عبد الله مشاعلي يعتبر تسليم آخر رئيس وزراء في عهد القذّافي الحدث الأبرز الذي طبع نهاية الأسبوع في تونس إن لم نقل في المحيط الإقليمي كله، حيث تصدّر حدث تسليم البغدادي عناوين الصّحف وخلق جملة من التّجاذبات بين مكوّنات المجتمع المدني التونسي من منظّمات وأحزاب كما خلق عاصفة فعلية إن لم نقل زلزالا يهدد عرش الترويكا الأنموذج الذي قدّم للعالم إمكانية التوافق بين قوى سياسية وإيديولوجية مختلفة المشارب والرؤى والأهداف. زلزال هو في الأصل لم يأت من فراغ وستكون له أيضا ارتدادات في المستقبل القريب حول علاقة الأحزاب الحاكمة بعضها ببعض. لكن في البداية سنقوم بتحليل بعض المعطيات التي قد تكون ساهمت في التّعجيل بتسليم المحمودي إلى ليبيا رغم وعود الرئيس المرزوقي بتسليمه إلى حكومة منتخبة انتخابا ديمقراطيا.
المعطى الأمني: رافق الانفلات الأمني في ليبيا ودخول كافّة أنواع الأسلحة وانتشارها في كل مناطق ليبيا تأثر تونس البلد الصّغير بهذا الانفلات حيث تدفق السلاح على ترابنا تدفّقا رهيبا كما لجأ إلينا كل فرقاء الحرب سواء من الثوار أو من كتائب القذافي وأصبحت تونس ساحة صراع معلن وخفيّ بين هؤلاء الفرقاء رغم محاولة الحكومات المتعاقبة نفي هذا الصراع تارة والتستّر عليه تارة أخرى. وقد كان المحمودي في قلب هذا الصراع فقد حاولت كتائب القذافي اختطافه بمساعدة من عصابات تونسية وذلك في أثناء نقله من السجن إلى قاعة المحكمة في مرات متعدّدة والدليل على ذلك أن المحمودي قد أجّلت محاكمته مرارا بسبب عدم حضوره إلى قاعة المحكمة لظروف أمنية، بهذا المعنى أصبح المحمودي يمثّل كابوسا أمنيا على الحكومة التونسية التّي أصبحت تريد التخلّص منه عاجلا، كما كان لحادثة تطاوين وحديث الولايات المتّحدة عن سعي القاعدة إلى إقامة إمارة إسلامية في مستوى الهلال التونسي بين تونس والجزائر وليبيا في عمق الصحراء دور في الإسراع بهذا التسليم حتى تقطع تونس مع تهديدات الثوار بدعم القاعدة إن لم تسلّم تونس رئيس الوزراء الليبي السابق، فأرادت الحكومة بهذا الشكل قطع الطريق على من يريد العبث بأمننا القومي والتّعامل بقسوة مع من يتجرأ على ذلك مع انتفاء الذرائع، خاصة مع معلومات تتحدث عن دعم عسكري ولوجستي أمريكي كبير للجيش التونسي لمواجهة القاعدة بعد تفكّك الجيش الليبي وعجز الجيش الجزائري عن السيطرة على أجزاء كثيرة من الصحراء، وسيطرة مجموعات مسلّحة على شمال مالي وإعلان إمارة إسلاميّة بها، كل ذلك يجعل تسليم البغدادي أمرا منطقيا إذا أضفنا إليه كمّ الجرائم العالقة بنظام القذافي وبه هو شخصيّا مع تسرّب تسجيلات تبرزه محرّضا الكتائب على اغتصاب نساء من زوارة.
المعطى الاقتصادي: القراءة البراغماتية التي تعاملت بها النهضة مع الواقع الاقتصادي المتردي الذي خلّفه نظام المخلوع وخاصة محاولتها ربط شبكة من العلاقات مع محيطها الإقليمي والعربي والعالمي لتساعد نفسها اقتصاديا هذا الربط الذي جلب لها الانتقاد خاصة من الأطراف التي تقاسمها نفس الرؤية الإيديولوجية (العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية) يجعل تسليم البغدادي يدخل في هذا الإطار فالعلاقة الاقتصادية القوية مع الجار الغنيّ قد تمثّل فرصة للحكومة للإفلات من الضغط الاجتماعي الذي وجدت نفسها فيه مع تزايد نسب البطالة وعجز الحكومة عن تقديم حلول جذرية للأزمة فيكون تسليم المحمودي إلى حكومة الكيب عربون حسن نية ورغبة في التعاون المشترك ولعل زيارة الأخير إلى تونس والحديث عن تقديمه معونة مالية كبيرة للحكومة يجعل عمليّة التسليم تدخل ضمن هذا المعطى الاقتصادي.
إن تسليم المحمودي وما أساله من حبر لا يخرج عن إطار رؤية متناقضة بين فكر النهضة الميال إلى التعامل (الانتهازي) مع المستجدات ـ في مشهد نلمسه في سياسات الدول الغربية ـ وبين فكر المرزوقي ذلك الرئيس الثائر الميال إلى فلسفة المبادئ، والذي مازال حقوقي الطبع رغم ما يقتضيه منصب الرئيس أحيانا من قرارات قد تكون على حساب المبدأ. كل هذا يجعل هذه الأزمة قابلة للتطوّر والاحتداد وإن حاولت كل الأطراف التكتم عليها. محلل سياسي تونسي