محمود الأزهريانتهتْ منذ دقائق مرحلة عاصفة من القلق والريبة والتوتر والترقب والتربص عاشها شعب مصر انتظارا لإعلان اسم رئيس مصر في المرحلة القادمة الغامضة و المثيرة.
أعلنت اللجنة العليا لانتخابات الرئاسة عصر يوم الاثنين 24/6/2012 فوز د. محمد مرسي بمنصب رئاسة جمهورية مصر العربية ليكون أول رئيس مدني منتخب من قبل الشعب المصري بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، هذا الإعلان الذي حـــددت له لجنة الانتخابات موعد الثالثة عصرا و لكنها لم تحضر إلا بعد الثالثة والنصف من عصر اليوم؛ لقد كانت هذه النصف ساعة ثقـــــيلة وطـــويلة ومتوترة وأضافت مزيدا من الشكوك حول نوايا اللجنة وضاعفت من رصـــيد الاتهامات لها وذهبت ظنون الناس أو بعضهم إلى أن الإعلان عن الرئيــــس سيتم تأجيله أو تم ترجيح بعض التوقعات بأن الانتخابات الرئاسية سوف تُعاد في بعض المحافــظات بينما أكد ‘بعض المحللــين’ على مقاهي مصر بأن الموضوع ما زال يطبخ لذلك تأخــرتْ اللجنة عن الحضور للمؤتمر الصحفي المحدد موعده مسبقا وكان ذلك تأكيـــدا على استمرار عدم احترام الشعوب العربية للوقت ولا تقديرهم للزمن ولا احترامهم للمواعيد. ربما كانت النصف الساعة أشد وطأة من تأخر إعلان النتيجة لأكثر من ثلاثة أيام حيث كان من المتوقع إعلان النتيجة الثلاثاء وكان يوم الخميس هو الموعد الأولي الذي حددته لجنة الانتخابات لإعلان اسم الفائز برئاسة مصر، فلما جاء يوم الخميس وأعلنت اللجنة تأجيل الإعلان عن الفائز سيطر على الشارع المصري حالة من الإحباط و التمرد المكتوم والإحساس العالي بأن الانتخابات سيتم تزويرها لصالح مرشح مبارك والمجلس العسكري الفريق أحمد شفيق، فكرة التزوير هذه لم تُلقِ بظلالها على جموع الشعب غير المنتمي لأحزاب وتكتلات سياسية بل سيطرت على جماعة الإخوان المسلمين وكل التيارات التي تدعي أنها إسلامية ولهذا السبب حشدت الجماعة وحملة مرسي وأعداء مبارك الجماهير والأنصار في ميدان التحرير كورقة ضغط علنية ضد المجلس العسكري مصحوبة بحملة تشويه للقضاء.
كانت هناك أوراق ضغط أخرى استخدمتها جماعة الإخوان المسلمين منها الوفد الذي يضم عددا من الإخوان والمتواجد في أمريكا لشرح وجة نظر الجماعة ولإعطاء تطمينات ولتأكيد حالة الود بين الإخوان وأمريكا وتعهدات بحفظ مصالح أمريكا وطبعا اسرائيل في مصر والعالم العربي وتأكيد سطوة أمريكا على المنطقة هذا الوفد الذي خصم كثيرا من رصيد الإخوان لدى بنك الضمير الوطني، ووجدت عشرات التعليقات الغاضبة والرافضة له من قبل الشباب في مواقع التواصل الاجتماعي، ووجود مثل هذا الوفد في امريكا في هذا التوقيت ينفي نقاء ‘ الحالة الوطنية ‘ للإخوان المسلمين ويؤكد تبعيتها للنظام العالمي كما تحدد ملامحه امريكا وربيبتها إسرائيل.
في المؤتمر الصحافي للجنة الانتخابات الرئاسية لقّن رئيس اللجنة المستشار ‘فاروق سلطان’ درسا قاسيا لجماعة الإخوان المسلمين حين أشار صراحة إلى الاتهامات الموجهة للجنة الانتخابات وأنها ستقوم بالتزوير لصالح نظام مبارك المخلوع وتأكيده على أن اللجنة تحملت كل ذلك واستمرت في عملها مخلصة لله وساهرة لخدمة الوطن، ثم كانت الضربة التي ربما لا يعيها الإخوان حاليا لانشغالهم بفرحة الفوز التي يشاركهم فيها ملاييين المصريين من غير الإخوان وغير المسيسين حين أعلن سلطان فوز مرسي بما يعني كذب الإخوان في كل اتهاماتهم للجنة الانتخابات التي تضم سلطان وعبد المعز وبهذا تكون لجنة الانتخابات قد قطعت صلتها بنظام مبارك ونفضت يدها من جرائمه في الوقت الذي تعانقت فيه يد الإخوان مع يد الأمريكان، وظهر ‘وائل غنيم’ قبل إعلان النتيجة بيوم واحد في مؤتمر صحفي مع محمد مرسي الرئيس الفائز قبل أن يكون رئيسا فائزا، وأما دلالة ظهور وائل غنيم فهي غاية في الخطورة: الإخوان يعتبرونها عنوانا على وحدة الصف الوطني و لكن هذه الصورة لم تجب على أسئلة كثيرة منها: كيف صح وجاز وأمكن وقوف هذا الشاب الليبرالي العلماني الأمريكاني مع محمد مرسي مرشح الثورة وومثل المرحلة الوطنية الجديدة لقد كال الإخوان من الكيل – وكل التيارات الإسلامية عشرات الاتهامات لوائل غنيم وصل بعضها إلى اتهامه بأنه ‘ماسوني’، فهل تاب وائل عن ماسونيته حتى يظهر في الصورة مؤيدا للإخوان أم أن الإخوان انضموا للتنظيم الماسوني العالمي مع الأخ وائل أم أن هذا جزءا من الاتفاق السياسي الذي تم بين الإخوان والسادة الأمريكان أم أن ما حدث مجرد صفحة من صفحات الكذب والخداع السياسي على الشعب المصري الطيب لتحقيق هدف الإخوان ثم بعد ذلك يتم الانقلاب على وائل وعلى أمثال وائل نفس هذه المعضلة تنطبق على ظهور حمدي قنديل في مؤتمر محمد مرسي الذي عقد مساء الليلة التي أعقبها نهار إعلان النتيجة لقد كان الإخوان يتهمون حمدي ومن على شاكلته بأنهم ليبراليون علمانيون وهاتان الكلمتان ليس لهما إلا معنى واحد في قرى ونجوع وكفور مصر وهي الكفر والخروج عن شرع الله ومحاربة الله ورسوله، الأمر الذي يبدو أكثر وضوحا في هذه المعضلة التي تمثل ازدواجية المعايير لدى الإخوان وتعاملهم بأقنعة كثيرة هو ما نشر عن مفاوضات بينهم وبين د. ‘محد البرادعي’ لرئاسة حكومة ائتلافية وكلنا يعلم الحملات الظالمة التي تعرض لها البرادعي من الإخوان ومن السلفييين فكيف وصل بنا الحال إلى أن يطلب الإخوان من البرادعي رئاسة الحكومة؟
ألف مبروك لفوز ‘محمد مرسي’ الذي يعني انتصار إرادة الشعب حتى لو ثبت خطؤها حالا أو مآلا، والتي تعني ضربة شديدة القسوة لمبارك وعصابته المنظمة، والتي تعني قدرة شهوة الوصول للحكم على إعطاء مزيد من التنازلات من جماعة سرية محافظة متشددة متسرعة سياسيا والتي تعني قدرة الحشود في الميادين وسطوة التهديد باستخدام العنف والتلويح بانفجار الموقف على كبح جماح القوة الغاشمة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة.
مليون مبروك لشعب مصر الذي لا أعرف هل سيشارك في صناعة صورة مصر الجديدة أم أن الذي سيتكفل بصناعة الصورة هم جماعة الإخوان المسلمين وحدهم لا شريك لهم خاصة وأن مرحلة التزوير الإعلامي للتاريخ بدأت بالفعل حين أعلنت قناة الإخوان أن محمد مرسي رئيس مصر مرشح ثورة الخامس والعشرين من يناير ومفجرها الذي لن يتخلى عن دماء الشهداء.
هل سينفض الميدان أم سيستمر الإخوان في الميدان لإسقاط الإعلان الدستوري المكمل وعودة البرلمان ومن ثم المطالبة بمحاكمة المجلس العسكري؟ أسئلة كثيرة لنعطي الشعب المصري فرصة ممارسة الفرح لنجاح اختياره قبل أن نجيب عنها أو تجيب عنها الأحداث السريعة المتلاحقة. مبروك لمصر.’ كاتب مصري