تعزية لرئيس الجمهورية… بقي المسكين وحيدا

حجم الخط
0

إسماعيل ألقاسمي الحسني لا يفهم من كلامي نقدا ساخرا ينضح بالمرارة، وأرجو من القارئ المتابع لمقالتي ألا يلوي ذراعي بالقول: كيف يا فلان تتعاطف مع رئيس الجمهورية، ونحن نشهد عليك في ثاني مقالاتك منذ ثلاث سنوات، أنك لا تعترف به رئيسا، مدعيا أن ما أسس على باطل فهو باطل. فالموضوع اليوم إنساني بحت، فضلا عن ذلك هناك خاصية مشتركة بين الفلاح والرئيس، فنحن معشر الفلاحين نعشق خدمة الأرض حد الثمالة، لا نعترف للحكيم زهير بن أبي سلمي بصحة قوله: … ومن يعش ثمانين حولا لا أب لك يسأم. فتجد الواحد منا، وقد كادت أطرافه تتحنط كبرا، وقد وهنت عظامها واشتعل رأسه شيبا، ينزل إلى الحقل وإن محمولا على أكتاف بنيه، يختار أي عمل هين، كمراقبة السقي مثلا، أو الإمساك بطرف حبل قد ربط بساق عنزة؛ لكن الأهم شعور الفلاح الطاعن العاجز بالوجود، يعبر عنه بالصراخ على أولاده وهو يوجههم، صحيح أن البصر يكاد ينعدم فلا يميز بين ابنه والحمار والشجر، وصحيح كذلك أن الصوت متهدج متقطع، تداخلت مخارج حروفه، ولكن المهم أنه موجود ويعمل. كذلكم رئيس الجمهورية يعشق خدمة أرض الوطن، وإن بلغت حاله مثل الحال التي وصفت. ثم هناك أمر آخر أعرف مدى وقعه على النفس البشرية، وهو تفرق الأحبة من الأتراب خاصة، وتخطف الموت لهم الواحد تلو الآخر، يورث شعورا ثقيلا على من بقي من بعدهم، نصفه الفراغ الرهيب الذي خلفوه، والنصف الآخر ترقب دوره متى يكون، قطعا في القريب العاجل، وهذه حال الرئيس كذلك.

أقدم هذا الكلام لعلمي بمكانة محمد حسني مبارك لدى رئيس الجمهورية، فما علمته من ديوانه أنه وعلى امتداد عقد كامل، لم يخل يوم واحد من اتصال هاتفي، نادرا ما يقل عند نصف ساعة، حتى دخلت كرة القدم بينهما، كما علمت من ذات المصدر أن رئيس الجمهورية الجزائرية أهدى لوحات زيتية أصيلة، بريشة واحد من أشهر الرسامين العالميين، لصديقه حسني مبارك، تعبيرا على مدى حبه وتقديره لشخصه؛ فضلا عما سبق ذكره، فرئيس جمهوريتنا لا يكن حبا فقط لمبارك، وإنما يقاسمه تماما الأفكار والسياسات إن صح التعبير، فقد أشارت إحدى وثائق وكيليكس نقلا عن سفير الولايات المتحدة بالجزائر، قول الرئيس الجزائري لقائد قوات أفريكوم (الأمريكي): ‘لو كان قطاع غزة على الحدود الجزائرية، لفعلت ما فعله حسني مبارك وأكثر’ في إشارة للسد الحديدي والحصار البري المطبق.

إن توالي الصدمات على رئيس الجمهورية الجزائري، تفرض علينا على الاقل من الجانب الإنساني التعاطف معه ومواساته، فالرجل لم يكد يجلس على كرسي الرئاسة عامه الأول- وإن بطريقة غير شرعية- سنة 1999 حتى أصيب في أربعة من زملائه على حد تعبير الفنان عادل إمام في مسرحية ‘الزعيم’ : يعني زميل. الملك عيسى بن سلمان آل خليفة (البحرين) والملك الحسين (الاردن) والملك الحسن الثاني (المغرب)، وختام العام رحل حافظ الأسد 2000 (سوريا)، ما كاد الرئيس أن يتم عهدته الأولى 2004 حتى غيب الموت الشيخ زايد بن سلطان (الإمارات) وياسر عرفات (فلسطين)، وما لبث الرجل أن يتمتع بعهدته الثانية، حتى أفجعه نبأ وفاة الملك فهد بن عبد العزيز 2005 (السعودية) ولعله دعا الله مخلصا أن يكون ذلك آخر الأحزان، حتى وإن كان من سلفوا جميعهم من جيله؛ لكن المصيبة تعاظمت بشكل درامي حقا، فهؤلاء السبعة لقوا الله بشكل طبيعي، وأخذت عجلة الموت منحى تراجيديا، إذ لم تنتصف عهدة الرئيس حتى فجع بتنفيذ حكم الإعدام بحق صدام حسين 2006 (العراق) بعد أن احتل بلده وخرب تماما. واستقرت به الحال في عهدته الثالثة – أطال الله بقاءه- بعد أن عدل في الدستور الجزائري بما يقضي بضرورة خلوده، وشمر على ساعديه استعدادا للعهدة الرابعة، فخدمة أرض الوطن فرض عين، حتى وإن اقتصر الأمر على إمساك طرف الحبل الذي ربط بساق العنزة، حتى وإن كان لا يميز بين الحمار والوزير الأول، وصراخه أقرب للهذيان والهرطقة، إلا أن التعبير عن الوجود ضرورة حياتيه ملحة؛ لكن لم يمض نصف العهدة الثالثة، حتى لم يعد الموت فحسب يتهدد الرؤساء، وإنما بعبع آخر لم يكن في الحسبان أبدا، عنوانه العريض والخطير: ‘الشعب يريد إسقاط النظام’. وترجم وجوده الواقعي والعملي فعلا، فطير في عام واحد 2011 زين العابدين بن علي (تونس) وعلي عبد الله صالح (اليمن) والعقيد معمر القذافي (ليبيا) وحسني مبارك (مصر) والحبل على الجرار.

إذا عددنا الذين رحلوا من زملاء الرئيس الجزائري فترة حكمه قطعا يزيدون على العشرة وكلهم من جيله تقريبا، وإذا أضفنا لهم من أقيلوا أو انتهت مهامهم بشكل طبيعي كرئيس لبنان، لزاد العدد عن العشرة. المؤكد أن دول الجوار للجزائر كلها تغير رؤساؤها، ولم يبق أنيسا لرئيسنا على مستوى العالم العربي إلا اثنين، لهذا أشعر بالتعاطف نحوه والشفقة على حاله – أطال الله بقاءه- أرفع إليه أصدق عبارات التعازي….. فقد بقي المسكين وحيدا.’ فلاح جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية