عناية جابر
لا تطرح البشرية على نفسها الا المشاكل التي تستطيع حلها، هذا على الاقل ما يفيدنا به الفكر السياسي عن عملية تقدم المجتمعات. البشر اذا واقعيون براغماتيون لا يطرحون على انفسهم اسئلة وجودية صعبة المنال او مستحيلة التحقيق. البشرية لا تشبه سيزيف ولا دونكيشوت. وعليه فان الناس ينتقون في كل مرة من بين المشاكل التي تواجههم ما يمكن التصدي له وما يمكن علاجه. على ضوء هذه النظرية -اذا صحت- تعالوا نقرأ معا هيئة الربيع العربي بعد سنة او ما يزيد قليلا على بداية الانتفاضات الشعبية المستمرة ونوعية المشاكل الملموسة التي وجدت البشرية في بلادنا امكانيات حلها.
منذ اندلاع التحركات الشعبية في تونس في العام الماضي مرورا بمصر واليمن فليبيا وصولا الى سوريا وقبلها بعدة سنوات في العراق لاحظنا ان شعار اسقاط النظام الاستبدادي هو الذي استحوذ على اهتمام الناس وعقولها املا بالوصول الى ضفاف الحرية والديمقراطية. اضيف اليه احيانا شعار الخبز كما لو كان يهدف الى تجييش بعض الفئات لا اكثر. البشرية عندنا تبدو وكأنها انتقت بشكل اساسي الحرية والديمقراطية كمهمة عملية واقعية تحل بها مشاكلها الاساسية المتمثلة بالاستبداد. هذا على الاقل ما تظهره مطالب النخب القائدة لهذه التحركات والتي تتمثل اليوم بالقوى السياسية التي سيطرت على الحكم في كل من العراق وليبيا وتونس واليمن او تلك التي ما تزال تسعى اليه في الدول العربية الاخرى. الا ان حساب البيدر غير المطابق تماما لحساب الحقل يجعلنا نتساءل عما اذا كان هذا الخيار عند بشريتنا نحن في العالم العربي كان فعلا خيار المشكلة التي يمكن حلها. حتى الان فإن الانتخابات لم تمنع العراق من ان ينقسم عمليا الى ثلاث دول والسودان فعليا وقانونيا الى دولتين واليمن على الطريق وكذلك الصومال وليبيا حيث بدأت مطالب القبائل الاستقلالية ومنازعاتها. اما في تونس فإن انفجار الوضع وتأزمه لا يبشران باي خير وكذلك المنحى الخطير الذي بدأت تأخذه مجريات الاحداث في سوريا. ولسنا ربما بحاجة الى التذكير بالبحرين او بالمثال اللبناني حيث لم تمنع الديموقراطية التوافقية بين الطوائف من شل الدولة بنزاعات باردة بعد حروب اهلية متفجرة. شروخ في المجتمع، تفكك في الدولة، صراع على السلطة، غياب البرامج التغييرية الرؤيوية كلها اشارات تدل على ان شعوبنا اختارت المهمة المستحيلة والاكثر كلفة لكي تؤكد ان لكل قاعدة استثناءها.
حصر التحدي بالديمقراطية، بما هي حكم الاكثرية، ساهم كما يبدو في زيادة حجم المشاكل المطلوب حلها في مجتمعنا بدل انقاصها. اثار مفهوم الاكثرية عندنا اسئلة حول ماهية هذه الاكثرية وطبيعتها في مجتمعنا. فاذا كانت الديموقراطية تفترض مبدئيا وجود اكثرية فهي اكثرية مواطنين افراد لا اكثرية ‘طبيعية’ اهلية. افراد ينتمون الى شريحة اجتماعية اقتصادية لا الى صلات رحم وقبائل. حصر الموضوع بالديمقـــــراطية بدا كمــــا لو كان حضا على فوعان العقد القبلية والاكثريات والاقليات العصبية اكثر ما كان حضا على الاندماج في نسيج اجتماعي موحد يؤدي الى قيام الدولة الموعودة. الديموقراطية ايقظــــت عقد الاقلــــيات الدينية والمذهبية والعرقية والقبائلية فانفسخ النسيج المجتمعي عاموديا بدل ان يتوحد. فهل اخطأت البشرية عندنا في تحديد المشاكل التي يمكنها حلها فقادت نفسها الى مأزق تاريخي سوف يؤدي اذا ما استمر الى تفكك مجتمعاتنا وتشظيها؟ هل كان الناس عندنا احرارا في اختيارهم هذا؟ ام تعرضوا الى توجيه ما ادى الى هذه النتيجة؟ وبعيدا عن نظرية المؤامرة المدبرة فإن المراقب المحايد لا يمكنه تجاهل التزامن الذي طبع مطالبة النخب العربية بالديموقراطية مع الدعوة من قبل بعض السياسات الخارجية الغربية منذ ثمانينات القرن الماضي الى تطبيقها ولو بالقوة المسلحة احيانا كما جرى في العراق وافغانستان. بالطبع لا يمكن في هذا السياق رمي المسؤولية على الخارج فلولا وجود تربة محلية خصبة ما كان يمكن لبعض القوى المحلية من ان تتلقفه لكي تصفي ربما بعض الحسابات مع بعض الانظمة المحلية والقبائل والطوائف الغريمة. النتائج الكارثية لهذا الخيار كما تبدت في السنة الماضية تشير حتما الى ان ‘الانسانية’ عندنا اخطأت في تحديد المهمات التاريخية القادرة على حلها في الظرف الراهن. والا فلماذا ادارت النخب المصرية مثلا ظهرها الى المشاكل المحسوسة عندنا كالبطالة التي تطال الملايين من الشباب، بسبب هيمنة اقتصاد الريع التابع كليا للخارج، والسكن في القبور والعشوائيات والتصحر الزراعي وتقلص المساحات المزروعة لكي تحصر اهتمامها بمواضيع مجردة؟ نخب ‘الاسلام السياسي’ المصرية مهتمة بشكل السلطة والوصول اليها اكثر من اهتمامها بالبرامج المطلوب من هذه السلطة ايجادها للاجابة على المشاكل الفعلية للمصريين والعرب. وكأن المطلوب رأس الامير لا تغيير الامارة. وبدلا من تعزيز استقلال الدولة وتحررها من كل هيمنة خارجية سياسية او اقتصادية قاموا بتقديم الضمانات السياسية والاقتصادية التي تزيد من وهن الدولة المصرية وتبعيتها وتقضي على اي امل بنهوضها وبالقيام بما يترتب عليها لامتصاص الازمات التي كانت في اساس الحراك الشعبي العميق. الديموقراطية تستوجب فيما تستوجب عقدا اجتماعيا جديدا حاول الاخوان المسلمون المصريون، وعبر مناورات ومراوغات متعددة، القيام به بينهم وبين انفسهم متجاهلين قوى المجتمع الاخرى مما قادهم الى مأزق سياسي كبير عاد فعزلهم شعبيا وافاد قوى السلطة السابقة.
هذا في مصر التي تتميز عن غيرها من الدول العربية بوجود دولة راسخة بعض الشيء ونسيج مجتمعي اصلب قليلا من بقية الدول العربية فما بالك بالمجتمعات القــــرابية والفسيفسائية الانتماءات؟ للانتفاضات العربية اسباب عميقة تتعدى على ما يبدو شكل السلطة وهي تجد جذورها في مجتمع اقفل الابواب في وجه الملايين من ابنائه الشباب فلا عمل ولا سكن ولا حرية ولا صحة ولا بيئة ولا طعام ولا ماء قريبا. والمشكلة مدعوة حتما للتفاقم والازدياد خلال السنوات القادمة مع الانفجار السكاني المتوقع. اما ما رأيناه حتى اليوم من انتفاضات فلا يتعدى اغلب الظن الحركة العفوية للانفجار من شباب لم يدركوا بعد ‘المشاكل التي يستطيعون حلها’. لم يتمكنوا هذه المرة غير ان يطلقوا صفارة الانذار فقط فقامت النخب السياسية المنظمة والمدعومة من هنا وهناك بانتهاز الفرصة لكي تركب الموجة وتحولها الى معركة خلاف على السلطة -الديمقراطية فيها ذريعة- لا على منظومة الاستبداد المسؤولة الفعلية عن التخلف وغياب شروط نشوء المواطن الفرد اساس الديمقراطية.
البشرية عندنا لم تطرح بعد مشاكلها وحلولها والا لما كنا نشاهد ما نشاهده اليوم من مذابح نقالة وانقسامات عامودية بطول العالم العربي وعرضه.