عزالدين الهيشوفي زمن دفاتر الخلفي إستفاق مسؤول الإعلام العمومي من سباتهم الطويل، لكي يدافعوا حسب زعمهم عن الإستقلالية و التعديدية التي أصبحت في خطر بسب دفاتر سيد الوزير، سندهم في ذلك أن دفاترالتحملات التي جاء بها الخلفي تهدد التعددية و تسعى إلى أسلمة المضمون و الترفيه. لكن متى عرف الإعلام العمومي التعديدية و متى ذاق طمع الإستقلالية، حتى تكون الآن في خطر؟!! ولكن الأسئلة الأهم التي لطالما شغلت خاطري، كلما شهدت قناة من قنوات القطب العمومي، التي يوكل لها القانون تقديم الخدمة العمومية للمواطنين. هل تعكس نشرات الأخبار العمومية هموم المواطنين؟ و هل ينفس ترفيها عن المكروبين من أبناء هذا الوطن؟ هل هي مرآة التي تعكس هويتنا و ثقافتنا؟
بنظرة فاحصة لقنوات الإعلام العمومي، سيجد المرء نفسه أمام كم كبير من العيوب التي لم تترك موطئ قدم لمحاسنه القليلة. عيوب إتخذت سماة شكلية و مضمونية. الإعلام عمومي لم يعرف في يوم من الأيام معنا لتعددية حتى يفقدها لآن، رأي المخزني كان هو الحاضر دائم، المحتكر لكل المضامين. فالنشرات الإخبارية المحددةُ بالخطوط الحمراء و المحررة بلغة الخشب و المتضمنة لمضمون ‘العام زين’ هي سمات الغالبة للقنوات القطب. إن الإعلام العمومي عن وعي منه أو عن غير وعي يطبق نظرية ترتيب الألويات، لكن بشكل معكوس، حيث تفترض هذه النظرية أن تنقل وسائل الإعلام في أجندتها أجندة المواطنين، بكل ماتتضمنه من مشاكل و مشاغل المواطنين، إلى أجندة السياسين قصد إجاد حلول لها، و هنا يلعب الإعلام حلقة وصل بين المواطنين و المسؤولين، ورقيبا على مدى إلتزام المسؤولين بأجندة المواطنين. لكن الإعلام العمومي يسر عكس التيار، إذ ينقل ما تتضمنه أجندة السياسين إلى الرأي العام، قصد إقناعهم بما يريده الحاكمون. في هذه الحالة يتحول الإعلام من خدمة عمومية إلى أداة دعاية، هدفها الوحيد توظيف القوة الإخبارية لإقناع و ترسيخ برامج و خطب المسؤولين في أذهان المواطنين. فنشرتنا تسقطُ من مضامينها ما يعانيه المىواطنون من غلاء الفواتير ماء و الكهرباء… ، و ليس فيها حيز من الوقت لتطرق لشكوى المواطنين من إنعدام الأمن….. ، وإن تعالت المطالب في البوادي و الحواضر المغربية، فإن رؤساء التحرير النشرات العمومية ليس لهم آذان يسمعون بها.
وأمام ردأة المضمون وبداءة شكل، تصبح البرامج الترفيهية مثيرة للإشمئزاز أكثر من ترفيهها عن الناس. برامج الترفيهية في قنواتنا عنوانها البارز: غياب القيمة و حضور الغريزة. جل البرامج الترفيهية التي يتضمنها مشهدنا الإعلامي، غيبت القيمة البناءة التي يجب أن تكون حاضرة في كل البرامج على إختلاف أشكالها و مضمنها، و القيمة البناءة هي تلك القيمة المضافة التي يمتلكها الجمهور أثناء مشاهدة برنامج ما، قيمة تساعد المشاهدين في إغناء معارفهم وزيادة وعيهم و تكوين ذواتهم. أما ترفيه قنوات القطب العمومي فقد غيبت القيمة البناءة، ويتجسد ذلك في التركيز على نوع من الخطاب في شكل: غناء، لهو، مسلسلات عاطفية… ، الذي يمس الغرائز، بلغة التحليل النفسي لفرويد، محاولةُ لمخاطبة الهو، ويستهدف هذا الخطاب أوساط الفئة الشابة في المجتمع. فأغلب مضامين برامج الترفيه المعروضة في الإعلام العمومي جوهرها الظاهر و الخفي يتمحور حول إستدعاء الجسد بوصفه وسيلة للإثارة و التعلق الرمزي، فهو أنجع الطرق و أرخصها لإختراق منظومة الممنوعات و التنفيس عما يعتبر مكبوتات إجتماعية، وينتج عن هذا الخطاب إلغاء القيمة أو تغيبها على الأقل، بذريعة التحرر ومسايرة العصر و الإستجابة للإحتياجات النفسية و العاطفية الملحة، ويكون هذا المنحى منسجما مع نوع من الإيدلوجية السياسية و النزعة ‘الإلهائية’. ترفيهٌ يحط من قدر الجمهور، من مشاهد عاقل إلى مشاهد تحركه الدوافع الغريزة.
المنطق و القانون يفرضان على القنوات العمومية الممولة من جيوب المواطنين، أن تعكس هويتهم و تنسجم مع ثقافهم و أن تكون إمتدادا لأفكارهم ولغتهم. إن القنوات العمومية التي تحترم نفسها و مواطنيها، ومثالا على ذلك شبكة بي بي سي التي من أول أهدافها نشر القيم البريطانية. أما القطب العمومي ففاقد لبوصلة الهوية. إن الغنى الثقافي الذي يزخر به المغرب و يمزه، يتعرض لأكبر عملية تشويه، تشويه إتخذ عدة أشكال و إصطبغ بكثير من الألوان. مرة يتخذ شكل الإقصاء، من خلال إقصاء مواضيع أو مناطق أو شخصيات وطنية، وتشويه من خلال برامج تمس ثوابتنا المشكلة لهويتنا.
إن الدول التي تحترم نفسها تحترم لغتها، فحسب عالم الإجتماع منويل كستل من معهد ماساتشوستس للتقنية، فإن لغة أهم ركائز الهوية، كما أن العالم اللغوي رومان ياكو بسون يؤكد على أن التواصل الفعال و المجدي يحدث عندما تكون القناة و الجمهور يستخدمونا نفس الرمز (يتكلمون نفس اللغة). أين قنواتنا من التواصل الفعال مع المشاهدين، بعض القنوات العمومية تقصي نصيبا كبيرا من المشاهدين. كم هي نسبة الناطقين بالفرنسية في المجتمع المغربي، ما أعلمه في هذا الباب هو أن الذين لايتقنون هذا اللغة يتجاوزون نسبة الذين يتقنونها. إن المسؤولين عن القطب العمومي، تغيب عندهم الرؤيا اللغوية نموذجية التي سوف ترتكز عليها سياسة التواصلية للإعلام العمومي مع المواطنين، فشيء الواضح لديهم و الذي لا لبس فيه هو ضرورة حضور لغة الفرنسية. حتى فرنسا تمنع على قنواتها بث برامجها بلغة غير لغة الفرنسية، كما لا ننسى مفاوضات ‘الكات’ (مفاوضات التجارة الحرة) التي شهدنا فيها المعركة التي خضتها فرنسا ضد الولايات المتحدة في مجال السمعي البصري. حيث كان التخوف الفرنسي من أن تغذوا فرنسا تحت سيطرة الثقافية لوسائل الإعلام الأمريكية، ورغم أن بلدين يتشركان الكثير من القيم الثقافية التي يجمع بينها النمط الغربي. الإعلام المغربي لا يحتاج إلى تغير في أوقات بث البرامج و شكلها، و إنما يحتاج إلى إصلاح جذري، شامل وعميق، و المؤشرات التي عيشنها طيلة هذه الأيام لاتبشر بخير. لقد قام وزير بخطوات مهمة تحسب له لا عليه، فقد شاور الجميع في إعداد دفاتر التحملات لكنه لم يشاور الحلقة الأهم في كل هذه العملية، المواطنون. كان على سيد الوزير أن يقوم بإنجاز دراسة عامة للإعلام، يستقصي فيها الرأي العام حول آرائهم و تقييمهم لقنواتهم. إن إتضح شيء من نقاش الذي يدور هذه الأيام حول دفتر التحملات، هو شيء واحد أن المشكل يكمن في العقليا ت المسيرة، عقليات النشرات الجافة و المفاهيم المحدودة و المضامين المحددة. فأن يمنع العامة من إدارة شؤنهم و كذا من إدارة وسائل الإعلام و أن تظل تحت السيطرة مشددة في أيدي معدودة، فهذا لا ينسجم مع أسس و مبادئ المجتمع الديمقراطي، هو المجتمع الذي يملك فيه العامة (الجمهور) الوسائل اللازمة للمشاركة الفعالة في إدارة شؤنهم، وأن تكون وسائل الإعلام منفتحة و حرة.
لن تنجح التجريبة السياسية في المغرب في ظل إعلام يصنع مواطنا بوعي معلب، موطنا يستدع يوم الإقتراع فقط. مادام الإعلام المغربي في أيدي أشخص يتلاعبونا بقعول الناس بعبارة هربت شللر، فإن الإعلام في ظل الوظعية الحالية، لديه مهمة عليه أن يؤديها على أكمل وجه، اسمها… التخدير.
باحث مغربي يقيم في مدريد