من أجل ثقافة ديمقراطية: اقتراحات لإعادة هيكلة وزارة الثقافة المصرية

حجم الخط
0

أسامة عرابيتعاقب على وزارة الثقافة المصرية إثر قيام ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، خمسة وزراء (د. جابر عصفور.. محمد عبد المنعم الصاوي.. د. عماد أبو غازي.. د. شاكر عبد الحميد.. د. محمد صابر عرب ) لم يلبثوا إلا قليلا حتى غشيهم زلزال الانتقاد والاحتجاج؛ فغادروا منصبهم ـ باستثناء د. محمد صابر عرب الوزير الحالي ـ من دون أن يفعلوا شيئاً يذكر، أو أن يستنطقوا التاريخ بمشروع تجديدي بمُكنته البقاء والاستمرار بمنأى عن ضيق أفق وأنانية البيروقراطية المصرية. وقد أنشئت أول وزارة للثقافة في مصر إثر التعديل الذي أجراه اللواء محمد نجيب في 9 من سبتمبر1952، على أول حكومة للثورة برئاسته في7 من سبتمبر1952، وأسندت إلى الأستاذ فتحي رضوان الذي أصبح وزيراً للثقافة والإرشاد القومي بعد أن كان وزير دولة في الحكومة السابقة، والدكتور حسين فوزي وكيلاً له. وكان قد اختاره المستشار سليمان حافظ وكيل مجلس الدولة ورفيقه في ‘الحزب الوطني’ القديم، عضواً في هيئة المستشارين لمجلس قيادة الجيش بعد أن سعى للإفراج عنه لدى اللواء محمد نجيب، فخرج من المعتقل في اليوم التالي للحركة، أي يوم 24 من يوليو1952، وكان قد أفتى أن الشيوعية تهمة اقتصادية لا سياسية، وأن الشيوعيين لا يكونون سياسيين إلا إذا وصلوا إلى سدة الحكم، وبما أنهم لم يصلوا إلى الحكم، فهم اقتصاديون، ولا يسري عليهم قرار العفو الذي شمل السياسيين الذين اعتقلوا من 1939 إلى 1952. وقد أنيطت بوزارة الثقافة والإرشاد القومي عندئذ مهمة ‘الدعوة لمبادئ الثورة، والتعريف ببرامجها واتجاهاتها الاجتماعية والسياسية’ على نحو ما ذهب إليه الدكتور ثروت عكاشة في مذكراته التي حملت اسم ‘مذكراتي في السياسة والثقافة’. لكنها بالإضافة إلى مهامها الإعلامية هذه، نهضت بإنشاء ‘نادي القصة’ عام 1953 بطلب من إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي، و’مصلحة الفنون’ عام 1955 لترعى المسرح والسينما والفنون التشكيلية، وعهد برئاستها إلى أديبنا الكبير يحيى حقي، وأصدرت قانوناً بإنشاء ‘المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية’ عام 1956، وأصبح أمينه العام يوسف السباعي جنرال الثقافة.. و’جمعية الأدباء’ عام 1955، وكان عميد الأدب العربي د. طه حسين رئيسها الشرفي، والقيادة الفعلية للأمين العام يوسف السباعي. واستصدر الأستاذ يحيى حقي قراراً وزاريّاً من الأستاذ فتحي رضوان بتعيين الأستاذ أحمد حمروش مديراً ‘للفرقة المصرية للتمثيل والموسيقى’ عام 1956، الذي صار اسمها فيما بعد ‘المسرح القومي’، بعد أن أقنعه أحمد حمروش بأن الاسم الجديد متداول في معظم الدول الأوربية التي ترعى فيها الدولة الفنون. وهكذا، في الوقت الذي لم تقدم فيه ‘الفرقة المصرية للتمثيل والموسيقى’ منذ أنشئت عام 1935 إلا إنتاج خمسة كتَّاب وشعراء هم: أحمد شوقي وتوفيق الحكيم وعلي أحمد باكثير ومحمود تيمور وعزيز أباظة.. أخذ الجيل الجديد من الممثلين والمخرجين والكتَّاب فرصتهم؛ فبرزت أسماء: نعمان عاشور ومحمود دياب وألفريد فرج وميخائيل رومان وسعد الدين وهبة وعبد الرحمن الشرقاوي وسواهم بدءاً من عام 1956.. وُشكِّل مكتب فني لإدارة المسرح القومي يضم كلاً من: حسين رياض وأحمد علام وفتوح نشاطي وحسن البارودي وعبد الرحيم الزرقاني ونبيل الألفي.. وتألفت لجنة متميزة للقراءة من: د. محمد مندور ود. محمد القصاص ود. علي الراعي ود. عبد القادر القط.. ومن المخرجيْن: فتوح نشاطي ونبيل الألفي. وقدمت مسرحيات عالمية مهمة على خشبته مثل: تحت الرماد للكاتب الأميركي جون شتاينبك، والمومس الفاضلة للفيلسوف الوجودي الفرنسي جان بول سارتر، وانظر خلفك في غضب للكاتب البريطاني جون أسبورن، وزواج فيغارو للكاتب الفرنسي بومارشيه، والخالة فانيا للكاتب الروسي أنطون تشيكوف.. كما أنشئت إدارة للثقافة والنشر كانت في بدايتها تابعة لوزارة التربية والتعليم، ثم انضمت فيما بعدُ بهيئاتها المختلفة إلى وزارة الثقافة في عهد د. ثروت عكاشة، ومركز للفنون الشعبية عام 1957 ليكون مؤسسة علمية لتسجيل التراث الشعبي بمختلف أنواعه، والبرنامج الثاني الذي كانت مدة إرساله ساعتين زيدت إلى ثلاث ساعات بعد ذلك، ومسرح العرائس والمسرح الغنائي وأوركسترا الإذاعة وفصل الباليه التدريبي الذي صار معهد الباليه إبان تولي ثروت عكاشة وزارة الثقافة ومشروع الألف كتاب و’مجلتي’، المجلة الذي تولى رئاسة تحريرها بالتعاقب: د. محمد عوض محمد ود. حسين فوزي في عهد فتحي رضوان، ود. علي الراعي ثم يحيى حقى في عهد ثروت عكاشة، ونهضة إفريقيا.

وبذلك شهدت البلاد نهضة ثقافية وفنية رفدتها برجوازية الدولة الناشئة بطموحاتها الاقتصادية وأمانيها السياسية وتطلعاتها إلى دفع نمو رأسمالي قومي قادر على التحررمن كل أشكال وصنوف الضغط والابتزاز اللذيْن تتعرض لهما من قِبل الدول الإمبريالية الغربية. لكن الأستاذ فتحي رضوان لم يستطع الاستمرار في مناخ الصراع الدائر بين الأجنحة السياسية الحاكمة، وضعف نفوذ رفيقه المستشار سليمان حافظ الذي تعرَّض للاعتقال، وتصاعد نفوذ الأجهزة الأمنية واتساع شبكاتها حتى كادت تستوعب المجتمع كله؛ فنأى بنفسه عام 1958 عن الوزارة ومشكلاتها، فتولاها د. ثروت عكاشة رئيس أركان حرب سلاح الفرسان، ومس}ول أركان حرب الحركة ليلة 23 يوليو 1952. وانسلخت وزارة الثقافة عن الإرشاد القومي الذي أضحى فيما بعد وزارة الإعلام ضامةً إليها دار الإذاعة وهيئة الاستعلامات. وأصبح من المهام العاجلة ‘تجنيد أكبر عدد من المثقفين لتسلَّم إليهم قيادات أجهزتها الثقافية، بدلاً من رجال وزارة التربية والتعليم الذين نقلوا إليها ولم يكن أغلبهم على قدر كافٍ من الوعي بالعمل الثقافي’ كما يذهب الدكتور ثروت عكاشة في مذكراته التي سلفت الإشارة إليها من قبل، ولم ينِ يعدُّ ‘خطة خمسية للعمل الثقافي’ عام 1959 في حدود سبعة ملايين جنيه تشمل: إقامة المتحف المصري ودار الأوبرا الحديثة ودار الكتب الجديدة ومطبعة حديثة واستكمال وبناء مسارح ومتاحف مثل: متحف بورسعيد ومتحف النيل ومتحف المثَّال محمود مختار ومتحف دار ابن لقمان التاريخي بالمنصورة ومدينة الفسطاط السياحية… إلخ، وإنشاء قصور الثقافة، وعرض الآثار الكبرى بالصوت والضوء، والسيرك القومي، ودار لعرض الفنون التشكيلية وبيع إنتاج الفنانين التشكيليين.. وبدأ التخطيط لإصدار الكتب من خلال مشروع ‘المكتبة العربية’، وحوِّلت ‘إدارة النشر’ في عام 1960 إلى مؤسسة مستقلة؛ فأنشأت أربع سلاسل دورية هي: تراث الإنسانية والمكتبة الثقافية وأعلام العرب ومسرحيات عالمية.. وصدرت معاجم: لسان العرب وتداعي المعاني خاص بالمترادفات والرائد الصغير والرائد المصور.. وكتب: الأغاني والنجوم الزاهرة ونهاية الأرب وصبح الأعشى.. ودائرة المعارف الإسلامية والقاموس الإنجليزي العربي.. والفن المصري المعاصر والقاهرة في ألف عام.. وأنشئت ‘الفرقة القومية للفنون الشعبية’، ثم ما لبثت أن انضمت ‘فرقة رضا’ إلى فرق الدولة في عام 1961. وارتفع عدد مسارح الدولة إلى تسعة مسارح بدلاً من مسرحين، وقدمت معونات تشجيعية مختلفة إلى فرق القطاع الخاص الجادة مثل ‘المسرح الحر’ وسواه. ونقلت تبعية الأوركسترا إلى وزارة الثقافة مع بداية عام 1959 باسم ‘أوركسترا القاهرة السيمفوني’، بقرار من مجلس الوزراء. وأنشئ المعهد القومي العالي للموسيقى ‘الكونسرفاتوار’ ومعهد الباليه والمعهد العالي للسينما ومعهد النقد الفني والتخت الكبير ليكون مقابلاً للأوركسترا السيمفوني، وطوِّر معهد الموسيقى العربية والمعهد العالي للفنون المسرحية، ونقابة المهن التمثيلية والسينمائية والموسيقية، وتكونت جمعية الفيلم لعقد الندوات السينمائية الدورية، وُضمت السينما كلها إلى الدولة إنتاجاً وتوزيعاً وعرضاً. وأشار الدكتور لويس عوض على الدكتور ثروت عكاشة بإنشاء ‘المعهد العالي للفنون الشعبية’ لاستكمال جهود سلفه الأستاذ فتحي رضوان، وإعداد من يقومون عليه إعداداً علميّاً نظريّاً، غير أن المعوِّقات البيروقراطية أجَّلت افتتاحه حتى مارس 1982. كما تقدَّم الدكتور لويس عوض في مطلع عام 1959 بمذكرة مستفيضة تتناول موضوع ‘تفرغ الفنانين’ فتبناه الدكتور ثروت عكاشة الذي عمل على استثمار بعض البيوت الأثرية مثل: المسافرخانة ووكالة الغوري وبيت السحيمي مراسم ومحترفات للفنانين من دون أجر. وأنشأ متحف المستنسخات في فن التصوير العالمي بقصر الفنون مستعيناً بالكتالوغ القيِّم الذي أعدته منظمة اليونسكو في مجلديْن؛ أحدهما للصور الكلاسيكية منذ عصر النهضة، والآخر للتصوير المعاصر، وإنشاء قصر الفنون. وغير ذلك من الإنجازات الباهرة التي وضعت الأساس المكين لصناعتنا الثقافية الثقيلة، وصروحنا الفنية الشامخة.. إلا أن سطوة الأجهزة الأمنية وجو الرقابة الخانق صادرا حرية التعبير، وعرَّضا الكثيرين للاعتقال والتعذيب والفصل التعسفي من العمل، بل للتصفية الجسدية، واحتكرت الدولة بذلك كل المبادرات الفردية والجماعية، حتى إن الأستاذ مصطفى درويش الناقد السينمائي الكبير عندما عيِّن مديراً للرقاية على المصنفات الفنية سنة 1962 فوجئ بضرورة التزامه ‘ بتعليمات إدارة الدعاية والإرشاد التابعة لوزارة الشئون الاجتماعية المعمول بها منذ شهر فبراير 1947 ولم تكن منشورة ولا مكتوبة، لا لسبب ‘سوى رغبة القائمين على شئون الرقابة في إحاطة عملهم بسياج من الكتمان’ على حد قوله. بل إن ثروت عكاشة يروي في مذكراته أن سكرتير رئيس الجمهورية دعاه للقاء عاجل مع الرئيس عبد الناصر، الذي ما إن قابله حتى طلب منه الاستماع إلى شريط صوتي مسجل لمجموعة من الأشخاص انهالوا على شخصه بالسباب والشتائم البذيئة، وذكر له اسمي أحد الوزراء وأديب رائد مرموق، وأن يحيى حقي رئيس مصلحة الفنون كان موجوداً معهما ولم يعترض أو يدافع عنه؛ لهذا يتعين إحالته على المعاش. فناشده ثروت عكاشة ترك الأمر له ليعالجه بأسلوب مناسب، فوافق مقتنعاً بعد إلحاح. واعتقل ألفريد فرج وعبد الرحمن الخميسي ولويس عوض وأحمد رشدي صالح ومحمود أمين العالم وصنع الله إبراهيم وسواهم.. وُفصل من وزارة الثقافة: نعمان عاشور وحمدي غيث.. ونصح ثروت عكاشة أحمد حمروش بمقابلة ضباط مباحث أمن الدولة لتوضيح موقفه من عرض مسرحية أمينة الصاوي التي أعدتها عن رواية علي أحمد باكثير ‘النسر الأحمر’ على لجنة القراءة لإبداء رأيها، فشكته لهم. فذهب وقابل الأميرالاي محمود الحمزاوي الذي استعان بالقائمقام حسن المصيلحي (رئيس قسم مكافحة الشيوعية فيما بعد)، وواجه حمروش على نحو ما جاء بمذكراته ‘نسيج العمر’ ـ الاثنيْن بقوله: ‘إنه من المعروف أن هناك صلة تربط السيدة بأجهزة الأمن.. وأنه لا يجوز استخدام مثل هذا الأسلوب الاستفزازي..’ ويكمل أحمد حمروش قائلاً: ‘ ولكن في غمرة الحملة التي أطلقت ضد الشيوعية بادرت وزارة الثقافة إلى عقد مؤتمر في دار الأوبرا حضره على المنصة الدكتور ثروت عكاشة وعبد المنعم الصاوي وعزيز أباظة.. وهكذا فرضت الخلافات السياسية نفسها على وزارة الثقافة، وأطاحت إلى حين بالهدوء الذي يحتاجه نضج الأعمال الفنية’. وأوقف د. ثروت عكاشة عرض مسرحية ‘العرضحالجي’ لميخائيل رومان بعد أن أثارت ردود فعل ساخنة غاضبة ضد الواقع الذي أفرزته كارثة 1967، وأفاد منه. بيْد أن الأمور وصلت حدَّ رفض د. ثروت عكاشة طلب د.

علي الراعي ترك عمله في مؤسسة المسرح، وقام بتعيينه عميداً لمعهد الفنون المسرحية بعد عام 1967 دون استشارته، ولما أصرَّ د. الراعي على الرفض، أحاله إلى التقاعد وهو في سن السابعة والأربعين. ويعلق الدكتور علي الراعي على ذلك في كتابه ‘هموم المسرح وهمومي’، 1994 بقوله: ‘لا يهمني من هذا كله سوى العبرة: أن تختلف مع وزير الثقافة فيحاول الوزير أن يكسر فيك الإرادة والتصميم.. إنه أمر يدعو إلى الدهشة’.. ثم يضيف:’ثورة 23 يوليو كانت منذ البداية منحازة إلى الإعلام على حساب الثقافة، وأن هذه سياسة كانت تنبع من طبيعة النظام ذاته’. الأمر الذي جعل راوي ‘تلك الرائحة’ لصنع الله إبراهيم بعد خروجه من السجن يُجيل نظره فيما حوله فيجد المجتمع الذي تركه منذ سنوات لم يصبح نامياً ولا اشتراكيّاً ولا ديمقراطيّاً؛ فيواصل رحلة البحث من جديد في رواية ‘نجمة أغسطس’، عبر تقويمه إنجازات العهد الناصري وخاصة في السد العالي، فيلاحظ الفرق البيِّن بين الشعار والممارسة، وتصاعد حدة القمع البوليسي. مما دفع الأدباء المجتمعين في ‘مؤتمر الزقازيق’ الذي عقد في عام 1969، إلى المطالبة بأن يقوم على الرقابة مثقفون على مستوى المسؤولية، وأن ُيحتكم عند الخلاف مع الرقابة إلى لجنة من الأدباء والفنانين. لكن أحوال الثقافة المصرية ساءت على نحو غير مسبوق بعدما تولى شؤونها وزراء من طراز د. محمد عبد القادر حاتم ود. إسماعيل غانم ويوسف السباعي وجمال العطيفي وعبد المنعم الصاوي ود. حسن إسماعيل ومنصور حسن ومحمد عبد الحميد رضوان ود. أحمد هيكل وفاروق حسني، ولم يتسنَّ للمرحوم بدر الدين أبو غازي الذي تولى وزارة الثقافة لستة أشهر من نوفمبر 1970، إلى مايو 1971، أن يفعل شيئاً؛ نظراً إلى قصر مدته. وتراجع دور الدولة في دعم الثقافة الجادة، ونفضت يدها من تمويل صناعة السينما ومغامرات فنانيها الطموح، وساد المسرح التجاري أو السياحي الذي يتوجه إلى جمهور لا تعنيه رسالته، وجرى تدشين الحياة الثقافية والسياسية المصرية إبان هذه الفترات والمراحل عبر حلقات متتالية من الوعي الزائف، وهبوط سلم القيم، وانحدار معنى الثقافة ذاته، وشيوع نمط تلفيقي للمثقف يتخذ مساراً تبريريّاً ذا نزعة مراوغة مدجنة.. فضلاً عن التكريس الخاص للمونولوغ الفردي في بيئات النخبة وخطابها.. وتسييد علاقة التبعية الذليلة للمثقف بالسلطة.. ومن ثم تماهيه السلبي مع واقعه المأزوم، ومراوحته على أرضية النظام وفكرياته، ليمسي ـ في التحليل الأخير ـ مهرجاً يحاول ما وسعه الجهد والحيلة، تسخير مهاراته وإمكاناته لتأبيد ‘أورجانون السلطان’ وحصد طيباته. وأغلق يوسف السباعي مجلتي ‘الكاتب’ عام 1974، و’الطليعة’ عام 1977، وأصدر مجلتين تافهتين أسند رئاسة تحرير الأولى ‘الجديد’ إلى د. رشاد رشدي، والأخرى ‘الثقافة’ إلى د. عبد العزيز الدسوقي، وقبض على الكتَّاب والمثقفين التقدميين في قضية أطلق عليها اسم ‘ قضية اليسار الجديد’ عام 1975، ودبَّج لطفي الخولي سلسلة مقالاته الشهيرة في صحيفة الأهرام ‘مدرسة السادات السياسية’، وأصدر محمد سيد أحمد كتابه الشهير ‘بعد أن تسكت المدافع’، وبدأ الترويج للسلام مع العدو الصهيوني وإنهاء الصراع معه باعتبار أن حرب أكتوبر هي آخر الحروب، وفرضت سياسة التبعية لأميركا وإسرائيل من خلال ما سمي إعلاميّاً بالانفتاح الاقتصادي وسياسات الإصلاح المفروضة عنوة واقتدارا من قِبل صندوقي البنك والنقد الدولييْن، وسادت الاتجاهات الرجعية في الأدب والفن، وسيطر د. رشاد رشدي وتلاميذه ‘ د. عبد العزيز حمودة ود. محمد عناني ود. سمير سرحان ود. فوزي فهمي على أجهزة النشر والثقافة وأكاديمية الفنون، وصار جُل ما ينشر ويحظى بالذيوع والانتشار يعبر عن نظرة براغماتية ضيقة إلى العالم والمجتمع؛ باعتبارهما موضوعيْن للتمايز والتحقق بالمعنى الرديء للكلمتيْن، وجرى الترويج لنموذج من المثقفين يقوم بتسويق الأفكار والمشروعات المختلفة، ويستخدم ذكاءه العملي في توطيد أواصر علاقاته بالمتنفذين ورجال الأعمال وأجهزة الأمن المتعددة، و التحريض على مصادرة الكتب كما فعل الكاتبان عادل حسين ود. محمد عباس في أزمة رواية ‘وليمة لأعشاب البحر’، وصلاح عيسى الذي نبَّه فاروق حسني إلى ما انطوت عليه الروايات الثلاث المصادرة عام 2000: قبل وبعد لتوفيق عبد الرحمن، وأحلام محرمة لمحمود حامد، وأبناء الخطأ الرومانسي لياسر شعبان، من أدب ‘بورنوغرافي’ كما جاء في حديث الوزير التليفزيوني مساء11ـ 1ـ 2001؛ إثر الضجة التي أثارها النائب البرلماني الإخواني د. جمال حشمت’ ضدها. ورفعت قضايا الحسبة على الكتَّاب والباحثين للتفريق بينهم وبين زوجاتهم؛ بزعم زيغهم عن الحق، وارتدادهم عن الإسلام، كما حدث مع الدكتور نصر حامد أبو زيد وزوجه، وطلب الأزهر تدخل مجلس الدولة لحسم النزاع بينه وبين إدارة الرقابة بوزارة الثقافة؛ فأصدر مجلس الدولة فتوى في 10 فبراير 1994، تعطي مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الحق في إصدار الرأي الملزم لوزارة الثقافة في تقدير الشأن الإسلامي للترخيص أو رفض الترخيص بالمصنفات السمعية والسمعية ـ البصرية. وتحولت مجلة ‘القاهرة’ إلى جريدة وبوق دعاية لفاروق حسني وزير الثقافة.

وكانت قد أوكلت إلى الدكتور سمير سرحان في مبتدأ عمله بالهيئة المصرية العامة للكتاب مهمة احتواء ‘مجلات الماستر’ التي قامت في وجه الثقافة الرسمية وهشاشة بنياتها في عقد السبعينيات، واستطاعت أن تشكِّل مساراً مغايراً لتوجهاتها، وحدت بالكتَّاب والفنانين إلى البحث عن بديلهم المستقل خارج الأطر المعتمدة، فتشكلت جمعية كتَّاب الغد وجماعة إضاءة وسواهما، وكان سبيله إلى الإغواء والإغراء، فتح قنوات النشر ونوافذه على مصاريعها، والترحيب بكل السابلة والشاردة؛ توطئة لتدجينهم ودفعهم إلى طرح رؤاهم على أرضية النظام وسقفه. وامتلأ معرض القاهرة الدولي للكتاب بكتب ومجلة ‘الصوفية المتجددة’ لشمس الدين الفاسي الحاصل على الدكتوراة من بورما! في الوقت الذي ظل فيه كتاب د. لويس عوض ‘مقدمة في فقه اللغة’ حبيس الأدراج لسنوات خمس، وما إن أفرج عنه حتى صودر ومنع بحكم قضائي في عام 1983.. وقلِّصت ميزانية النشر في عهد رئاسة د. مصطفى علوي رئيس هيئة قصور الثقافة.. وعدم التصدي لعمال المطابع الذين يمارسون دور الرقيب الديني على الكتب والاعتراض عليها.. ولعب د. جابر عصفور دوراً مشهوداً في حمل المثقفين إلى حظيرة وزيره فاروق حسني ونظامه، وسخَّر ‘المجلس الأعلى للثقافة’ لمؤتمرات لم تخدم راهن الثقافة المصرية والعربية، ولا قضاياها الملحة؛ ومن ثم انصرفت إلى تعويض غياب النظام المصري عن الساحة السياسية العربية المؤثرة بهذه التظاهرات الكرنفالية البائسة.

من هنا فإن إعادة هيكلة وزارة الثقافة المصرية تقتضي من وجهة نظري ما يلي:

ـ أن تقدم الوزارة المنشودة مشروعاً ثقافيّاً نهضويّاً قادراً على التفاعل مع سيرورة التحديث والحداثة، وتطوير تراثنا الثقافي عبر أحدث المناهج السسيولوجية والأنثروبولوجية والفيلولوجية، ومن خلال أنتلجنسيا مستنيرة، ذات وعي تاريخي، وتوجه وطني. ـ تحرير العمل الثقافي من الوصاية الأمنية والإدارية. ـ إلغاء القوانين السالبة لحرية التعبير، ورفع يد الرقابة على المصنفات الفنية عن الأعمال الأدبية والفنية، والاحتكام إلى معايير الفن وجمالياته فحسب. ـ إبعاد المؤسسة الدينية من خلال الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية عن التدخل في قضايا الأدب والفن، ومصادرة الحريات الفكرية، وتأثيم النصوص الإبداعية والكتب التي تنهض على التأويل والاجتهاد وإعمال العقل؛ انطلاقاً من المبدأ الذي أرساه الشيخ علي عبد الرازق في كتابه ‘الإسلام وأصول الحكم’ عام 1925 ومفاده: ‘إن الشريعة الإسلامية شريعة روحية محضة، لا علاقة لها بالحكم والتنفيذ’. ـ التكامل الثقافي بين أجهزة التعليم والثقافة والإعلام. ـ تناغم معايير النشر الرسمي مع متطلبات اللحظة الراهنة؛ وما تقتضيه من وسائل وغايات تستجيب لحاجاتنا وأهدافنا المحددة، بمنأى عن المواءمات والتوازنات السياسية الضيقة للنظام. ـ دمقرطة الثقافة والإيمان بالتنوع والتعدد والحق في الاختلاف والتمايز، على النحو الذي يسهم بحيوية وفعالية في بناء حياتنا الجديدة.

ـ اختيار قيادات ثقافية تتمتع بالمصداقية المنشودة، وتملك تصوراً فلسفيّاً لما يتعين أن تكون عليه الثقافة الجادة وضرورات الإبداع في وجوهه المختلفة، عبر دور تاريخي يعي علاقات الواقع وجدله، ويزيح النقاب عن القوى التي تعوق حركته، وتقهر إنسانيته، ويُمسي بمقدورها العبور إلى المستقبل الذي يحقق للإنسان إنسانيته، وللحياة مغزاها. ـ كفالة الحق في تكوين الحركات والتجمعات الأدبية والفنية والثقافية المستقلة، وتوفير المناخ الديمقراطي الصحي، والإمكانات التي تمكنها من إطلاق طاقات الإبداع والتخيل والتصور والبحث لديها.

ـ دعم الاتجاهات والمواقف الوطنية المناهضة للتطبيع مع عدونا الصهيوني، والكاشفة لمراميه وأهدافه الاستعمارية. ـ تعزيز الثقافة العلمية العقلانية، والحد من سيطرة التيارات السلفية والتقليدية على المجتمع، والانفتاح على التجارب التاريخية والإنسانية في العالم.*كاتب وناقد من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية