ناصر الدين جعفر لقد شكل عادل إمام لغزا عصيا ورمزا كبيرا في ساحة الفن السينمائي المصري لمدة تزيد عن 3 عقود…. أنتج خلالها ما يزيد عن 100 فيلم سينمائي وعدة مسرحيات، وكلها عبرت عن هموم وأشجان المواطن العربي من قمع سياسي، كبت جنسي، حرمان وفقر، نصب واحتيال، خيانة وصداقة… الخ. انه سيل منهمر من العطاء… هبة من السماء، فقد استطاع أن يمزج بشكل غير مسبوق بين عالم الفن وعالم السياسة، بل انه جعل من الفن السينمائي خصوصا أرقى الأساليب لخوض غمار السياسة من بابها الواسع، فالمناضل السياسي قد ينخرط في حزب سياسي أو في أي من مؤسسة المجتمع المدني من أجل التعبير عن أفكاره والتواصل مع جمهوره في محاولة منه لتغيير واقع اليأس والحرمان إلى واقع الأمل، لكن عادل إمام اختار جمهورا عريضا، يمتد من المحيط إلى الخليج، وظهر عليهم في شاشة التلفزيون والشاشة الكبيرة، وكان التواصل معه قد قل نظيره في هذا العالم العربي، لقد استطاع بابتسامته العريضة أن يشد أنظار الملايين من عاشقيه في هذا الوطن الكبير، انه النجم الكوميدي الذي جعل من سخرية الواقع أحد ركائزه الأساسية من أجل فضح النفاق الاجتماعي، الاستبداد السياسي والتخلف… لقد استطاع بفنه أن يحدث ثقبا في ساحة التغيير، وما كاد لهذا الثقب أن يتسع ويتسع… حتى خرجت الجماهير تطالب بالتغيير السياسي في 25 يناير 2011، وليصبح بعدها عادل إمام في أعين الثوار في خانة المتهم والمتآمر على الثورة، وكأنه جنرال في المخابرات العامة المصرية يتآمر مع أو ضد النظام، ويتم نعته بأشد العبارات قسوة بأنه خذل الثورة المصرية… ويتهدده ويتوعده الثوار بالمحاكمة والقصاص… وهم لا يدركون أنه هو من احتضن الثورة في رحم فنه الراقي حتى اكتمل نموها وخرجت إلى الوجود، ليصطدم بعدها عادل ومعه كل الفنانين ومحبي الفن بإشهار سيف المحاكمة في حقه من طرف أحد محاميي السلفيين، بدعوى الاستهزاء بالإسلام في أحد أفلامه السينمائية، وقد أصدرت المحكمة في حقه 3 أشهر نافذة لا زالت أمام المحاكم تنتظر التنفيذ أو التبرئة، وليتبين لجمهور الثوار في مصر أن الثورة على وشك أن تنجب طفلا معاق اسمه تيار الإسلام السياسي الذي جعل من محاربة الفن، بدلا من محاربة الفقر والفساد الذي أنهك المصريين وسبب لهم الأزمات على جميع الأصعدة، هو عنوانهم الرئيسي. إن محاكمة الفنان المصري عادل إمام يجب شجبها واستنكارها بأشد العبارات من طرف كل مكونات المجتمع المدني العربية والدولية، لما تسببه هذه المحاكمة الغير العادلة من إجحاف في حق الفن، ومن محاولة لاغتيال الإبداع وخنق مساره.
والحقيقة للتاريخ أن عادل إمام أجمل وأرقى فنان في العالم العربي، سواء من خلال أفلامه المثيرة للجدل من قبيل ‘ السفارة في العمارة ‘، ‘ التجربة الدنماركية ‘ ‘ الإرهاب والكباب ‘ أو غيره من الأفلام… وبالرغم من ما قيل ويقال عن فترى حكم مبارك التي طابعها الأساسي الفساد ومع صاحبه من استبداد سياسي عن طريق تجويع وتفقير الجماهير المصرية.. إلا أنه يذكر للرجل أنه لم يقف حجرة عثراء في وجه الفن المصري، كما تفعل بعض الأنظمة العربية، بل شجع ودافع عن الفن والفنانين المصريين، وإلا لماذا لم تستطع أي من البلدان المغاربية بكل ثقلها السكاني والديمغرافي أن تنتج ولو فنانا واحدا مثل عادل إمام، هل السبب يعود إلى غياب المبدعين والفنانين أم أن هناك سياسات ممنهجة تهدف إلى كبت الطاقات وعدم السماح بتفجيرها لغرض ما في نفس يعقوب؟ وهل تململ الشعوب العربية في زمن الربيع العربي سوف يصحح هذا المسار الفني المعيب؟ أم أن من يسهرون على أمننا يريدون أن نكون أجسام البغال وعقول العصافير لكي ننتبه إلى وظائفنا البيولوجية لا غير؟