتخصصت به لم يفدني بالحياة العملية.
ـ أنت تعرفين أن الفضائيات لدينا تكلفتها بالملايين وتقنياتها تأتي من الخارج، لماذا لا يقوم القطاع الخاص أو العام لدينا بتدريب الكوادر البشرية العربية وتأهيلها للقيام بالعمل في هذه الفضائيات، فنحن نرى أن القائمين على العمل في الإدارات والمحترفين فيها من الأجانب غالبا؟* ‘للأسف هذا لأن أغلب التقنيات المستخدمة حديثة جدا واستخدامها يحتاج لتدريب بإشراف الكوادر الأجنبية فقط، وتقوم بذلك بعض المؤسسات أحيانا ولكن لناس وناس. وبناء على تجربتي وتجربة غيري يكون هناك دعم لمن يريدونهم وحسب اختيارهم، لكن الحرفية تكون غير واردة لديهم فهي لا تأتي بالإعلانات لرجال الأعمال، وهم يبحثون عن أسماء معينة ويتبنونها. وهذه مشكلة رؤوس الأموال الخليجية في العالم العربي، وهي مفسدة للإعلام وغير بناءة. وهذا الكلام تحدثت به سابقا، لأن هناك لدينا كوادر تمتاز بموهبة وخبرة كبيرة، ومع ذلك تهمل ويتم تحميلها أعباء وأخطاء وإهمال وتجاوزات وتفريط قديم متراكم، كل هذه الأشياء يحملونها لهذه الكوادر، أقصد الإعلاميين القدامى. أنا لست ضد تأهيل الجيل الجديد.. بالعكس، فهو دماء جديدة لكل مؤسسة، ولكن لا يجب إهمال دور الكوادر القديمة. نعود لسؤالك هم ليسوا ضعفاء أو غير قادرين على التدريب بسبب أن هذه التقنيات المستوردة مستوردة مع الكوادر المؤهلة للتدريب، فهم أساسا غير قادرين على تدريب كوادرهم أصلا.
ـ بعد هذه التجربة الطويلة، كيف ترين مسيرتك الإعلامية وهل عانيت حتى وصلت إلى مرحلة معينة قبل تخليت عن الإعلام؟ وما هو سبب تركك للإعلام؟* ‘أسباب تركي للإعلام هي أسباب خاصة، وربما يكون هناك أسباب غير مباشرة في تركي ولكن ليست هي السبب الرئيسي، المعاناة شيء أكيد فأنا أعمل في الإعلام منذ الـ 94 وكانت فترة عصيبة بالنسبة لي وخاصة أننا كنا خارجين من حرب الخليج الثانية، وكان هناك مشكلة قيادة المرأة التي حدثت في السعودية حيث كان هناك نوع من الاتهام والمحاربة والصدام مع المرأة فيما يتعلق بهذا الجانب، وكان هناك توجس من عائلتي ومن الأصدقاء بأن أنخرط بهذا العمل، وخاصة لأنه هناك احتكاك ما بين الرجل والمرأة في وزارة الإعلام. وكان هناك أيضا معاناة في الدراسة، ففي تلك المرحلة كنت في المرحلة الثانوية، فكان هناك الكثير من المسؤولية والصعاب والمشاكل ولم اتمكن أن أتخطاها حتى الآن. وهذا ليس بسبب الإهمال، ولكن غدا هناك تجميد لبعض المسائل العالقة لعل الأيام تحلها، سواء مع الأهل أو الأصدقاء أو مع المؤسسات الرسمية. ولكن كل ما يتقدم بنا الإعلام والتطور والانفتاح تزيد الصعوبات والمسؤولية. أنا أقول دوما لأصدقائي: لماذا المؤسسات الإعلامية عندما يكون هناك جيل جديد تتبناه وتدربه وتركز كل اهتمامها عليه، وتهمل الجيل الذي قبله؟ وسأقول لك لماذا، لأن تدريب وإعادة تهيئة الجيل القديم صعب ومكلف وفيه كثير من الملفات المخيفة التي يخافون من فتحها. على سبيل المثال، في القطاع العام سيتم التساؤل هذا لماذا لم تتم ترقيته؟ ولماذا تم تعطيل مسألة أو قضية معينة خاصة به، فهم ماذا يفعلون؟ يهمشونه ويهملونه ويقفلون عليه الباب ويبدؤون هم يتحركون من خلال الدماء الجديدة ويظهرون على السطح للعامة وللإعلام من خلال الجيل الجديد على أنهم منتجون وفعالون.
ـ لكن غياب هذا التراكم من التجربة مع الأجيال التي يتم تهميشها لا يؤدي إلى تطور الإعلام، برأيك هل هذا هو السبب بأن الإعلام العربي ما زال يدور في ذات الفلك وكأنه في حلقة مفرغة؟* ‘ما زال يدور في نفس الفلك ولن يتغير، لماذا؟ بسبب اتباع ذات السياسات ونفس الإيديولوجيات ونفس النهج وذات التفكير، فنحن لن نختلف ولن نتقدم بإعلامنا. لقد اختلطت بأجانب كثر ورأيت طريقة تعاملهم، وسأقول لك وللأسف تأثيرنا بهم أكبر من تأثيرهم بنا، لأن تأثيرهم علينا ينحصر بالتقنيات والتكنولوجيا. هذه التراكمات التي حدثت لم نتطور بها ولم يحدث لنا إلا شيء واحد وهو أني أسمع الناس غدت تقول كلمة ‘ديمقراطية’، وبصراحة الشيء الوحيد الذي أراه ولا يوجد أي شيء آخر غير هذه الكلمة!
ـ من هذه الديمقراطية وما يحدث في المنطقة، هل تجدين أننا كمجتمعات، وبغض النظر عن المؤسسات الرسمية، صرنا مهيئين لهذه الديمقراطية والتي يقال أنها تحولت إلى فوضى؟ وإدارة الإعلام لهذه الفوضى يدعونا للسؤال: هل هو جزء منها؟ * ‘لقد قلت لك: نحن لم نعد نعرف بسبب التغيير بين الإعلاميين القدامى والجدد الذين ينطقون فقط بكلمة ‘الديمقراطية’ أو بأي جملة ترتبط بهذه الكلمة. لكن للأسف في أي مؤسسة من مؤسسات الدولة، أو عند وجود أي فساد وأي مشكلة قائمة في أي مجتمع، للأسف ليس هناك تطبيق حقيقي وإنما فقط عملية ترديد لهذا المنهج الجديد، ولكن ليس هناك ممارسة حقيقية وليس هناك تأهيل عملي لتطبيق هذا المنهج. مثلا الموظف، متى تشعرين أنه يعتمد على نفسه ويستطيع أن يتحمل المسؤولية تجاه القرارات التي يقوم بتنفيذها عندما يكون واثقا من نفسه وقادر على اتخاذ القرارات. وبناء على الذي أراه، هناك نسبة كبيرة لدينا غير قادرين على اتخاذ القرار، فهناك تخوف، وإنما يشجعونك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة أن تقومي أنت باتخاذ القرار عنهم، لكن هم غير قادرين بتاتا لا اليوم ولا غدا. وأنا أجزم لك أنهم غير قادرين على اتخاذ أي قرار.
ـ كيف ترين مستقبل الإعلام العربي؟ هل هذه المنتديات والفضائيات، بغض النظر عن تمويلها الضخم، هل ستسهم بتطور المجتمع، أم أننا سنبقى ندور في حلقات مفرغة ونعقد مؤتمرات ونتحدث فقط لمجرد متعة الحديث؟ * ‘أنا دوما أقول وأردد: نحن ليس لدينا مستقبل في الإعلام العربي للأسف، كل هذه الأموال المستوردة في نهاية المطاف تبحث عن الربح، سواء كانت بطريقة معنوية أو مادية، وسواء كان لها أهداف معلنة أو خفية غير معلنة، هي في نهاية المطاف لا تصب في مصلحتنا نحن، وحتى لو تغيرت الوتيرة وأصبح إعلامنا يدار برؤوس أموال عربية، الرأس مال العربي جبان وغير مجازف، غير قادر على تحمل المسؤولية، وهو لذلك ضعيف وليس له أساس قوي وهو غير مبني بشكل صحيح.
ـ سننتهي كما بدأنا ومع الشكر الكبير لك، ما الذي ترغبين القيام به بعد هذه الاستراحة المهنية الخاصة، سواء على الصعيد الإعلامي أو الأدبي؟ ‘المشكلة أن الأخبار تزاحمنا من كل حدب وصوب ولا تترك مجالا لممارسة شيء آخر كالقراءة، لقد انخرطت بالقنوات الإخبارية ولا أجد لنفسي مهربا منها وغرقت بها، وقد ابتعدت عن القراءة للأسف ولكني أحاول أن أقنع نفسي أن لا أعود للإعلام، ولكن زملائي ومعارفي يحاولون إقناعي بالعودة وها أنا الآن في مرحلة إعادة لترتيب أوراقي.