رواية نزهة الدلفين : جنون الكتابة أم كتابة الجنون؟
إبراهيم الحجريرواية نزهة الدلفين : جنون الكتابة أم كتابة الجنون؟يراهن يوسف المحيميد، هذه المرة، علي ولوج دواخل وأعماق شخوص من صنف آخر، من عيار ثقيل، هذه الفئة التي ينتمي إليها هو بالقوة. طبقة الكتاب والشعراء، وكأنه بهذا العمل، يتخلص من ذاتيته ويتجرد عنها ليساءلها بحياد تام ويستمع لأهوائها، في لغة نقدية لا تخلو من سخرية، وهو بذلك يختار هذا المسار الصعب بعناد، يختار أن يصحح مسارات لم تعد ترق له: سلوكات وتصرفات آدمية يجب أن تغربل لترقي خاصة عند فئة تدعي أنها تنشد التغيير، وتمتلك آلياته. يختار أن يعري أدرانا وأوساخا أضحت تعكر فضاء المكتوب والكتابة، في لغة تتعدي الوصف والسرد إلي معانقة فلسفة التأمل والتعمق والغوص والبوح، وتمثل التجربة الذاتية في علاقتها بالتجارب الأخري التي يحتك بها عن قرب خلال المهرجانات والندوات واللقاءات الأدبية والثقافية، مشخصا بؤر التوتر في هذه الوشائج ونقاط السواد في الذات البشرية الواعية التي من المفروض أن تكون المثال والنموذج المحتذي، وتكرس القيم المثلي، في مجتمع يسوده غمام القمع بمعناه الواسع، وتكبل قواه سحب التخلف، وفي علاقة بمفهوم الكتابة تتوزع الذاتَ مجموعة من القيم المتضاربة كالتضامن والحب والثقة وغيرها… فإذا كانت الروايات الأخري السابقة تشخص نماذج بشرية عربية من طبقات أخري، فإن الدور قد جاء وحان وقت الكشف عن تصورات وتمثلات الفئة المثقفة لواقعها ولمحيطها، لأفكارها وهواجسها، ويبدو أن واقع هذه الطبقة لا يختلف كثيرا عن واقع الطبقات الأخري، بل ان الهموم نفسها والرغبات ذاتها تقض مضاجعهم وتؤلبهم علي الرحيل والهروب من واقع يعادل لديهم جحيما خرافيا لا يقاوم، تهرب هذه الشخصيات الثلاثة من حمة مشاكلها لتعانق أفضية هلامية تختلس، من خلالها لحظات متعة ومكاشفة. وتتمثل طقوس السرد،هنا في نزهة الدلفين، في الاستمتاع بفتنة المكان، وفتنة الجسد، وفتنة القصيدة، وإذ يعانق الأبطال سحر هذه الثلاثية بمتعة مجنونة يصطدمون بتلاقي الرغبات حول جسد أنثوي واحد يتميز بالهروبية والغموض، امرأة واحدة بين رجلين في سفر مستحيل، تتقاسم القلبين معا وتتوزعهما دون أن تكشف لهما عن إحساسها الحقيقي تجاههما، فكأنما حيرة تسكن القلوب جميعا، فيستمرئون هذه اللحظات الموزعة بين متعة مسترقة وعناء داخلي محموم، واستحضار قوي لجحيمية الأفضية الأصلية الآسرة لرغبات الشخوص، والتي تُولِّد لديهم كبتا وخوفا وخمولا. وتستعين هذه التجربة الرواية أيضا بالتلميح والترميز والمجاز قصد توصيل المعني المراد، حيث تصبح لليد رمزية جنسية، ويصبح للمرأة الكاتبة سحر الأسر، وتقلب الرغائب، وفتنة الوصل، يصبح لها مدلولان متلازمان: لذة الجسد الحوائي الآسر، بتضاريسه البحرية، وشبقه المجنون، ولذة الشعور بعدم التملك للعشق، إذ تكون هذه الفتاة محط أطماع أخري غير طمع البطل خالد اللحياني، وإذ يكون قلب هذه الحواء الحرون موْقعا لأكثر من شخص، وها هنا تختلط، في الرواية، أنسام الحب المجنون، الشاعري، بفتنة الرغائب وتحتبك المخيلة بالذاكرة في وصل حميم، وتتعارك قوي العقل المبطنة بمنطق المشاعر السافرة، وتفيض قرارة الذات الكاتبة بما يؤرقها، فتبوح وتشكو وتتذكر وتحدس. إن الذي يظهر، من خلال المتن الروائي، هو أن الكاتب يشتغل علي مفهوم الدلفين ويوظفه، وفق استراتيجية واعية بالمفارقات، فهو يتخذه هاجسا، ويستلهمه تارة من الصور المعلقة علي جدران قسم الجغرافية، وتارة أخري يستعيره من لقطات فيلم التيتانيك، ويتصوره تارات متعددة، هنا أو هناك، في مياه الخليج، او المحيط الهندي، ويلملم كل سمات هذا الكائن، الذي ألهمه إياه القزويني في حديثه عن غرائب الحيوانات، ليبتكر منه وسما آخر لحيوان صغير، عضو صغير، يد لفتاة مدربة علي الحب، تجمع بين الأنوثة والكتابة والمدنية والانفتاح والحرونة. وللإشارة فتركيبة السرد في الرواية معقدة البناء، فهي لا تسير وفق خط أفقي كرونولوجي الصبيب، بل إن خط السرد يتوقف من حين لحين، ليترك للشخوص فرصة التناوب مع راوي الرواة علي منبر السرد، وأيضا ليفسح المجال لتدخل الوصف أو التذكر والاسترجاع أو التخيل أو البوح السيري أو غير ذلك. ولا ننسي أن الرواة أحيانا يطلقون الأعنة لأخيلتهم كي تقتنص بعض الأحداث من الواقع، فيحيل المتن الروائي علي حرب الخليج واغتيال الحريري ومأساة الفلسطينيين اليومية، والانتخابات الشوهاء وتدني الديمقراطية بالعالم العربي وقضية السجون وغيرها من التفاصيل المؤرقة للذات في علاقتها بتاريخها وواقعها. ويحرص الرواة في أحايين كثيرة علي استعراض مقروئهم من الابداع والرواية والشعر، حيث ترد أسماء درويش، كونديرا، بورخيس، بارت، ديردا… وغيرهم. كما أن المحكي يكشف لنا عن تصور فئة الشخوص، باعتبارها عناصر متعلمة تشتغل في حقل الكتابة، للواقع والأشياء والعوالم المحيطة بها. وينصرف الراوي الرئيس غالبا إلي التأمل في الوجوه والأمكنة والوقائع، مسبغا عليها رؤياه للوجود، مستغرقا في تفاصيل النبش المعمق في الدواخل والأقاصي، بروح لا تخلو من السخرية والمرح المشوب بمرارة مبطنة، وبوعي فلسفي نقدي، ينطلق من تصور عميق للثقافة والمجتمع والنفس البشرية، وهذا يكشف دقة الملاحظة عند الروائي، وسر احتفائه باليومي، وسعة اطلاعه علي خبايا الأمور، سواء من خلال معرفته اليومية بالمستجدات، أو من خلال احتكاكه وتجاربه مع الآخرين، أو ينطلق من الذات لينتهي إلي الآخر المعايش له. ويستغل الروائي في بنائه النصي كل ما أتيح له من آليات الحكي والحوار، فهو يستثمر الرسائل الهاتفية، وكذا الرسائل الإلكترونية الافتراضية، ويضمنها، بشكل فعال، في تركيبة الخطاب باعتبارها عناصر مدعمة، غير مستقلة، موظفة بحس فني ذكي، ووفق استراتيجية بناءة وفعالة تلحم العناصر كلها تبعا لدينامية مجربة ووفق نسيج متضامّ يخدم بعضه الكل في تناسق وجمالية مؤثثة.وتبدو قوة الاستثمار هذا في كون الرواية مجالا خصبا لتجريب الاشتغال علي عناصر سردية أخري كاستلهام فيلم سينمائي (تيتانيك) أو لوحة تاريخية، أو استنطاق رسوم أو محاورة مجسد فرعوني أو تمثل فكرة حدسية، أو تمرير خطاب ما، وكل ذلك مغلف في شرنقة عمل فني محبوك الصنع، قوي التأليف، متين الرؤيا.عموما يستقي هذا العمل أصالته من كونه يمزج بين القديم والحديث، المعاصر والتاريخي، اللاهوتي واليومي، الأسطوري والواقعي، وفق إيقاع خاص يحَيِّن اللحظات ويوزع آفاق تورطها في المحكي، دون أن نلمس أن شيئا ما ثانويا أو هامشيا يخل بالنظام العام الذي ترسو وفقه سفينة الحكي. ولهذا نقول إن يوسف المحيميد يتوفق، دائما، كعادته في سبك مكونات عالمه الروائي، بما يضمن استمرار المشروع الأدبي الذي رسمه التزاما بالرؤيا التي صممها، مع سبق الإصرار والترصد، طيلة خبرة وتجربة مزمنتين.كاتب من المغربيوسف المحيميد: نزهة الدلفين ـ رياض الريس للكتب والنشر، الطبعة الأولي ـ كانون الاول (يناير) 2006م.0