باسل عبد العال التاريخ يجري على هدأةِ النّهرِ بين جرحٍ وجرحٍ والأرضُ ما زالت عطشى في المخيم كل شيءٍ يصرخُ في نفسهِ ويقرأُ على صخور البحرِ حكاية الألم الجديدة، حكاية القتل الأخير على مرأى من البحر والريح الجديدة. كلّما مرّ الموت فوق هذا التّراب الممزوجِ بالدم والذكريات والمثقل بالأحلام الكبيرة والمشبع بالحنين، هنا في حصارٍ شديدٍ كالعاصفة على أهل ‘نهر البارد’ تستعيدُ الحربُ مشهدها في صورٍ مظلمةٍ وسط احتشادِ النّارِ على صدور الناس فينزف النهرُ في النهرِ ويعلو الصوت ملء العالم المنسيّ في صراعاتهِ ورمادهِ المبعثر، يصيحُ كل شيءٍ في حناجر النّهر ويذكّرُنا هذا الحدث بأحداث الموت البطيء والغدر القديم هنا وهناك حين يكونُ إبن النهر هو الجريح الأوّل، فيصمتُ ثانيةً صوت النهر وينطقُ وحيداً صوت الرصاص بين السياج والماء على شوارعٍ تبكي وتمرضُ من ألم الحرب، فلا شفاء من الموت ولا شفاء من الدّماء والضّجيج في ضوضاء الليل، هكذا يمرُّ الموت بيد الجنود على الحواجز والطريق، هكذا يبقى الشهيدُ جالساً على حافة قبرهِ ويسألُ: كم مرةً سوف أموت؟ نعم. بالرصاصة ذاتها، وبالمسيرة ذاتها، وتحت السّماء ذاتها، ما زال الموت واحداً في نهر البارد وبالقذيفة ذاتها، رأينا ما رأينا في قهوتهم صبحاً ومساء فكل شيءٍ يضيقُ بنا، حتى نحن نضيقُ بنا، كأننا في الصحراء لا أمامنا ولا وراءنا وكل الجهاتِ سراب، لا نستطيع العبور الى الهواء ولا نستطيع أن نحصي أعداءنا والمنفى هو السجن الآخر في الغروب، لن تغرب شمسنا يا أرضنا، سنظل نشرقُ في كل ليلٍ يأتي ونرفعُ أعلام الطريق الى تلال عودتنا، تنغلقُ الدروب من حولنا وكأنهُ القبر في ساعة الجنازة ويفتحُ الغيم لنا باب السماء لندخل الى ميلاد الأرض التي تنتظرنا.
هنا سقط الدم ونادى: الحرية للمخيم، الحرية للضوء، للحياة البسيطة، للماضي العنيد، للخيمة الواقفة على حجارة النهر، الأشياء معتمةٌ إلا الحلم كالشمعةِ في صميم الليل، هكذا ينزف الكلام حين تقترب السهامُ الى صدر المكان العاري، لماذا نحن دائما نحن لا غيرنا؟ يبصِرُنا قناصٌ من بعيد في ليل حزيران الحالك ونخطىء في اكتشاف التفاصيل، من هو؟ العدوّ أم أنه الشقيق؟ أم غيمةً عابرة؟ إنكسرت الكلماتُ وضاع الجوابُ في قلب السؤال، ولم يبق الا نحن في زنزانة الموت الجديد.’ شاعر من فلسطين