هوامش على كتاب دبي المفتوح

حجم الخط
0

د.

سيد محمد ولد محمدكانت تجربة تستحق المعاناة تلك التي قادتني إلى مدينة دبي.. ذات صباح جميل.. تهبط بنا طائرة الخطوط الجوية الاماراتية بمطار دبي ‘طبعا الجزء الخاص بالخطوط الإماراتية’ عند بزوغ الفجر.. هي أول زيارة لي لهذه المدينة ترى من يستقبلني بالمطار… ؟ سؤال تسلل إلي وأنا بطابور الدخول.. ويسألني ضابط الجوازات ما هي وجهتك هل حجزت الفندق… يا إلهي كيف له أن يقول هذا حتما لم ينظر إلى بلد المغادرة أنا قادم من بلد لا رواج فيه كثيرا للفنادق كيف لي أن أحجز الفندق وفي المدينة أهل لي وأصدقاء.. لا يهم فقد أخطأ الضابط التقدير ويبدو أنه لاحظ ذلك وكافأني بختم الدخول.. شعور متناقض ينتابني ها قد أتيت إلى دبي مدينة الجمال والأبراج والعرب والعجم – طبعا الواو هنا لا تقتضي الترتيب- .. لكن مهلا إلى أين أذهب من ينتظرني لحظات من الارتباك تنتهي بلقاء الأخ ‘م ن’ يحتضنني بأريحيته المعهودة ونكتته الساحرة.. مازال الوقت مبكرا لكن الزحام على مقاعد المترو كان في أشده ناس من مختلف الأشكال والألوان! بربك هل أخطأت الطريق وضللت الطريق؟ صديقي غير مكترث بتناظم الإنسان والمكان هنا لأنه تقبل النشاز من زمان وربما هو جزء منه!.. قلت في نفسي لعل المحطات الأولى خارج السياق لكن القادم كان أكثر إقناعا بوجودي خارج المكان فعلا.. أنصت قليلا استرق السمع يمنة ويسرة فلم أفهم شيئا لا عن اليمين ولا عن الشمال’ شيء واحد فهمته أنه لا رابط بين اللسانين فكل منهما يعكس مستوى قصيا من التخاطب. صديقي يشير إلي أن اقتربت محطة النزول. التفت أبحث عن الرجل الذي كان يحدثنا طوال الرحلة بلسان فصيح أفهمه بشكل لا لبس فيه، فقد استحق علي الشكر، لكن خيبتي كانت كبيرة فالرجل غير موجود مطلقا إنه تسجيل صوتي يحدد مواقف القطار ويذكر الركاب بمحطات نزولهم.

صديقي منهك جدا فلم ينم الليل كله، تركته ينام حال وصولنا البيت، سنحت لي فرصة كبيرة للتفكير فلم أجد بجانبي من يحدثني؛ الكل ذهبوا يقضون حوائجهم ويباشرون أعمالهم. فكرت في عناوين أولية ريثما يعود القوم من قبيل: دبي العمران… دبي الإنسان.. أوجه التمايز والتناظم، مقارنة لن نشتغل بها الآن هومجرد قوس نفتحه قد ينتهي هذا السرد قبل إغلاقه.. أحدهم يدخل من باب خلفي وليت الداخلين كلهم مثله.. أغرقنا بترحابه وكلامه الطيب وأياديه البيضاء، لا يبدو الأمر مستغربا عند الحاضرين فقد جبل الرجل على هذا غير أن أحدا ما لم يذكره بهذا ربما قصد منفعة ما فعلها بعضم، أخذ ما أراد وانصرف.. وهذه كلمات في حق الرجل فمن لم يشكر الناس لم يشكر الله وقليل من عبادي الشكور.. مسكين ضابط الجوازات يسألني عن الفندق.. الدنيا لا تزال بخير ما دام بها أمثال ذلك الشيخ.. أعز أصدقائي لم يصل بعد عادة ما يتأخر في شغله لكن اليوم استثنائي.. لحظات فقط ويدخل ‘م س’ كنت في انتظاره على أحر من الجمر لم يخيب أملي كما الجميع هنا في ربوع زايد الخير… حديث الأصدقاء والأحبة لا ينتهي نطنب كثيرا نأتي على ذكريات مدينة ‘كيفة’ و’والسد’ ويا له من شعور لا يصدق أن تتذكر أحبابك وأهلك وبقايا ذكريات جميلة وأنت ناء عن الدار والأهل.. أخذنا الحديث عن الماضي ولم ننتبه لهيبة المكان وسطوة الشوق إلى اكتشاف مدينة من الأحلام رغم العتب الذي لا بد مسرود ولو بعد حين.. نظرة من حافة شاطئ الجميرة عن اليمين يتراءى لك برج خليفة يطاول عنان السماء تحكي في أذنه الكواكب أسرار قوافل الكون وكيف تخلا الدبران عن عشق الثريا بعدما تزوجته وهو فقير معدم؛ حسب ما جاء في ميثولوجيا العرب الأولين.. رغم أنه بعيد إلا أنه يرمقني من عل كأنه أراد الحديث إلي خلسة لكن كثرة الحاضرين والناظرين والحاسدين طبعا لم يسمحوا له بالكلام.. وعن الشمال يتهادى برج العرب على أطراف أمواج الخليج الحالمة يراقصها بلطف فتضمه بدفء وحنان، أما الكثبان الذهبية صاحبة الدار فهي هناك تذري عبراتها على الأيام الخوالي لكن عزاءها في المنكب البرزخي (اسم يطلق على موريتانيا) حيث الحكام يعبدونها هناك ويفضلونها على البنى التحتية ربما بحجة المحافظة على الوسط الطبيعي.. وياللسخرية!! دعك من حكامنا فهم خارج التاريخ وهوكفيل بمعاقبتهم بتهمة هدر أموال الشعب والاستهتار بقيم ومنطق الدولة.. لا مجال للمقارنة هنا لكن الشيء بالشيء يذكر… في الصباح الموالي اصطحبني أحدهم ونعم الصحبة- إلى المركز التجاري العالمي حيث تقام المعارض التجارية وصادف أن أحد أكبر المعارض السياحية مقام في تلك الأيام.. لكن يالحسرتي لا يسمح بالدخول إلا لمن يحمل بطاقة العبور أو للعاملين بالمركز لكن في لحظة ما وجدتني أعمل به فقد صاح صديقي ‘استاف.. استاف’ وهي كلمة السرهنا وهي الوسيلة الوحيدة للدخول بدون بطاقة.

سامحني يارب لكن لا مجال للدخول بدون هذه الكذبة البيضاء… الناس في الداخل يعرضون بضاعتهم ويرون للعالم ما توصلت له بنات أفكارهم من الفن والإبداع ويحكون التقاليد الطارفة والتالدة، إنهم يقدرون حق التقدير ماضيهم المشرف وحاضرهم المشرق.. وقفة أمام مجسم لتاج محل وبرج إيفل، وفي ساحة تيان آن من، وعلى سور الصين العظيم، معالم تشعرك بالمرارة والامتنان في نفس الوقت الامتنان لبناة الحضارة العالمية فهي مشترك لكل الإنسانية، والمرارة لأن حظك من هذه الحضارة معدوم أو على الأصح مغيب!! دعك من الحسد واحمد للناس مفاخرهم… لا زال الوقت مبكرا للعودة إلى البيت لكني مضطر لذلك؛ معالم المدينة كثيرة؛ والمدينة الإعلامية إحدى المعالم التي تغري بالزيارة والاستكشاف.. في الصباح توجهت الى المدينة الإعلامية هذه المرة بمفردي فقد أصبحت ملما ببعض الطرق والخطوط التي ترشدني حالما أضل الطريق.. وبالفعل حاولت النزول بمدينة الانترنت اعتقادا مني أنها تقع في نفس المدينة لكن تبين أنها منفصلة عنها، لا تستغرب إنها مدينة دبي تغرقك بمدنها ومجمعاتها.. أحدهم أرشدني إلى المحطة المقابلة للوجهة الصحيحة لمدينة الإعلام… لا حاجة بعد ذلك لمرشد فالمدينة تتحدث عن نفسها وعلى الداخلين تقدير قيمة المكان… ابتلعت لساني وتترك المعرفة تتكلم… لن أحدثكم عن جمال المظهر فهو في منتهى التناسق والسحر أبراج وانهار ومحاريب، وتماثيل، وجفان كالجواب، وقدور راسيات فيها تطبخ الأحداث على مدار الساعة، ومنها تتحكم السلطة الرابعة في كل شاردة وواردة، رغم أن تأثير الإعلام على عالمنا العربي ما زال محدودا لكن القائمين على مدينة دبي ربما لا يخطبون ود العرب بقدرما يقدمون رسالة للعالم يعكسون من خلالها الصورة الحقيقية للعرب والمسلمين علها تساعد في محو الصورة النمطية عن العرب والمسلمين فقد استقر في أذهان الناس من كثرة ما سمعوا في الاعلام الغربي المضلل أن العرب قوم متوحشون يعشقون الجنس ويستمرئون القتل والإرهاب.. قلت لأحدهم يوما كم أشفق عليكم -عامة الغرب- فقد حجبت عنكم الحقائق التاريخية لإسهامات العرب والمسلمين في الحضارة الإنسانية ليتكم تتركون الاعلام وتنظرون في التاريخ الحقيقي للعلوم وخصوصا كتابات الفيلسوف الفرنسي كوندرسيه وغيره من كتابات عصر التنوير بشكل عام الذين قسموا تاريخ الحضارة إلى مراحل وحقب وكانت حقبة العرب فيها زاخرة بالمد والعطاء المعرفي طيلة عقود من الزمن.. . وكأني بالقائمين على هذه المدينة يدركون بالفعل مدى أهمية إبراز هذا الدور، وإن انحرفت بعض القنوات عن خدمة الهدف الأساس إلا أن ذلك لا يقلل من أهمية المشروع.

معالم المدينة لا تنتهي ومن الصعب الإحاطة بها لكنها هوامش سريعة على كتاب مفتوح ومدينة لاتزال تتخلق خلقا من بعد خلق الهوامش لا تنتهي وفي ختامها نقول: دبي مدينة جميلة المظهر، عميقة المخبر… تسحر الألباب والقلوب، والناس بها من كل حدب وصوب… فيها العجم والعرب، كأنما تشاركوا في النسب… ستكون أجمل مكان، لو لحق فيها الإنسان بالعمران… وهذا هو سر العتب…*كاتب موريتاني مقيم بالصين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية