اجرى الحوار عبد اللّطيف الوراري: إدريس الملياني الذي يلقّبه أصدقاؤه بـ (حبيبي) تندُّراً بطيبته وروحه المرحة، يُعدّ واحداً من أهمّ روّاد القصيدة المغربية الحديثة، وتمتدّ تجربته لأكثر من أربعة عقود لم يكفّ عن تطويرها باستمرار. ولد الملياني في عام 1945 بمدينة فاس، ودرس الأدب في دمشق وفاس وموسكو، واشتغل منذ عام 1970 في سلك التعليم بالدار البيضاء حتى تقاعده؛ كما عمل في الصحافة الوطنية شاعراً ومحرّراً ومترجماً، وشارك في العديد من المهرجانات والمؤتمرات السياسية والثقافية داخل الوطن وخارجه، وترجمت بعض أشعاره إلى الفرنسية والإسبانية والروسية والإنجليزية. للشاعر مجاميع شعرية كثيرة اِمتدّت منذ 1967 حتى 2011، وكانت وزارة الثقافة المغربية قد أصدرت هذه المجاميع ضمن (الأعمال الكاملة) في جزأين. وقد توجّه الشاعر، منذ منتصف السبعينيات، إلى الترجمة عن الروسية، فترجم ‘العمق الرمادي’ (دار أزمنة، عمان 2005) الذي هو بمثابة السيرة الذاتية للشاعر الروسي الحديث يفتوشينكو، وترجم ‘التراجيديات الصغيرة’ (دار التكوين، دمشق 2011) لشاعر روسيا الأكبر ألكسندر بوشكين. وفي 2010 صدر له عن منشورات بيت الشعر في المغرب ‘أزهار من بستان الشعر العالمي’ الذي ضمّ ترجمات لأهم شعراء الأرض في العصر الحديث، أنجزها ونشرها في مراحل متباعدة. وفضلاً عن ذلك، له في النقد ‘سنديانة الشعراء’ (دار الثقافة 2003)، وفي القصة ‘محكيات’ بعنوان ‘فتاة الثلج’ (منشورات اتحاد الكتاب 2011) ومشاركة في كتب جماعية كثيرة. إدريس الملياني دائماً ما كنْتُ أنعته بالشاعر المغربي بحقّ، وذلك لأنّك تجد في شعره ملامح وأيقونات وروائح من المكان المغربي، والأسطورة المغربية، والطبع المغربي السمح الرقراق؛ من غير أن يعني ذلك أنّه أسير رؤية ‘هوياتيّة’ مغلقة؛ فالشاعر منفتح ومتسامح، ومُطّلع على ما يكتبه الآخر الشعري، ومتفاعل مع أحداث عصره، بلا مطلق ولا متعاليات. وإذا وقفنا على ما يميّز تجربة إدريس الملياني، من حيث المضمون، فإنّه انتقل، تدريجيّاً، من الالتزام السياسي والاجتماعي المباشر الذي ارتبط بتجربته الحزبية والإيديولوجية، إلى الالتزام الإنساني الذي تغدو معه ذات الشاعر بوعيها الفردي ـ الجمعي معبراً لقول الحقيقة والصدع بها. وفي هذا الصدد، لم يكن تطوير المعنى الشعري عنده يتمُّ خارجاً، أو يشفُّ عن سيرورته لولا هذا الانشغال نفسه الذي يتمُّ على صعد أسطرة الذات واللغة والبناء النصي، فضلاً عمّا نلاحظه من اهتمامٍ عالٍ بالإيقاع الشعري وبنائه قلّما نجده عند مجايليه أو من جاء بعده ليس في الشعر المغربي فحسب، بل في خارطة الشعر العربي الحديث برمّتها. منذ الستينيّات وهو هنا، عينه على الجمال، وفي طرف لسانه قصيدة على الأهبة والسعة. هذا نصّ الحوار الذي أجريناه مع الشاعر في زيارته المشهودة إلى مدينة أغادير مُحاطاً بمحبّة الآخرين.
بين مطرقة وسندان:*يُجْمع الدارسون للشعر المغربي الحديث على أنّك واحدٌ من أهمّ رواد القصيدة المغربية الحديثة، إلا أنَّ أكثرهم يحار في تصنيفك أجياليّاً وفقاً لما درج عليه الدرس النقدي في تقسيم تاريخ الشعر إلى أجيال، منذ الستينيّات إلى اليوم. هل أنت ستّيني أم سبعيني؟* بالفعل، طُرِحت هذه المسألة من قبل بعض النقّاد الذي احتار ليس فقط بالنسبة إليّ، بل بالنسبة إلى مجموعةٍ من الشعراء الذين هم في سنّي. هذه الحيرة آتية من أنّنا ـ أنا وبعضاً من أبناء جيلي ـ كُنّا بين مطرقة وسندان كما أوضحتُ ذلك في كتابي ‘سنديانة الشعراء: قراءات وشهادات’، أي بين مطرقة الشعراء الروّاد المؤسِّسين والمكرِّسين والمدرِّسين لحداثة الشعر المغربي من أمثال أحمد المجاطي المعداوي ومحمد السرغيني وعبد الكريم الطبال ومحمد الميموني ومحمد الخمار الكنوني وأحمد الجوماري وأحمد صبري، ويُضيفون إليهم عبد الإله كنون، وبين سندان الشعراء ما بعد هؤلاء الروّاد؛ بمعنى أنّنا وسطٌ لا نحن من المؤسّسين، ولا نحن من جاء بعدهم من روّاد الحداثة.
وفي اعتقادي، فإنّ المجايلة مصطلحٌ إجرائي؛ فتصنيف الشعراء إلى أجيال ـ كما درج عليه النقّاد في المشرق والمغرب على السواء ـ هو بمثابة تحقيبٍ عِقْديٍّ تسهيلاً للتصنيف والأجرأة، لكنّه يبقى غير سليم وناجع، لأنّ الشعر لا يُقاس بمثل هذا الزمن، إذ يمكن للجيل أن يستغرق وَقْتاً أطول أو أقصر. هناك مجموعةٌ من الشعراء في تراثنا الشعري العربي حداثيُّون ومتقدّمون في رؤيتهم الشعرية، مع أنّهم موغلون في القدم، من أمثال المتنبي وأبي نواس وأبي تمام وبشار بن برد وطرفة بن العبد الذي يبدو لي كشاعر أوربّي.
إنّ أولئك، من نهاية الخمسينيات إلى بداية الستينيات، كانت مرجعيّتهم واحدة، فكلُّهم يقول إنّه قرأ شعراء الرابطة القلمية والعصبة الأندلسية وأبولو والشابي، وقرأ شعراء الإحياء كأحمد شوقي والبارودي ومن حذا حذوهما، وتأثّر بالغناء العربي، واطّلع على الرواية العربية والسينما والفكر السياسي البعثي والناصري القومي، والأدبيّات الماركسية، كما انجذب إلى حركات التحرُّر العالمية في فيتنام وبلدان أمريكا اللاتينية، إلخ. لقد امتزج كلُّ ذلك وأتَّر في مسار الشعر الحديث. أما الريادة فقد شبّهتُها، في كتابي السالف الذكر، ب (سرير بروكست) الذي يتّسع ويضيق بحسب الهوى الحزبي والإيديولوجي والشخصي، إذ صار كلُّ شاعرٍ ينسب لنفسه أو تنسب له قيادة الريادة في الشعر المغربي الحديث مثل هذا الثلاثي أحمد المجاطي ومحمد السرغيني ومحمد الخمار الكنوني، ويُضاف إليهم ـ على استحياء ـ آخرون من أمثال أحمد الجوماري وأحمد صبري ومحمد علي الهواري، وكذلك عبد الإله كنون الذي لم يصدر ديواناً، إذا لم يخني ظني، لكن قرأتُ له نصوصاً جميلة.*وبنسالم الدمناتي؟* لا يدخل في زمرتهم، ولا حتى الأديب إبراهيم السولامي شاعر ديوان ‘حُبّ’ وآخرون كثيرون من مجايليهم أو من فوارس الرعيل الأول المتقدم عنهم.*ومع ذلك، عندما تُثار مسألة الريادة يقولون إنّها متجاوزة.* نعم، يقال لنا إنّها متجاوزة، إذ لا داعي لذكر الأسماء، بحكم أنّ حركة الحداثة في الشعر مستمرّة ولها شروط سوسيوتاريخية. إلا أنَّنا نسأل: لماذا ينتصر البعض للبعض الآخر؟ الجواب ربما عند أبي موسى الأشعري الذي انطلت عليه الحيلة أثناء التحكيم: اعزل صاحبك وأنا أثبت صاحبي. وإذا تحدّثتُ عن جيلي، فإنّ ضِمْنه شعراء يقعون بين جيل المؤسّسين الأوائل الذين ظهروا منذ منتصف الخمسينيّات، وبين من تلاهم من الجيل الذي عُرِف بشعراء السبعينيّات، وأهمّ هؤلاء الشعراء: محمد الشيخي ومحمد عنيبة الحمري ومحمد بندفعة وأحمد بنميمون ومحمد بنطلحة وعبدالله راجع وأحمد بلبداوي والمهدي أخريف وعلال الحجام ورشيد المومني ومالكة العاصمي وحتى محمد بنيس نفسه؛ إلا أنّه ـ مع ذلك ـ جيلٌ واحدٌ، جيل القصيدة التفعيليّة، فالماء الذي سبح فيه واحد والنّار التي اكتوى بها هي نفسها، في حين يشكّل جيل الثمانينيّات بداية انطلاق جديدة لقصيدة النثر في المغرب.
الشعري والسياسي.. الالتزام بين زمنين:*إذا طالعنا الدراسات التي أُنّجزت في نقد الشعر المغربي الحديث، فإنّنا نجد أن من بين هؤلاء الشعراء الروّاد من تمّ إنصافه في النقد، فيما البعض الآخر ظُلِم أو هُمِّش؟* الإنصاف يكاد يكون مغيباً أو منعدماً، ربما كالمصالحة أيضاً، في وسطنا الثقافي، إذا قورن بما حدث نسبيّاً في الوسط الحقوقي والسياسي. لقد بدأ النّقْد في الشعر، ولا يزال محكوماً بالهوى الحزبي والسياسي والشخصي وهلمّ شرّاً. فنحن نسعى إلى أن تسود العدالة واقعنا في المجال السياسي بقدرما الثقافي، بشكل غير قابل للفصل. في المجال الشعري تحديداً، هناك قبائل صيّرت الشعر ذا نزعةٍ قبليّةٍ، وهو ما أسمّيه النقد الطائفي الذي ينتصر لمذهب أو نزعة ما لا علاقة لها بالشِّعر نفسه. وفي هذا الإطار، كان هناك بعض الشعراء مرتبطين رمزيا بأحزابٍ ومشاريع حزبية كمثل ارتباط أحمد المجاطي بالاتحاد الاشتراكي والوطني للقوات الشعبية، وإن كان هو نفسه عدّ محمد الأشعري هو شاعر الحزب، أو حلّ محلَّه. وداخل حزب الاستقلال هناك أسماء محسوبة عليه، بمن في ذلك حسن الطريبق وعلي الصقلي وأحمد مفدي ومالكة العاصمي التي أعتبرها من أجمل أصوات الشعر النسائي إلا أنّنا لا ننزع عنها بطاقة الانتماء الحزبي. كما كان لليسار الماركسي الجديد الذي ارتبط بحركة 23 مارس، وغيرها، شعراء بمن فيهم عبد اللطيف اللعبي وعبد الله زريقة. وكلُّ هذا، في نظري، كان يتمُّ خارج الشعريّة. حتّى أنا ضحّيْتُ بنفسي وفاءً لالتزامي الحزبي والسياسي والإيديولوجي داخل حزب التقدم والاشتراكية، الحزب الشيوعي المغربي سابقاً. إنّني كنْتُ متحرّجاً ومنزعجاً من هذه الازدواجية في شعري، بمعنى كيف أكون وفيّاً لما هو حزبيّ وإيديولوجي، أو نضالي، بمقدار ما أكون وفيّاً لما هو فنّي وجماليّ في الشعر. هذه الحيرة هي ما عبّر عنه الشاعر الروسي المعروف نيكراسوف في هذا المقطع الشعري الشهير: ‘لست ملزماً بأن تكون شاعراً، ولكن أن تكون مواطناً، فذلك هو واجبك!’. إنّني لا أتنكّر لما هو إيديولوجي بالقدر الذي لم أَنْسَ فيه همّ التجديد الفني والجمالي في ما أكتب من شعر، بل عملْتُ، باستمرار، على أن أتخفّف ممّا هو إيديولوجي لحساب الشعريّة، وهو ما جعل القرّاء والنقاد يُقْبلون عليه أو يتواصلون معه. إن السياسي يُغْني التجربة الشعرية، وتارة أخرى قد يفقرها ويجني عليها. ولكم نصحتُ الشعراء الشباب أن يكونوا حذرين في كتاباتهم من أيّ مرجعية سياسية أو حزبية، وأن يكونوا مخلصين لنداء الشعر الذي لا يُخيّب أملاً، ولا يخذل.*هل أنت مقتنع، في هذا العمر من تجربتك في الحياة والكتابة، بأنّك أسديت واجباً إنسانيّاً تجاه الآخرين، إلى حدٍّ أزعم معه أنّك انتقلتَ من الالتزام السياسي والاجتماعي الضيّق والمباشر إلى الالتزام الإنساني مثلما تكشف عنه أعمالك الأخيرة؟* أوافقك الرأي تماماً، ولكن أخشى أن لا أكون في مستوى ما تقول. إنّي أحلم أو أفرح لمّا أسمع مثل هذا التأويل منك ومن النقّاد الآخرين، وأتساءل بيني وبين نفسي إذا ما كنت كذلك. لكنّي أشعر، بعد هذا المسير الشعري الطويل، بأنّي تخلّصتُ، إلى حدٍّ كبير، من العبء الحزبي والإيديولوجي وتبعاته، وأخلصتُ لما هو فنيٌّ في الشعر بما يُشْبه واجباً جماليّاً، وذلك اقتداءً، لا اقتناعاً، بشعراء جميلين كمثل محمود درويش الذي جمعتني به ذكريات لا تنسى، في موسكو والمغرب، إذ أخلص للشعر وحده، بعد أن تخفّف شعره من عبء الإيديولوجيا، واستقال من المسؤولية داخل منظمة التحرير الفلسطينية حتى لا يسيء إلى فنّه كشاعر عظيم، ولا إلى واجبه الفلسطيني كمثقف عضوي ورفيق مقاوم أممي وإنساني. لم يكن يخفي هذا الجانب المضيء من شخصيته الاجتماعية ونصّيته الإبداعية مثل بعض كاتميه. وبالتالي، لن أحيد عن هذا الجمع المبدع والممتع بين الجمالي والنضالي.
الحساسيّة الجديدة ومستقبل الشعر:*بالنسبة إليك، هل استطاعت التجربة الشعرية الجديدة أن تُواصل مسار التحديث الشعري الذي بدأتموه أنتم الروّاد؟ أم قطعوا كلَّ صلةٍ بكم وتوجّهوا إلى ضفاف أخرى؟* لمّا ظهرت التجربة الشعرية الجديدة، أو ما يُسمّى بالحساسية الجديدة بتعبير إدوار الخراط، كان من الواجب أن نراهن عليها، فتعاقب الأجيال ـ وفيهم الآباء والأبناء والأحفاد ـ ضروريٌّ لا مناص منه، عدا أنّ الرهان نفسه كان رهاناً على الجديد، وعلى المستقبل باعتباره مستقبلنا كلّنا. إنّ أي جديد يتولّد عن القديم، أو كما قال الشاعر: ‘إنّ ذاك القديم كان جديداً وسيغدو هذا الجديد قديما’ هذه سُنّة، أو حتمية تاريخية. فهؤلاء الأبناء ـ وهذا ليس وصاية ـ يجب أن يكونوا أوفياء للإرث الشعري الحديث الذي اختطّه الآباء، الرمزيون، وألا يقتلوهم، وألا يكونوا عاقّين ومخيّبين لآمالهم في تحديث الشعر بحقّ. ويظهر لي ولدارسي التجربة أنفسهم أن شعراء الحساسية الجديدة كتلة غير منسجمة لا ثقافةً، أو إحساساً، أو رؤيةً ولغة. إنّهم شتات، أرخبيلات، أو هم جزر متنائية آمل أن تجتمع لتُشكّل قارّةً جميلة وصالحة للحياة. وقد كنتُ، في وقت من الأوقات، أبخس هذه التجربة حقّها تحت إغراءات القراءات النقدية التي كانت تطعن فيها لأسبابٍ موضوعية. فمع ما يقال من حقّ هذه الطاقات الشابة المشروع في الانتماء لنداء القصيدة الحديثة، إلا أنَّه كان يؤخذ عليها أنّها تفتقر لكثير من المصداقية، وذلك من خلال مراهنتها على قارئ مفترض ليس يحيا بيننا هنا والآن، أو على غد مجهول لا نعرفه. ثم إن كثيرا من شعراء قصيدة النثر غير أوفياء للشعر إذ يتزوجون على ‘القصيدة’ ضرائر أخرى من ‘النثر’ بل وينهكونها تنظيراً، وسرعان ما يطلقونها ثلاثاً أو يهجرونها في المطابع إن لم يضربوها، بينما المثل الصيني يقول: لا تضرب المرأة/القصيدة ولو بوردة. *هل يُفْهم من كلامك بأنّهم عدميُّون؟* كلا، بل هم ثوريون أو نثريون أكثر من اللازم، يحرقون المراحل. إذا أنت لم تكن وفيّاً لجيلك الذي يعيش معك، ووفيّاً لعصرك وروح عصرك، فكيف تكون وفيّاً لجيلٍ سيأتي في ما بعد، جيلٍ قد يكون أولى منك بمآله وتقرير مصيره، أو وفيّاً لقارئ مفترض إذا أتى سيتجاوزك. إلى جانب ذلك، ليس لشعراء هذه الحساسية قدرة لغويّة ولا موسيقية ولا رؤيوية بإمكانها أن تقنع الآخرين بمصداقية مشروعها الحداثي. فمن جهة أولى، تبدو لغة السواد الأعظم من هؤلاء الشعراء ضعيفة مهلهلة، ولمّا أنت تخاطب أحدهم بأنّه يرتكب أخطاء في اللغة والنحو وحتى الإملاء وضبط الحروف، يهزأ منك، معتقداً أنه فوق الأخطاء ولا علاقة له باللغة التراثية؛ لكن الشاعر الحقيقي هو من يكون مسئولاً عن اللغة التي يكتب بها ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. وأمّا في موسيقى الشعر فاسأل دون حرج، عن الإيقاع الداخلي والخارجي، والرؤية في الغالب عمياء: من لا يرى ما حوله لا يمكن أن يرى أبعد من أرنبة الأنف إلا قليلا. لا يفهم من كلامي بأنّه طعنٌ وتبخيسٌ من حقّهم في الوجود، ولكن إذا ادّعوا شيئاً ينبغي أن يأتوا بالبديل عن معرفة وعمق لا عن جهل وعجز. وكل شاعر مسؤول عن الشعر حالاً ومآلا.*هل أنت تخشى على مستقبل الشعر في المغرب؟* نعم، من مثل هؤلاء، وهم كثيرون. في سنواتٍ خلت، كان هناك نوع من التساكن الشعري؛ فإلى جانب القصيدة التقليدية كنت تجد قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر والقصيدة الحسّانية والقصيدة الأمازيغية، والمكتوبة بالفرنسية، وهلمّ شعراً. بينما اليوم ثمة اصطفاف شعري على غرار الغرور الحزبي والسياسي الانتخابي. مكمن الخوف عندما يأتي إليك دخلاء يُفْسدون من حيث يدرون ولا يدرون، ويدّعون بأنّهم أحقُّ من غيرهم في مِلْكيّة هذا البيت الذي تسكن فيه أنت. وقد بدأت تظهر بعض الكتابات على شكل نقد ذاتي شعري لقصيدة النثر. ولكن، إذا افترضنا وجود أزمة شعرية فهي عامة تشمل الكتابة الشعرية كلها مغرباً ومشرقاً وكونيّاً لأسباب شتى كغياب كبار الشعراء والقضايا الكبرى، الحاضرة اليوم، ربيعاً عربيّاً وخريفاً شعريّاً، ومغربيّاً تبدو الذاتية المفرطة محور الكون الشعري. وإذا كان الشعر المغربي قليل الالتفات إلى وحدة ‘أرواحه’ المتعددة المرجعيات المتوسطية فإنه كثير ‘الأسئلة الكونية’ التي لا جواب لها في جميع الأطالس والجغرافيات. ربما المغربي بطبعه غير مغامر، كالمشرقي، الفينيقي، ولا أذكر الآن عبارة واردة في رحلة شارل دو فوكو رأى فيها أن المغربي لم يكن يفكر إن كان يوجد أحد خلف الجبل الذي يسكن فيه. وفعلاً، كم لنا من ابن بطوطة؟ وكم شاعرا مغربيا في المهاجر؟ وتأمل كم من الوجوه الإبداعية المشرقية المشرقة في المهاجر الغربية؟ *هل يحصل هذا الأمر بسبب هيمنة قصيدة النثر؟* لا، ليس بسبب قصيدة النثر. صحيح، أنّها مهيمنة تسود المشهد الشعري، إمّا استسهالاً بدعوى أن هذه القصيدة أسهل، وإن كانت في الحقيقة بعكس ذلك إذا قورنت بأشكال الشعر الأخرى؛ وإمّا عجزاً عن الكتابة وفقاً لقواعد العروض التي لا يسايرون الكتابة بها ويجهلونها تمام الجهل. يُضاف إلى ذلك التأثير الثقافي، فأكثرهم يقرأ الرواية والترجمات ولا يقرأ التراث الذي ينظرون إليه باستخفاف ولامبالاة. إن قصيدة النثر مشروع جميل ومستحقّ، إلا أنَّها كلمة حقّ أريد بها باطل. نعم، من حقّ الشعراء أن يتحرّروا من القيود، وأن يأتوا بالبديل، ولكن عن معرفةٍ. ويبدو أنّ النقّاد الذين أعياهم البحث في مواصفات هذه القصيدة لا يظفرون بشيء كثير منها. القصيدة كالكنز تغتني بإضافة القطع الذهبية إليها مثل ‘ميزان الذهب’، فلماذا نفقرها بالنقص والقص منها حتى ‘عينك ميزانك’؟. *لكن هناك نصوصاً جميلة داخل قصيدة النثر. إذا سألتك عن أهمّ ممثّلي هذا النوع الشعري، الذين تجد في نصوصهم تجلّياتٍ لقصيدة نثر حقيقية؟* عندما بدأت قصيدة النثر تنتشر في المغرب، أثار الشاعر أحمد المجاطي انتباهنا إلى شاعر كان يكتب بها، هو عبد اللطيف الفؤادي الذي لا يعرفه أكثرهم. والآن، يمكن أن نذكر بدرجةٍ أقوى محمد بنطلحة، ثمّ مبارك وساط، وإدريس عيسى في بعض قصائده. وضمن النساء، يجدر بنا أن نذكر وفاء العمراني، وهلمّ شعراً ونثراً. وعامة، الذوق الشعري الذاتي ‘عشّاق ملالْ’ لا يستقر على عشق لون من الجمال، الكلي أو الجزئي، ولا جدال فيه كما يقال ذوقاً ولوناً وعشقاً. أدب روسيا ترجمةً واعتبارا:*يعرف الجميع غرامك وتأثُّرك بالأدب الروسي الذي قلت إنّه ربى بداخلك شعوراً عميقاً بالبرد وبالثلج، لكنّه منحك ذخيرة من العمق وسحر الجمال. حديثاً، صدرت لك ترجمات من هذا الأدب، فكيف وُلِد لديك الميل إليه؟ وماذا أثارك فيه من خصائص؟* ولد لديّ هذا الميل لترجمة الشعر الروسي، عندما بدأت أتعلم اللغة الروسية، أول مرة في المركز الثقافي السوفييتي بالرباط، خلال السبعينيات، ثم تعمق هذا العشق الروسي أثناء الدراسة بموسكو، في نهاية الثمانينات، وأخذت أقرأ بها نصوصاً أدبية وشعرية كنت قد اطلعت عليها مترجمة إلى العربية. فلاحظت منذئذ أنّ بعضاً من تلك الترجمات العربية تحيد كثيراً عن الأصل الروسي، لتحقق بالفعل مقولة (الترجمة خيانة). ومن ذلك على سبيل المثال أن أحد المترجمين والكتاب العرب لم يميز في إحدى ألأقاصيص أو الأناشيد الرومانتيكية الغوركية، بين كلمة ‘أوج’ الروسية التي تعني حية غير سامة وبين كلمة ‘يوج’ التي تعني قنفذا، فوقع ضحية هذا الجناس الروسي. وعندئذ تجاسرت على الترجمة الأدبية، الهاوية والعاشقة، التي كان حبي الأول فيها قصيدة ‘انتظريني’ للشاعر والمراسل الحربي والروائي المعروف عربيّاً قسطنطين سيمونوف. وهي في شهرتها تضاهي أو تعادل ‘سجل أنا عربي’ لشاعر المقاومة الفلسطينية محمود درويش أو ‘إذا الشعب يوما أراد الحياة’ للشابي. وتعد من عيون الشعر الروسي ولا تزال جارية على كل لسان منذ كتابتها عام 1941 مع بداية الحرب الوطنية العظمى ضد الغزو النازي إلى اليوم. ولا تخلو ترجماتها العربية العديدة من أخطاء. إذ ترجمها أحدهم ‘انتظرني’ بدلا من ‘انتظريني’ لو اطلع على الأصل الروسي.
ومن أهم خصائص الشعر الروسي، بل وأبرز دروس الأدب الروسي عامة، أنّه استطاع في حيز زمني وجيز أن يحافظ قبل كل شيء على ‘الطبع الروسي’ ـ روسكي خاراكطير ـ حسب ما كتب أليكسي تولستوي في قصة شهيرة بهذا العنوان، وأن يستوعب التراث الإنساني، الغربي والشرقي، ومنه العربي الإسلامي، والأمازيغي المغاربي، وأن يترجم ما لا يحصى من آداب الأمم والشعوب، وأن يدرسها بمناهج علمية وبرؤية نقدية وندية وودية، وأن يتأثر بها ويؤثر فيها، وأن يخلق عبقريته الأدبية والشعرية ذات الجمالية الكلاسيكية الحديثة والقومية العالمية والإنسانية باستمرار الحياة.*صار القول بـ(موت الشعر) في مقابل صعود الرواية عند قطاعٍ لا بأس به من الناس أشبه بالمسلّمة؛ كيف تنظر كشاعر إلى ذلك؟* بسبب رواج خطاب ما بعد الحداثة، صرنا نسمع بموت كلّ شيء: الشعر، المدرسة، الكتاب، إلخ. وبالنسبة لي، لا يمكن للشعر أن يموت إلا بموت الإنسان نفسه. إنّه لغة الإنسان، ورؤية الإنسان إلى نفسه وإلى ما يحيط به في هذا العالم. حتى وإن تطوّرت التكنولوجيا، وتطوّر العلم وأصبحت الحياة كلُّها مادّية شرهة ينتفي فيها كلُّ ما هو جمالي وفنّي وروحي، فإنّه ستظلُّ هناك حاجة دائمة إلى الفنّ والجمال؛ لأن الفنّ ضروريٌّ للإنسان من أجل التعبير عن حاجاته المتنامية. وحتى وإن زالت أو تحوّلت هذه التناقضات التي تستدعي لغة الشعر للتعبير عنها، فإنّه سيكون ثمّة مجال آخر للشعر كالتغنّي بالحياة، وبفرح الإنسان بالحياة، والحبّ والطبيعة. الشّعر لا يموت، لأنه في جمال الحياة، يُشمّ ويُسمع ويُحسّ ويُلمس في كل مكان وأي زمان، وسيبقى الشعر جمالاً ونضالاً بالجمال الذي وحده ينقذ العالم، كما قال كاتب الجريمة والعقاب دستويفسكي، لو استجاب العالم طبعا لنداء الجمال الشعري. وإذا لم يجد الشعر غداة غد بعيد ما يناضل من أجله يغدو غناء الإنسان بجمال الطبيعة وحب الحياة والإنسان. ثُمّ إن القصيدة حرّة واثقة من جمالها لا تستبدّ بها غيرة من أي جنس، وقادرة على المجاورة والمحاورة بكل اللغات. *هل أنت راضٍ عن نفسك بعد هذا الإرث الذي تركته لنا من الشّعر والجمال؟* هل أنا راضٍ؟ الجواب لا يمكن أن يكون إلا بالنفي. لستُ راضياً، فما كنّا نحلم به سعينا إلى التعبير عنه، ولكن عندما نقرأ ما عبّرْنا عنه نجده قاصراً ودون ذلك الحلم. فالإنسان لا حدود لآفاقه وأبعاده، إذ هو دائماً يريد أن يتجاوز ذاته ليعانق ذاته الأخرى، الحقيقية. إنّه مُقسّمٌ بين ما هو عليه الآن وبين ما يحلم أن يكونه. أنا أحلم أن أكون مستحيلاً، وقد كفّ رامبو عن كتابة الشعر لمّا عجز عن التعبير عن هذا المستحيل. الإنسان مادّي بقدرما هو ميتافزيقي. ومع ذلك، المستحيل نُحقّقه فوراً وأما المعجزات فلا تحتاج إلا لوقت قليل جدّاً لتصبح منجزات، كان هذا مما تعلمته من حب موسكو التي لا تؤمن بالدموع.